رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 21 ذو القعدة 1423هـ -25 يناير 2003
العدد 1562

أي ديمقراطية للعراق إذا كان الشعب الأمريكي لا يتمتع بها
“ديمقراطية الدولار” الأمريكية في عصر الإمبراطورية

   

·  إدارة بوش تنفق المليارات على التسلح وتحرم الشعب

·   البذلات الملوثة بالنفط في البيت الأبيض تريد السيطرة على العراق

لاتظهر الحقائق القاسية بشأن الحياة والسياسة الأمريكيتين بوضوح أعظم مما تكونان  في وسائل الإعلام الأمريكية الكبرى “الشركات” فعلى سبيل المثال، يمكننا أن ننظر إلى عدد السادس من يناير “الحالي” لصحيفة “نيويورك تايمز”·

فقد عرفنا من قراءة العمود الأيسر على رأس الصفحة الأولى لـ “صحيفة الأرقام القياسية” في الأمة (الأمريكية) أن البيت الأبيض “يجمع خططا “لاحتلال مدته 18 شهرا يؤدي إلى تعزيز الديمقراطية في العراق”·

وذكرت “نيويورك تايمز” أن مسؤولي البيت الأبيض يبحثون “في الأساس القانوني للسيطرة على العراق”·

ولاحظت الصحيفة أن هذه الخطط مائعة ومتوقفة على عوامل كثيرة، لكن استنادا إلى جميع السيناريوهات فإن “الجيوش الأمريكية ستكون اللاعب الأساسي”·

ثم نلتفت إلى رواية في العمود الأيمن في أعلى الصفحة الأولى من “نيويورك تايمز” حتى نعرف بشأن اقتراح جورج بوش إلغاء الضرائب عن عوائد أسهم الشركات المدفوعة لحاملي أسهم الشركات الأمريكية، وهذا الإجراء يمكن أن يكلف الحكومة 300 مليار دولار في عشر سنين ويمكن أن يخلق عجزا أكبر للخزينة في المستقبل حسب ما كتبت نيويورك تايمز·

وأضافت الصحيفة أن المحللين يعتقدون أن أكثر من نصف المكاسب الضريبية المحققة من إلغاء الضرائب على أرباح الأسهم يمكن أن يصب في جيوب أغنى خمسة في المئة من واضعي الضرائب·

وتقدم رواية أخرى على الصفحة الأولى للعدد نفسه من “نيويورك تايمز” سياقا معينا لاقتراح بوش الذي فاجأت راديكاليته الانكفائية “التراجعية” بعض مستشاريه، فقد لاحظت أن الشركات الأمريكية تنقلب من الهجوم إلى الدفاع في أثناء متابعة جدول أعماليها السياسي في كونغرس جمهوري، وكتبت “نيويورك تايمز” أنه “اعتمادا” على آذان صاغية في الكونغرس الجديد، فإن طبقة رجال الأعمال ترى أن التايمز السياسي في واشنطن هو “فرصتها لإسماع صوتها” وبناء على ذلك، أخذت هذه الطبقة تتحرك بجسارة من أجل متابعة تخفيضات ضرائب أصحاب الامتيازات والخصخصة والتغيرات في قانون التعويضات و”الفرص الجديدة للكسب من الحرب على الإرهاب”·

وعلى  سبيل الدقة، ينبغي القول إن هناك بضعة أمور رئيسية حذفت من تغطية “نيويورك تايمز” لهذه القصص، ففي ما يخص خطط الاحتلال، لم يكن هناك مناقشة نزيهة لما يقصده “البوشيّون” بالديمقراطية، ذلك أن نعوم شومسكي يقيم تمييزا واضحا بين المعنى القاموسي للديمقراطية والمعنى العلمي “العقدي” (من العقيدة) الذي يستعمله مهندسو السياسة الأمريكيون ومهندسو الرأي العام·

