
كتب المحرر الثقافي:
ضمن فعاليات مهرجان “القرين الثقافي التاسع”، أقام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب أمسيته الثانية تحت عنوان “منارات ثقافية كويتية” للشاعر فهد العسكر مساء يوم الاثنين الماضي، في رابطة الأدباء، قدم فيها كل من الشاعر والأديب عبدالمحسن الرشيد البدر والدكتورة نورية الرومي صفحات من المسيرة الحياتية والشعرية لفهد العسكر، قدم المحاضرين الدكتور عبدالله الغزالي بحضور عدد كبير من الأدباء والصحافيين، وموظفي المجلس الوطني·
بدأ الشاعر والأديب عبدالمحسن الرشيد حديثه عن فهد العسكر باسترجاع ذكرياته عن بدايات معرفته بالعسكر، قبل أن يصبح صديقا مقربا الى نفسه· إذ يروي كيف رآه للمرة الأولى “ذات يوم اصطحبني والدي الى محل تجاري في سوق المناخ، وكنت في سن الثانية عشرة، أو أكثر بعام، ومررنا من أمام مقهى صغير، وهناك وجدت شخصا مستلقيا على أحد المقاعد الطويلة، واضعا رجلا على رجل، ويدخن السجائر وعلى الرغم من صغر سني فقد أثار ذلك المنظر اشمئزازي، واعتبرت أن هذا الرجل لا يحترم الناس من حوله، ولا يعرف آداب الجلوس في الأماكن العامة· ولم يخطر ببالي أبدا أن ذلك الشخص سيغدو ذات يوم صديقا عزيزا علي· لم يكن ذلك المستلقي على المقعد وسط رواد المقهى وعلى مرأى من جمهور المارين في السوق، إلا فهد العسكر عينه”· ثم ينتقل الرشيد الى لقائه بالعسكر قائلا “عندما أصبحت مدرسا في مدرسة الأحمدية، ولما بدأت أشعاري تنتشر وعرفني الناس، سألت صديقي عبدالله سنان أن نلتقي الشاعر فهد العسكر، فقال لي “هذا أمر يسير”، وفعلا ذهبت معه الى مقهى يقع بين سوق الغربللي وسوق “الجت”· وهناك كان فهد العسكر يجلس مع مجموعة من الأصدقاء أذكر منهم خالد المشاري ومحمد حبيب وأحمد السرحان، وقد أسمعوه بعض أشعاري·· وتكرر ذهابي الى ذلك المجلس كل أسبوع خاصة بعدما أصر فهد علي”·
ويواصل الرشيد حديث الذكريات عن العسكر “بعد فترة انتقل المجلس الى مقهى آخر يقع خلف سوق الزل، حيث كنت أتردد على فهد الذي عاد ونقل مجلسه الى أمام ديوان أهله في شارع كانوا يسمونه “سكة عنترة”·· ومن الذين كانوا يترددون على المجلس أحيانا الأستاذ راشد السيف وعبدالله زكريا الأنصاري، والقاضي الشاعر عبدالمحسن، وكذلك أحمد البشر الرومي بين الحين والآخر، وغيرهم، كما كان يؤم المجلس أيضا بعض الشباب، أذكر منهم عبدالمحسن الحمود وعبدالوهاب القرطاس وأخاه”·
مؤكدا بحديثه عن تلك المجالس طبيعة العسكر الاجتماعية وحبه للقاء الأصدقاء· بالإضافة الى الدور الثقافي الذي يؤديه مجلس العسكر، حيث يتداول الحضور قصائد الشعر وأحاديث الثقافة والشؤون الأخرى العامة·
ويستعرض الرشيد بحديثه أهمية العسكر كداع للتغيير والتحرر والنهضة في ذلك الوقت، ورفضه لوجوه الأمراض الاجتماعية ومحاربته لمستغلي المرأة والوطن والدين·
ويرى الرشيد أن تلك الاحتجاجات من قبل العسكر قد ألبت عليه رجال الدين، حتى وصل الأمر الى الطعن بعقيدته، ويجزم الرشيد أن “فهد العسكر لم يكن ملحدا··”، كما ينفي قضية سجنه الواردة في إحدى قصائده، ويفسرها كسجن نفسي من نسج خيال العكسر، وليس بحقيقة· وينفي الرشيد أيضا تهمة النازية التي أطلقت على العسكر أيام الحرب العالمية الثانية، وعن المرأة في حياة العسكر يقول “لا توجد امرأة حقيقية في حياته”·
