رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15 ذو القعدة 1423هـ - 18 يناير 2003
العدد 1561

واشنطن تخذل الأمم المتحدة في فلسطين وتدعي الدفاع عنها في العراق

بقلم: ستيفن زونس *:

في مثال آخر على ازدراء إدارة بوش للقانون الدولي استعملت الولايات المتحدة حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار دولي كان يمكن أن يصدر بإجماع لولاها، وينتقد الحكومة الإسرائيلية على سلسلة الهجمات التي شنتها قواتها على موظفي الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة·

الحادث الأول المذكور في (مشروع) القرار هو قتل الموظف إيان هوك في 21 نوفمبر الذي كان يعمل في مصلحة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) داخل مجمع تابع للأمم المتحدة ومعروف جيدا في مخيم فلسطيني بشمال الضفة الغربية، وقد كشف تحقيق أنه لم يكن هناك أي إطلاق نار من هذا المجمع حيث أصيب هوك بثلاث رصاصات على الرغم من تمسك إسرائيل بعكس ذلك· وعلاوة عليه، منعت القوات الإسرائيلية سيارة إسعاف وفريق طوارئ طبيا من الوصول الى مساعدة الموظف في الوقت المناسب وربما إنقاذ حياته، كان هوك، وهو بريطاني الجنسية مديرا لمشروع لإعادة بناء منازل المدنيين الفلسطينيين التي دمرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال العمليات العسكرية السابقة·

الحادث الثاني وقع في الأول من ديسمبر عندما دمرت قوات الاحتلال الإسرائيلي مبنى في قطاع غزة يستعمله “برنامج الغذاء العالمي”، وهو وكالة أخرى تابعة للأمم المتحدة، وكان المستودع يحتوي مئات الأطنان من الأغذية المخصصة لعائلات فلسطينية تحتاج إليها حاجة ماسة، فقد اشتدت حدة سوء التغذية بصورة مأساوية في الأراضي المحتلة بعدما أدت الحصارات الإسرائيلية المتكررة الى وقف العمل الزراعي وقفا شبه تام، فاضطرت غالبية العائلات الى الاعتماد على برنامج الغذاء العالمي والمنظمات التطوعية الخاصة للحصول على الضروريات، واستنادا الى مسؤولين من برنامج الغذاء العالمي، دخلت القوات الإسرائيلية المبنى المؤلف من ثلاثة طوابق وفتشته، وعلى الرغم من عدم وجود أي استعمال عسكري ظاهر زرعت القوات الإسرائيلية عبوات ناسفة عدة ثم دمرت المبنى بما كان يحتويه بعد دقائق·

الحادث الثالث يتصل بقتل موظفين آخرين في “الأونروا” بأيدي قوات الاحتلال في مخيم للاجئين في قطاع غزة في السادس من ديسمبر، وقد لقي ستة مدنيين آخرين حتفهم خلال الغارة الليلية·

في تبريره للفيتو الأمريكي، زعم السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة جون نيغروبونتي أن القرار كان مدفوعا نحو “إدانة الاحتلال الإسرائيلي أكثر منه نحو ضمان سلامة موظفي الأمم المتحدة”· وهذا الزعم ليس بطالا فحسب - ذلك أن نص القرار يتحدث فقط عن الهجمات الأخيرة ضد منشآت الأمم المتحدة وموظفيها - بل إن ذلك يظهر بوضوح كيف أن الولايات المتحدة وحدها في المجتمع الدولي ترى أن الاحتلال العسكري لبلد من جانب بلد آخر لا يجب انتقاده·

في الواقع، أعلنت الولايات المتحدة حربا شعواء على موظفي ومؤسسات الأمم المتحدة في مناطق النزاعات التي يوجد فيها حليف للأمريكيين، ونقيضا لذلك، أعلن مسؤولو إدارة بوش أن أي هجمات على موظفين أو منشآت للأمم المتحدة من جانب العراق تؤدي آليا الى حرب تقودها الولايات المتحدة لإطاحة حكومة بغداد·

لقد وقعت الهجمات الإسرائيلية كلها داخل مناطق يفترض أن تكون القوات الإسرائيلية قد انسحبت منها وفق مجموعة من اتفاقات فك الاشتباك ضمن اتفاقات أوسلو الموقعة عام 1993 بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الرغم من دور الولايات المتحدة باعتبارها ضامنا لهذه الاتفاقات، فإن إدارة بوش لم ترفض فقط أن تطلب من إسرائيل سحب قواتها، إنما زادت معونتها العسكرية والاقتصادية لحكومة أرييل شارون اليمينية، وقد كان شارون خصما عنيدا لإطار السلام عندما وقعته حكومة اسحق رابين المعتدلة في حديقة البيت الأبيض في عام 1993·