فالأول يعني صوتا واحدا لشخص واحد والسلطة غير المُمركزة، والنفوذ المتكافئ في صنع السياسة بالنسبة إلى الجميع بغض النظر عن الثورة والفروق الأخرى، والمعنى الثاني يعود حسب شومسكي إلى “نظام تُتّخذُ فيه القرارات بوساطة قطاعات الأعمال والنخب المتصلة بها” وفيها “يكون عامة الناس متفرجين لامشاركين”·

وإذا وضعنا جانباً سخافة الفكرة القائلة إن أمة معينة تستطيع أن تفرض بوساطة القوة العسكرية الديمقراطية على أمة أخرى، يمكننا التأكد من أن “ديمقراطية” يروج لها البنتاغون ستكون آتية حصراً من المفهوم الثاني وذات سمات إثنية وإمبريالية ساحقة، ذلك أن سلطات  الاحتلال الأمريكية لن تكون لها مصلحة في تقوية شيعة العراق وأكراده، إنما ستعمل على إخضاع مصالح رجال الأعمال العراقيين لمصالح الشركات الأمريكية والعالمية·

ولم يكن بإمكان “نيويورك تايمز” طبعا أن تلاحظ السخف الكامن في مسعى نخبة الحزبيين لادعاء الحق في تصدير الديمقراطية إلى الآخرين، ذلك أن المكان الأَوْلى بإرساء الديمقراطية هو في داخل الولايات المتحدة حيث يملك واحد في المئة من السكان  40 في المئة تقريبا من ثروة الأمة وحصة ربما كانت أكبر في عملية صناعة القرار، إن صوت الشركات الكبرى يكون دائماً أعلى في أروقة السلطة السياسية واشنطن أيا كان الجناح السياسي لغرفة التجارة الأمريكية هو الأقوى في الكونغرس·

وهل يعتقد أحد فعلا أن الولايات المتحدة تريد السيطرة على نفط العراق من أجل دفع كلفة إعادة بنائه أو حماية النفط من أجل العراقيين على نحو ما تكتب “نيويورك تايمز”؟ والغريب هنا أننا لم نر أي ذكر للاستثمارات الفرنسية والروسية في النفط العراقي، هذه الاستثمارات التي تزعج ذوي البذلات الملوثة بالنفط في البيت الأبيض·

إنه من قبيل الإفراط في التوقع أن ننتظر من صحافة المؤسسات أن تناقش هذه القضايا بطريقة نزيهة، ذات مغزى وشاملة·

الحقائق المتوافرة

هناك شيء ثان أغفـله عدد السادس من يناير لـ “نيويورك تايمز” وهو ذكر كلفة الاحتلال الأمريكي للعراق المترتبة على دافعي الضرائب الأمريكيين، ففي مقالة تحليلية أخيرة في قسم مراجعة الكتب في “نيويورك تايمز” قدّر أستاذ الاقتصاد في جامعة ييل وليام نوردهاوس أن الاحتلال الأمريكي للعراق قد يكلف ما لا يقل عن 150 مليار دولار·

أو ربما يكلف ألفا و 600 دولار (1,6 تريليون دولار) ويعتقد نوردهاوس أن هوس إدارة بوش بالعراق ينطوي على كلفة مالية في زمن “النمو البطيء وعجز الميزانية وأزمة إدارة الشركات وتصاعد مشكلات الرعاية الصحية” في “الوطن الأم” الأمريكي·

هناك شيء ثالث محذوف يتصل بالطبيعة غير الضرورية للحرب التي يخطط لها البيت الأبيض وهو إصرار “الملك جورج” على أن صدام حسين يمثل تهديدا خطيرا للأمريكيين أو حتى لجيرانه في الشرق الأوسط·

وهذا الموضوع هو موضوع مفتوح للنقاش النزيه بالنسبة إلى من يريدون النظر فيه·

فعلى سبيل المثال، يمكن قراءة مقالة حديثة كتبها عالم السياسة البارز في جامعة شيكاغو جون مير شيمر وزميله في جامعة هارفرد ستيفن وولت في أحد الأعداد الأخيرة لنشرة “فورني بوليسي”·

