كان يفترض أن تشكل اتفاقات أوسلو لعام 1994 أوج هذه العملية المزدوجة للسلام والتحرير الاقتصادي·
وفي البداية، أعطت الاتفاقات ثمارا جيدة في الاقتصاد، فسمحت لرأس المال الإسرائيلي أن يحقق قفزات مهمة في جهوده للاندماج بالاقتصاد العالمي وجذب استثمارات خارجية غير مسبوقة الى إسرائيل· ونتيجة ذلك، ارتفع الناتج الوطني القائم للفرد الواحد ثلاث مرات بين عامي 1980 و1998 من خمسة آلاف دولار الى 15 ألف دولار، لكن مردود السلام لم يستفد منه المجتمع كله، فخلال النمو الاقتصادي السريع الذي حدث في التسعينات، تحولت إسرائيل من المجتمع الأقل تفاوتا اجتماعيا في الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة الى المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة في التفاوت الاقتصادي بين السكان· وقد حدث تضييق للفجوات بين الثروات الشخصية بوساطة الضرائب وتحويلات المدفوعات، لكن كما كان متوقعا ارتفعت الضغوط السياسية لخفض الضرائب وتحويلات المدفوعات·
منذ عام 1985، اتبعت جميع الحكومات الإسرائيلية سياسة اقتصادية ذات ليبرالية جامحة في الخصخصة وإعادة الهيكلة، وخفض الضرائب وتقليص الخدمات الاجتماعية، لكن الحزب الذي اعتبر البطل الحقيقي لهذه السياسات بين الحزبين الرئيسيين هو حزب العمل لأنه جمع بين السياسات الاقتصادية النيوليبرالية وبين عملية السلام وكثير من الإجراءات الأخرى في مجال التحرير الاقتصادي والسياسي والثقافي·
أما الليكود وحزب “شاس” فقد كانا معاديين لليبرالية بمعناها السياسي والثقافي وإن كانا أقل ليبرالية في المجال الاقتصادي، وهكذا استطاعا أن يستثمرا ليس المعارضة لعملية السلام وحدها، وبحد ذاتها، إنما الإحباط الاقتصادي والثقافي الذي أسفرت عنه عملية الخصخصة الواسعة· عندما انهارت اتفاقات أوسلو في عام 2000، كان الليكود الذي تقلص عدد مقاعده في الكنيست الى 19 جاهزا لاقتناص الفرصة· ومع امتناع نتانياهو عن التقدم الى الصدارة في اللحظة الأخيرة، صار شارون زعيما لليكود وشن هجوما قاسيا على باراك بشأن طريقة تعامله مع الانتفاضة الثانية· وبدوره، كان باراك يلوم ياسر عرفات على رفضه “العرض السخي” الذي يفترض أن باراك قدمه إليه في كامب ديفيد وعلى اختياره النضال المسلح بدلا منه· لكن عرفات لم يكن يخوص هذه الانتخابات، وفي مواجهة الإفلاس السياسي لحزب العمل والتدهور الخطير للأمن الشخصي للناس اختار الناخبون الإسرائيليون التصويت لشعار شارون “دعوا الجيش ينتصر”· وكان انتصار شارون الساحق مضمونا بفضل مقاطعة العرب الإسرائيليين للانتخابات·