في العقود الثلاثة الماضية، استعملت الولايات المتحدة حق النقض في أربعين مناسبة لحماية إسرائيل من النقد من جانب مجلس الأمن الدولي، وهذا أكثر من قرارات النقض المستعملة من جميع الأعضاء دائمي العضوية بشأن جميع القضايا الأخرى في الفترة نفسها، وقد كان نصف قرارات النقض “الأمريكية” تقريبا يتصل أساسا بالانتهاكات الإسرائيلية ذات الصلة باتفاقية جنيف الرابعة ومواثيق حقوق الإنسان ذات الصلة بواجبات قوى الاحتلال، ويتوجب على الولايات المتحدة قانونيا أن تساند مواثيق جنيف باعتبارها عضوا موقعا لها·

وقد منعت إدارة بوش أيضا تنفيذ عشرات من قرارات مجلس الأمن الدولي التي سمحت الإدارات السابقة بالمصادقة عليها والتي تدعو إسرائيل الى الإذعان للقانون الدولي· وهذا يضاف الى عشرات المرات عندما أدى التهديد الأمريكي باستعمال حق النقض الى إضعاف لغة القرار أو سحب مشروع القرار قبل تقديمه للتصويت عليه في مجلس الأمن، فعلى سبيل المثال، أحبطت إدارة بوش في مارس من عام 2001 سلسلة من مشروعات القرارات الأوروبية بالتهديد باستعمال حق النقض ضد أي قرار يحتوي كلمة “حصار” فيما يخص تطويق قوات الاحتلال الإسرائيلي وقصفها للبلدات الفلسطينية، أو يقول شيئا عن المستوطنات الإسرائيلية غير الشرعية أو عن مواثيق جنيف أو القانون الدولي·

وفي حين تجادل الولايات المتحدة بأنها تملك الحق في أن تجتاح العراق بقرار وحيد الجانب لحماية مصداقية الأمم المتحدة، فإن الولايات المتحدة منعت الهيئة الدولية مرارا من انتقادأعمال حلفائها الاستراتيجيين حتى لو كان ذلك في سياق إدانة كلا الجانبين في نزاع معين، فعلى سبيل المثال، استعملت الولايات المتحدة حق النقض ضد قرار كان مقدرا له أن يكون إجماعيا لولاها ويدين الإرهاب الفلسطيني بقوة لأنه ينتقد أيضا الاغتيالات الإسرائيلية للناشطين الفلسطينيين وفرض العقوبات الجماعية على المدنيين الفلسطينيين·

والمقلق بصورة خاصة أن الازدراء السافر من إدارة بوش لمعاهدة جنيف الرابعة وللمبادئ الأخرى للقانون الدولي - كما سوء تعاملها مع الأمم المتحدة من أجل تقديم جدول أعمالها الأيديولوجي عليها - لا يلقى مساندة الأغلبية الجمهورية في الكونغرس فقط، إنما أغلبية الديمقراطيين أيضا· وليس هناك زعيم ديمقراطي واحد انتقد نقض إدارة بوش لقرارات الأمم المتحدة وأعمالها المتصلة بالاحتلال الإسرائيلي· وفي الواقع، فإن زعيمة الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأمريكي نانسي بيلوزي هي ذات تاريخ طويل في تمجيد “زعامة” بوش في مساندتها لسياسات شارون في الأراضي المحتلة· وقد ذهبت بيلوزي الى حد القول - نقيضا لتقارير منظمة العفو الدولية وجماعات حقوق الإنسان الأخرى التي توثق الهجمات الإسرائيلية المتوسعة على الأهداف المدنية - إن الهجمات الإسرائيلية المكثفة ضد المراكز السكنية الفلسطينية في الربيع الماضي وإعادة الاحتلال اللاحقة كانت عملا من أعمال “الدفاع عن النفس” وإنها كانت تستهدف “البنية التحتية الإرهابية”، وقد عبر السيناتور “الديمقراطي” توم داشل عن مساندة مماثلة للدعم الأمريكي غير المشروط للزعيم اليميني الإسرائيلي الذي يواجه الآن تحديا خطيرا في الانتخابات المقبلة من جانب حزب العمل الأكثر اعتدالا بزعامة عمرام ميتسناع·

ومهما كانت خلافاتهم حول السياسة المالية أو الإجهاض، فإن الديمقراطيين والجمهوريين يتفقون على شيء واحد: عندما تكون القوة العظمى الوحيدة الباقية في العالم يمكنك أن تحدد من يجب عليه التزام القانون الدولي ومن لا يجب عليه حتى لو كان ذلك على حساب حياة موظفي المنظمات الإنسانية أو كرامة المؤسسات الدولية المخصصة للمحافظة على السلام والأمن الدوليين·

 

·         أستاذ مساعد لعلوم السياسة ورئيس برنامج دراسات السلام والعدالة لدى جامعة سان فرنسيسكو· وهو محرر شؤون الشرق الأوسط لدى مشروع Foreign Policy in focus ومؤلف

 الكتاب المنشور في الآونة الأخيرة: Tinderbox: U.S. Middle East Policy and The Roots of T      errorism

المصدر: Common Dreams. org

طباعة  

رامسفيلد أحيا خطة دموية اغتيل كينيدي ولم يقبلها
حزب الحرب والإرهاب في الإدارة الأمريكية: الغاية تبرر الوسيلة مهما كانت قذرة *