· واشنطن لن تكل في حض الأمم المتحدة على جعل مهة المفتشين أكثر تطفلا
· تقارير موثوقة تؤكد امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل
أصدر مركز الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت تقريرا حول منطقة الشرق الأوسط من منظور أمريكي وفيما يلي تفاصيل التقرير:
من المعروف أن نفي بغداد امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل يعتبر في عرف البيت الأبيض خرقا ماديا لقرار 1441 ولا شك أن تسليم التقرير يشكل الآن ضغطا على “الأنموفيك” يدفعها إلى العمل بشكل أسرع وأكثر ديناميكية إذا لم نقل أكثر "عدوانية" كما يحلو للأمريكيين القول·
ومن المتوقع أن يمهد الإعلان العراقي المذكور للحرب التي قد تشنها الولايات المتحدة بعد التشكيك في مصداقية المعطيات الواردة فيه استنادا إلى معلومات استخبارية وأقوال منشقين عراقيين· وقد ذكر الناطق باسم البيت الأبيض أري فلايشر أن بوش ووزير دفاعه ما كانا ليعلنا صراحة عن امتلاك صدام لأسلحة الدمار الشامل لولا توفر معلومات موثوقة بهذا الشأن·
وحتى لو ضمن العراق إعلانه معلومات صحيحة فإن إدارة بوش المتربصة تتوقع أن يقع صدام في الخطأ قبل أن تدفعه هي إلى ذلك· وصقور هذه الإدارة على يقين من أن العراق سيرتكب لا محالة مجموعة أخطاء من شأنها أن تشكل معا دليلا موثقا كافيا لاستصدار قرار ثان من مجلس الأمن الدولي بشن حرب· وإذا بدا احتمال الحصول على هكذا قرار ضئيلا فإن واشنطن لن تتورع عن اجتياح العراق بما يتوفر لها من تحالف حتى وإن اقتصر على بريطانيا وعدد من البلدان الأخرى الصغيرة مثل بلغاريا·
وجدير بالذكر أنه ما من محلل أمريكي يتوقع من العراق تقديم كشف دقيق وكامل لبرامج أسلحتها طبقا لما نصت عليه الفقرة الثالثة من القرار 1441 التي اشترطت أيضا تقديم معلومات عن برامج الأسلحة الباليستية وأماكن وجود برامج الأسلحة· وقد نفى العديد من المسؤولين العراقيين ومن بينهم صدام مرارا امتلاك العراق لأي أسلحة دمار شامل مما يعني أن المعلومات الواردة في الإعلان لن تكون سوى تفاصيل عن المواد ذات الاستخدام المزدوج أي التي تستخدم لأغراض مدنية لكنها تصلح لصنع أسلحة محرمة·
وغني عن القول إن الأمم المتحدة سبق أن طالبت العراق بتقديم جرد شامل لبرامج أسلحتها بموجب القرار 687 في عام 1991، أي بعد حرب الخليج مباشرة· وجاء الإعلان العراقي ليتضمن الاعتراف بامتلاك أسلحة كيماوية و53 صاروخا من نوع الحسين وصواريخ باليستية طويلة المدى من نوع سكود، لكنه نفى امتلاك أي برامج للأسلحة النووية والبيولوجية· وبعد شهر من ذلك، قدمت بغداد واحدا من سلسلة الإعلانات المعدلة· وعندها نفد صبر مجلس الأمن وطالب النظام العراقي في 15 أغسطس تقديم جرد شامل ونهائي وكامل لأسلحته وبرامجه بموجب القرار 707، وهكذا تقدم العراق خلال الأعوام الأحد عشر الماضية بأكثر من خمسة كشوفات على أنها "كاملة" و "نهائية" و"شاملة" عن هذه الأسلحة والبرامج ومنها برامج الأسلحة البيولوجية والكيماوية والصواريخ طويلة المدى بالإضافة إلى بيانات عن أسلحة نووية· إلا أن هذه الإعلانات ظلت ناقصة ودون المستوى المطلوب، وقد جرت أهم عملية تعديل لها بعد انشقاق حسين كامل، الوزير السابق للتصنيع العسكري، الذي كشف عن وجود برنامج نووي دمرته الأنسكوم لاحقا· وعندما قدم العراق إعلانه عن الأسلحة البيولوجية عام 1997 أجمعت لجنة دولية من الخبراء على وجود ثغرات ونقائص كثيرة فيه· وجاء تقييم ثان له في فيينا عام 1998 مماثلا·