وفي هذه المقالة التي كانت بعنوان “حرب غير ضرورية”، توضح هذه المقالة الدقيقة الخط التلاعبي الواضح لإدارة بوش بشأن صدام باعتباره معتديا انتحاريا مجنونا·

وهناك إغفال رابع في عدد السادس من يناير لـ “نيويورك تايمز” هو سخف الفكرة القائلة إن إفساح المجال المعطى للأغنياء من بوش سيؤدي إلى تشجيع اقتصاد الأمة الأمريكية، غير أن هذا ما اعترفت به وسائل الإعلام الرئيسية عموما بما فيها “نيويورك تايمز”، نفسها في الأسبوع التالي·

وقد كانت إحدى مشكلات خطة بوش هي إخفاقها في إكساب الأموال لمن ينفقونها أكثر أي الأمريكيين في الطبقات الدنيا والمتوسطة·

وقد كتب المعلق رالف مايتر في صحيفة شيكاغو صن تايمز عن حزمة بوش “المالية والاقتصادية”، غير المسؤولة لا أخلاقيا ولا ماليا باعتبار أنها ستؤدي إلى تفاقم المشكلات الأساسية للاقتصاد الأمريكي·

وقد قدم الكاتب الصحافي بول كروغمان إطارا مفيدا لفهم الخطة الخالية من المحفزات المقدمة في السابع من فبراير، فقد لا حظ كروغمان أن مسؤولي البيت الأبيض يراهنون على أن “الاقتصاد سيتعافى من تلقاء نفسه”، وأنهم يريدون ذريعة الحوافز “التشجيعة” باعتبارها فرصة لخفض الضرائب على الأغنياء، وتعجب كروغمان بحق مما إذا كان هؤلاء المسؤولون سيدركون ذات يوم أن مهمتهم هي حل المشاكل لا استعمالها”، ثم لام المراسلين الصحافيين بقوة كونهم أشد خوفا من تهمة الانحياز الإعلامي الليبرالي من أن يقدموا رواية كاملة عن الخطة·

لكن المحلل آر· سي لونغوورث يقدم في صحيفة “شيكاغو تريبيون” رؤية إيجابية بشأن خطة بوش بمناسبة زيارة الرئيس لـ “شيكاغو”، فقد كتب في كلمته أمام النادي الاقتصادي لشيكاغو “سمّى بوش خُطّتهُ خطه الوظائف والنمو وقال إنها ستشجع اقتصادا متباطئا بخفض للضرائب يفيد أبناء الطبقة الوسطى أساساً، لكن معظم الاقتصاديين يقولون أن خفض الضرائب سيفيد الأكثر غنى أساسا”، وحتى المحافظون أنفسهم شكوا في أن تستطيع الخطة تشجيع الاقتصاد، لكن كل هذا يغفل القضية الجوهرية حسب ما يقول الاقتصاديون،فقد أكدوا أن “الحكاية الحقيقية هي الفلسفة الموجهة الكامنة وراء خفض الضرائب، ومفادها نقل عبء الضرائب على الشركات والمستثمرين نحو المداخيل والاستهلاك”·

ويدرك لونغوورث، وهو صحافي لامع يكتب على يسار مجلس التحرير اليميني في صحيفته جدول الأعمال القاتم لدى بوش: استغلال مصاعب الناس لإعادة توزيع الثروة نحو الأعلى في الأمة الأقل عدالة في العالم الصناعي·

