مجلة “شعر” جاءت إليّ
“أدونيس هو الذي عرّفني على جماعة مجلة “شعر”· كنا في سجن المزة معا، وكنت مطاردا، فهربت إلى بيروت· وهناك كانت بدايتي الحقيقية·
وصراحة أنا لم أذهب إلى مجلة “شعر”، بل مجلة “شعر” جاءت إلي، لا لأسباب ثقافية أو مذهبية، إنما لسبب بسيط جدا، هو أنني لم أكن أملك أجرة التاكسي أو السرفيس، لأذهب إلى “رأس بيروت”، حيث مقر المجلة، وعندما انحلت مشكلة المواصلات هذه، وبدأت أكتب أو أقرأ ما أكتب، لم يكن يهمني أو يعنيني اللغة التي أكتب، أو الأسلوب الذي ألتزم به، أو المجلة التي سأنشر قصائدي علي صفحاتها، كنت متألما ومطاردا، ولجأت إلى الشعر، كما يلجأ الإنسان البدائي إلى جذع شجرة هربا من الوحوش التي تطارده، بصرف النظر عن نوع الشجرة، أو فصيلتها كانت جماعة “شعر” غارقة في متاهات جدلية عن الوجود والعدم، وفي ألغاز تفصلها مئة سنة ضوئية عما يدور على الأرض، أما أنا فكنت غاضبا وجائعا، أتحدث عن “قمل” السجن، والقدم الحجرية للسجان على قلبي، وعن التوابيت وساحات الإعدام، وعن الأحلام التي انطفأت·
وقالوا لي وقتها: “لقد خرجت بالشعر من صومعته إلى المقهى”· كنا مجموعة من الغجر بلا مأوى، فجاء يوسف الخال ونصب لنا خيمة سميت “مجلة شعر”·· وهؤلاء الذين آوتهم، كانوا أول من مزّقها وحطم عطاءاتها، إنها ككل بداية ثورية أو فكرة أصيلة، ما إن تأخذ طريقها في النمو، حتى تنقض عليها، آلاف الأفكار المزيّفة والبدايات المختلة، لتأخذ مكانها باسم الشعارات الثورية”·
محمد الماغوط - “زوايا”أوراقنا البيضاء!
------------------------------
أوراقنا البيضاء!
“في أيام انتفاضة الشمال آذار 1991، وتحرير المدن والقصبات، حملنا محطة إذاعة الانتفاضة من قرية “زلي” الحدودية إلى قصبة “رانية”، وبالتحديد في مبنى “رعاية الشباب”، وهي منظمة كان يشرف عليها ويديرها جهاز المخابرات·
اكتشفنا أن أوراق الكتابة تنقصنا لمتابعة توجيه النداءات والبيانات استكمالا لمراحل الانتفاضة الملتهبة يوما بعد آخر·
ولم تستغرق حيرتنا وقتا، فقد جاءنا أحد الزملاء من إحدى غرف مبنى “رعاية الشباب” بنبأ يقين، وصاح مبشرا: لقد اكتشفت كنزا من أوراق الكتابة!
وذهبنا معه إلى غرفة· الكنز، فرأينا كميات كبيرة من أوراق الكتابة على شكل رزم كبيرة مرصوصة فوق بعضها، ولكنها كانت تحمل في زاوية عليا منها، إلى اليمني، عبارة “جامعة الكويت· كلية الآداب!”·
المسافة قد لا تبدو شاسعة بين الكويت وقصبة “رانية”، ولكن وجدت أوراق رسمية لجامعة الكويت طريقها الى هذه القصبة النائية من شمال العراق؟·· يبدو أن المسألة شبيهة بما حدث في الحرب العراقية، الإيرانية، عندا أضاعت الدبابات العراقية طريقها، فتوجهت إلى “عبادان” بدلا من فلسطين”!
عباس البدري “المؤتمر”