ويروي الرشيد خصالا كريمة شهدها في شخص صديقه العسكر “بعدما أخذ فهد نصيبه من تركة والده، كان الناس يتقاطرون عليه كل يوم، ويعطيهم بالمئات، كان ذلك يحدث مرارا، ومن هولاء كان الفنان عبدالله الفضالة”·
ويكشف الرشيد العنوان الذي كان يرغب العسكر تسمية ديوانه فيه، وهو “الفجر الصادق”، ويقول “عندما شكلنا نادي المعلمين - الأول - في الأربعينيات، رأينا أن نبذل جهدنا لطبع ديوانه فجمعنا أشعاره، خالد المسلم وأنا وعدد من الذين كانوا يحتفظون ببعضها، وأرسلناها الى الأديب عبدالله زكريا الأنصاري الذي كان يعمل حينها محاسبا في “بيت الكويت” في مصر لكي يطبعها في ديوان هناك· وهكذا كان نادي المعلمين صاحب الفكرة الأساسية في إصدار أول ديوان لفهد العسكر” ويضيف الرشيد في حديثه عن ظروف الإصدار إلا أن الأنصاري قد تأخر لسنوات في طبع الديوان، وكان قد كتب عن قصائد العسكر لفترة، إلا أن ضغط الأصدقاء ومحبي الشاعر قد ساعد في سرعة إنجاز الديوان وطباعته·
نورية والعسكر
في الجزء الآخر من الأمسية، خصصت الدكتورة نورية الرومي حديثها في موضوع المرأة في شعر العسكر، بادئة بالنقلة التي أحدثها الشاعر في اتخاذ المرأة رمزا لكثير من القضايا التي كانت تشغله سواء في المجتمع أو الحياة أو الكون·
وأكدت د· الرومي أهمية العسكر كرائد أثر في الحركة الشعرية، لأن فهد العسكر قد أدرك النقلة الحضارية والثقافية الحديثة في الكويت، والتي نتج عنها صراع شديد بين القديم والجديد وبين التقاليد الكويتية، ونظم الحياة الحديثة الوافدة، كما أن الشاعر قد أحس إحساسا عميقا بهذا التناقض الذي كان يقف في طريقه وطريق غيره من أبناء جيله حجر عثرة يحول بينه وبين الاستمتاع بالحياة الجديدة، فعبر عن ذلك كله تعبيرا فنيا رومانسيا، رامزا فيه إلى المرأة، وراح يتجرأ في هذا التعبير على البيئة القديمة، ساخرا من تقاليدها، محققا في شعره ما لم يجرؤ على تحقيقه في حياته العملية·
وفسرت د· الرومي السخط الذي قوبل به شعر العسكر أن هؤلاء الساخطين قد فهموا هذا الشعر بمعناه المباشر، ولم يفهموا رمزه الفني فهما صحيحا، فاتخذوا من فنه صورة لحياته، وخلقه، وسلوكه، ودينه، وذلك لغلبة التجارب العاطفية على فنه الشعري·
وأعادت د· الرومي حديث العسكر من المرأة الى دلالات أخرى، فعندما مثلت المرأة كون الشاعر الشعري كان يهدف من وراء ذلك الى إحداث “التغيير” والتنوير لمرحلة تمر بها الكويت تتطلب أوضاعها الاجتماعية، وظروفها التقليدية وظواهرها الحياتية ذلك، ليكشف عنها من خلال ما كان يعانيه فيها، بل وما كان يستشعره فيها من أوضاع مقلوبة في نظره، ولهذا لم تكن المرأة في شعر فهد العسكر هي المرأة المادية، ولم يكن الغزل في شعره من أجل الغزل نفسه، بل كان هذا وذاك يعكسان لديه الكويت، وكل ما كان يقلقه فيها، وإلا كيف نفسر شكواه لجارته المرأة، وطلبه منها أن تخرجه من الظلام الى النور؟!