وكل ذلك يتطابق بقوة مع الدوافع الحقيقية الكامنة في السياسة الأمريكية لما بعد مرحلة الحادي عشر من سبتمبر، ذلك أن الهجمات الإرهابية بالطائرات المدنية في سبتمبر من عام 2001 والخوف واضطراب الأمن اللذين عمقتهما كانا ريحاً مواتية لإدارة ترى أن مهمتها الأساسية هي دائما تعميق التركيز على الثروة والسلطة وتهميش المعارضة في الداخل والخارج، وهذه هي الحقيقة التي يستحيل قولها وراء كلمات بوش بعد ثلاثة أيام من الأحداث المأساوية: فقد قال بوش للأمريكيين أنه من خلال الدموع كان يرى “الفرصة”·

خرافة الدولة العاجزة والمفلسة ماليا

مع كل السمات والعيوب، هناك قصة قائمة ومهمة حول المجتمع والسياسة الأمريكيين يمكن أن يعرفها هؤلاء أصحاب الوقت والطاقة حتى ينظروا قليلا في المخارج المعلوماتية للمؤسسة·

ففي أغنى البلدان الصناعية لكن أقلها عدالة ومساواة وأكثرها رجعية مالية، هناك رواية رائجة تقول أن القطاع العام تعوزه الأموال الكافية لتعليم أطفال البلاد، وأن الدولة لاتملك الأموال الكافية لتغطية الرعاية “الصحية فتركت 42 مليون أمريكي من دون تأمين طبي أساسي، وهي لا تستطيع أن تعطي كل تكاليف البطالة لجميع العاطلين عن العمل،  وهي تحتاج إلى الأموال الضرورية لتوفير رعاية غير مكلفة للأطفال وتأمين الإسكان والأدوية التي هوت إلى قصر التراتبية الاجتماعية الاقتصادية السحيقة·

ولا تملك الدولة “الأمريكية” أموالا كافية لتوفير خدمات إعادة التأهيل لملايين السجناء والسجناء السابقين السود الذين نالوا وصمة تلازمهم مدى الحياة، وهي تفتقر إلى الأموال اللازمة لتوفير تدريبي وظيفي نافع ودفع المنح العائلية لسكان المدن الداخلية وفقراء الريف، وحماية المستهلكين والبيئة وحماية الأقليات من التمييز في الوظائف الحساسة والأسواق العقارية·

وتفتقر الدولة إلى الأموال من أجل انتخابات عامة يمولها القطاع العام وتوفير وقت تلفزيوني حرّ للمرشحين، أي في ما هو ضروري لمكافحة النفوذ المدمر للثروات الشخصية المستثمرة في “ديمقراطية الدولار”، وهي “أفضل ما يمكن أن يشترى بالمال”، إن قائمة الحاجات الاجتماعية والاقتصادية والبشرية التي لا تستطيع الحكومة الأمريكية تلبيتها لا يمكن حصرها، غير أن هناك الكثير مما يعتقد صانعو السياسة أن الحكومة الأمريكية تستطيع أن تنفق، عليه وينبغي أن تنفق·

فبطريقة ما، تستطيع الحكومة إنفاق تريليونات الدولارات على “القطط السمان” لخفض الضرائب الذي يصب في جيوب أقل الناس عوزا· ويمكن أن تنفق على الجيوش بأعظم مما يستطيع جميع أعدائها الشريرين مجتمعين فتقدم عونا ماليا لقطاع التكنولوجيا المتطورة في الشركات بما في ذلك مليارات الدولارات على الأسلحة و “النظم الدفاعية” التي لا تنفع بشيء في مواجهة التهديدات الحقيقية الماثلة أمام الشعب الأمريكي، وتستطيع الحكومة الأمريكية أن تتحمل سجن نسبة من مواطنيها هي الأعظم مما في أي دولة في التاريخ وأن تنفق مئات ملايين الدولارات كل سنة على أشكال مختلفة من رفاهية الشركات·

بقلم: بول ستريت

معلق في ZNet ويكتب

دائما في Zmagazine·

المصدر www.Zmag.org

طباعة  

عجز عن المساعدة غـيـر مقـبـول
وقرع طبول الحرب