أما فيما يتعلق بالإعلان الحالي فإنه من غير المتوقع أن يقدم بليكس تقييما له قبل الأسبوع المقبل ولن يأتي تقييمه مفصلا إلا بعد دراسة مستفيضة للوثيقة ومقارنتها بالمعلومات التي تتضمنها قاعدة بيانات الأمم المتحدة المؤلفة من مليون صفحة· ومن جهتها ستقوم اللجنة الدولية للطاقة الذرية استنادا إلى قاعدة بياناتها بتحليل منفصل لبرنامج العراق النووي·
ويذكر أن البيت الأبيض اكتفى في رده على ادعاءات النظام العراقي بنفيه امتلاك أسلحة الدمار الشامل بالتشكيك في مصداقيته كطرف غير جدير بالثقة مقارنة برئيس الانسكوم سابقا ريتشارد باتلر والرئيس بوش وطوني بلير وكولن باول ورامسفيلد الذين يؤكدون امتلاكه لها·
وتصف صحيفة "وول ستريت جورنال" نفي العراق بأنه مثير للضحك· وأشارت إلى تقرير بريطاني صدر في وقت سابق من الأسبوع قبل الماضي وكشف امتلاك صدام لحوالي 306 أطنان من المواد الكيماوية التي يمكن استخدامها في صناعة الأسلحة منها 1,5 طن من غاز الأعصاب في إكس وما يكفي لتصنيع 8500 ليتر من الانثراكس وأكثر من 30 ألف قطعة ذخيرة لإطلاق المواد الكيماوية·
وأضافت افتتاحية وول ستريت جورنال أن العراق يستطيع تجهيز أسلحة خلال 45 دقيقة فقط بعد صدور أمر رئاسي بذلك· ومن جهتهم قدم صقور الإدارة الأمريكية حججا مشابهة· فقد نقل عن خيردار حمزة، وهو عالم عراقي شارك سابقا في برنامج الأسلحة العراقي قوله إن النظام العراقي بات يلجأ إلى تصنيع أسلحة الدمار الشامل في مصانع متنقلة· وإن الحل الوحيد لنزع سلاحه يكمن في نقل العلماء العراقيين وعائلاتهم إلى الخارج لاستجوابهم·
ويرى باتريك كلاوسي، من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، أن المشكلة تكمن في احتمال تغاضي المفتشين عن بعض التفاصيل الصغيرة في وقت بدأ العالم يضجر من المسألة العراقية مما يجعل عملية التفتيش غير مجدية ويتيح لصدام فرصة تصنيع سلاح نووي·
ويطالب كلاوسي في مقالته في لوس انجلوس تايمز واشنطن بالحؤول دون ذلك، والعمل على نزع أسلحة النظام العراقي بأسلوب أكثر فعالية من عمليات التفتيش التي تجري في بلد يضاهي ولاية كاليفورنيا مساحة ويضم مخابئ كافية لإخفاء أي أسلحة، وقد أورد كالوسي ما قاله صدام لمجلة الأسبوع المصرية ورهانه على الوقت وتفكك التحالف الأمريكي البريطاني تحت ضغط الرأي العام في أمريكا وبريطانيا· ولا شك أن تصريحات صدام هذه ستحظى باهتمام كثير من المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية· ويستغلها صقور الإدارة الأمريكية بقيادة تشيني ورامسفيلد لصالحهم·
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنه لم يكن من السهل رصد مدى التأييد الذي حشده كل من الفريقين المتعارضين إزاء المسألة العراقية داخل الإدارة الأمريكية· فبينما قلل تشيني من أهمية عمليات التفتيش وحذر العراق من مغبة الخداع، جاء تقييم باول لها إيجابيا مؤيدا بذلك موقف كوفي عنان· في حين أن تصريحات بوش عكست موقفي تشيني ورامسفيلد وإن كان هذا الأخير قد نفى يوم 7 أكتوبر أن تكون الحرب حتمية أو وشيكة·