ولتدعيم رأيها، استشهدت د· الرومي بأبيات من شعر العسكر في العاطفة والغزل واصفة إياها بـ “شكوى عامة غائمة”، لم تكن خاصة بتجسيد المرأة الحقيقية بقدر ما كانت تحمل دلالات الوطن “الكويت”·
كما أضافت الى المرأة، رموزا أخرى “مثل الخمرة” ترى أن العسكر قد استخدمها بهدف إعلان التمرد على المجتمع في ذلك الحين· فترى د· الرومي أن المرأة، والخمرة لم تكونا سوى رمزين لمعان أخرى فكرية فتقول: إن قصيدته التي بعنوان “ليلة في بيت الجارة”، والتي يناشد فيها ابنة الجارة أن تسعفه على نسيان واقعه في مجتمعه بالكأس والسيجارة، وهما وسيلتاه لهروبه من واقعه الى عالم أحلامه الذي يحلم فيه بغده، ولهذا كانت خمرة الشاعر هنا خمرة فنية وليست حقيقية”·
وتضيف: ولقد كشفت أبيات القصيدة عن رموزها الدالة عليها، فالشاعر في هذه الأبيات السابقة أخذ يعبر من خلال الغزل والمرأة، عن سخطه من واقعه المضني الذي كان يعاني منه، ويهرب منه الى عالمه الخيالي·
ولتدعيم رأيها، تقول د· الرومي في غزل العسكر: ويؤكد هذا ما ذهبنا إليه من أن الغزل عند فهد العسكر يعبر من خلاله عن مواقف الشاعر المختلفة، وليس مجرد تسجيل لتجارب حقيقية، وأن المرأة هي خلاصه من واقعه وإحباطاته فيه، وأنها أيضا عالمه المثالي الذي كان ينشده دائما ويحلم بتحقيقه، وهي أيضا رمز مشروعه التنويري في الصراع الدائر بين القديم والجديد، في نهضة مجتمعه، وتغييره، ليتناسب مع انفتاحه الجديد· ولهذا فهو يخاطب ليلى خطابا عاما يتناسب مع صورتها العامة غير المحددة ورمزها المطلق على الكويت والكشف عن هذا الصراع بين الجيلين المتصارعين: الجيل القديم والجيل الجديد·
وتسهب د· الرومي في نفي حقيقة الغزل وواقعيته لدى العسكر في تعدد أسماء النساء: وهذا يؤكد ما نذهب إليه من أن الغزل ليس على معناه الظاهر في شعر فهد العسكر، وأن المرأة ليست امرأة حقيقية مادية، ولا هي امرأة محددة واضحة، بل هي امرأة عامة، رمز للخلاص النفسي، الاجتماعي، والفكري، الذي يعانيه في مجتمعه، لنصل في نهاية الأمر الى أن هذه المرأة بكل أشكالها وأسمائها المحددة وغير المحددة هي الكويت في مشروعه النهضوي التنويري·
كما تؤول د· الرومي صفتي النور والظلام الواردتين في القصيدة بقولها: لهذا أيضا راح الشاعر يربط بشكل لافت للنظر بين النور والظلام، فكأن الظلام كان يمثل لديه الماضي، وكأن النور يرمز بالنسبة إليه الى الحاضر والمستقبل·
وفي قصيدة أخرى جريئة للعسكر:
حيّ الصباح إذا تبسم
وصغ العقود إذا تكلم
واعبد بمملكة الجمال
جـــلالة الملك المعظم
فالحسن حين يصان يعبد
فيه خــــــالقه ويكرم
وإذا سألت وجاد يوما
مـــــا بوعد أو تكرم
فاستقبل الدنيا بزينتها
ولا تشــــــرك فتندم
واستوحه واستلهمنه
فكم وكم أوحى وألهم
وإذا حسا الكأس اركعن
لـــــه وبالأخرى تقدم
وإذا استزادك زده واسجد
واقترب لا عاش من لم
وعليه صل إذا انتشى
فالله قــد صلى وسلم
هلل وكبر باسمه
فالله فضلـــــه وعظم
فتقول: إن الشاعر الذي اتخذ من محبوبته ملكا يهلل باسمها ويكبر وذلك لأن الله - على حد قول الشاعر - قد فضلها وعظمها وصان جمالها، وبذلك يكون الشاعر قد مزج بين صاحبته وبين الصفات الإلهية مزجا غريبا، وكان هذا المزج جديرا بأن يثير الناس حوله في بيئته الكويتية المحافظة المتدينة، التي لم تستطع أن تفهم مثل هذا النغم الرومانسي الذي يبالغ فيه الشاعر، وينأى بصاحبته عن واقع الحياة الحقيقية المادية، رامزا بالمحبوبة وما أحاطتها من عظمة وقدسية وصفات إلهية الى الحبيبة الحقيقية في داخله وهي الكويت· مما يؤكد قولنا هذا، كما يؤكد دلالته الرمزية على أن المحبوبة هي الكويت·
كلمة على هامش المنارات الثقافية
كان من المتوقع من اللجنة المنظمة في مهرجان القرين اختيار دراسات مهمة وجديدة تلقي إضاءات على زوايا لم يتم الكشف عنها في إبداع اثنين من كبار رواد الثقافة في الكويت “أحمد مشاري العدواني وفهد العسكر”، إلا أن المشاركات رغم أهمية أصحابها لم تأت بجديد “باستثناء ورقة د· نجمة إدريس”، فمن المعروف أن الإبداع الحقيقي لا يضمر ولا يموت بمرور الزمن·· فما زال كثير من النقاد والباحثين يلتقطون لآلئ نادرة من مناجم شعراء غيبهم الموت منذ أمد، ولم يغيب إبداعاتهم القديمة المتجددة·
ففي الأمسية المخصصة لشاعرنا العسكر، أعادت د· نورية الرومي صفحات مكررة من قراءاتها لبعض قصائده، كانت قد شاركت بجانب منها في “ندوة إسهامات الكويت في الثقافة العربية” التي أقيمت في أكتوبر الماضي” محملة معانيها روحا ووجهة أخرى، إذ حملت “الغزل” و”المرأة” صورا من التغني بالوطن· والقصائد القصصية هي محض خيال - كما ترى - كان يختلقها العسكر بدافع من تمرد· رغم أن غزل العسكر بما يمثله من تكسير للتقليد والمتعارف، كان يمثل تمردا على وضع اجتماعي منغلق، أدى - بهذه الوظيفة وحدها - دوره الرائد، دون اضطرار للجنوح به الى “الوطني”·
كما أن د· الرومي أرادت “تبرئة” العسكر من خمرياته·· دون سبب واضح، رغم تصريحه بها، وواقعية تفاصيلها!
العسكر منارة ثقافية، هذا ما اختاره المجلس الوطني “ويؤكده تاريخ الحركة الثقافية في الكويت” إلا أن المشاركين الأفاضل لم يكشفوا لنا ولم يكتشفوا جديدا في تربة إبداعه، لهذا كان العتب خصوصا على أكاديمية متخصصة في شعر العسكر مثل د· نورية الرومي·