وقد تجسدت هذه النظرة المعتدلة في ما نقلته "واشنطن تايمز" يوم 5 ديسمبر عن مسؤول في وزارة الخارجية الأمريكية لم تكشف عن هويته، إذ قال إن إعلان العراق في حال جاء ناقصا سيعتبر خرقا ماديا وليس سببا لاندلاع الحرب أي أنه سيكون أساسا للضغط على “الأنموفيك” لبذل المزيد من الجهد·
ولكن هل يعقل أن تعلن واشنطن عن ارتكاب بغداد لخرق مادي لمجرد الضغط على بليكس وفريقه؟ إن هذا يعني أن الإدارة الأمريكية ليست جادة فعليا في ما ذهبت إليه من أن تعاون العراق ونزع سلاحه سيفي بالغرض· ومن الواضح أن فريق المفتشين ما زال حتى الآن غير قادر على الجزم بتعاون العراق الذي عرف بأساليبه المخادعة· وقد كتب الصحافي في نيو يورك تايمز "جون بورنز" من بغداد يقول إن فريق التفتيش أصدر بيانا· بعد زيارته لشركة الكرامة التي تصنع صواريخ الصمود طويلة المدى وتطور صواريخ سكود التي استخدمت في الحرب العراقية الإيرانية، سجل فيه اختفاء عدد من التجهيزات التي سبق إحصاؤها في عمليات التفتيش خلال عام 1995· وأدعى العراقيون أن بعضها دمر في غارة أمريكية على المصنع عام 1998 وبعضها نقل إلى مواقع أخرى· ويذكر أن فريق التفتيش السابق علم أثناء زيارته لمصنع لقاحات حيوانية كان يستخدم في تطوير أسلحة بيولوجية أن ثمة تجهيزات جرى نقلها إلى مصنع بيطري شمال بغداد وثبت ذلك فعلا إلا أن ما يجري اليوم يبدو مختلفا مما يعني التشكيك في أقوال العراق·
وفي ظل استمرار هذه العراقيل واشنطن لن تكل عن حض الأمم المتحدة على جعل مهمة المفتشين أكثر "تطفلا"، وزيادة أعضاء فريق “الأنموفيك”، والحرص على مقابلة العلماء العراقيين في الخارج· وسيتحين المسؤولون الأمريكيون فرصة أي خروقات عراقية قد يتضمنها تقرير “الأنموفيك” المتوقع في نهاية شهر يناير لتحسم واشنطن أمرها إما باستصدار قرار جديد يخولها استخدام القوة ضد النظام العراقي أو التحرك بمفردها لتنفيذ ذلك·
ويبدو أن الإدارة الأمريكية تصم آذانها عن انتقادات العسكريين أمثال إد ربيك، وهو سفير سابق في بغداد، والجنرال السابق أنتوني زيني ، ووزير البحرية السابق جيمس ويت، والجنرال السابق جوزف هور الذي تمنى على أعضاء الكونغرس تحسين فهمهم للإسلام·
ويقول برنت سكوكروفت في "الواشنطن بوست" إن على واشنطن أن تستثمر نصرها في الأمم المتحدة دون أن تشن الحرب بالضرورة وذلك عبر التركيز على المسألة الفلسطينية - الإسرائيلية بالطريقة والكفاءة نفسيهما ولكن من المستبعد أن تتدخل أمريكا في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي خاصة بعد تصويتها إلى جانب إسرائيل وثلاث دول صغيرة أخرى (ميكرونيزيا، وجزر المارشال وكوستاريكا) ضد قرار للجمعية العامة يدعو تل أبيب الى إلغاء قانونها الذي أعلن في 30 يونيو 1980 القدس بجزأيها الشرقي المحتل والغربي عاصمة موحدة لإسرائيل· ويعكس هذا التصويت تغيرا واضحا في موقف واشنطن التي امتنعت دوما عن التصويت على قرارات كهذه·
وجدير بالذكر أن التقارير الخاصة بتكاليف الحرب التي لم تنشر على نطاق واسع لم تخفف من حماس الأمريكيين للحرب· وهي تكاليف قدرها مستشار بوش الاقتصادي لاري ليندسي، الذي استقال مؤخرا على إثر تقارير عن وصول معدل البطالة إلى 6 في المئة، بمئة مليار دولار· وبدوره قدر الخبير الاقتصادي وليام نوردهوس هذه التكاليف بما يتراوح بين 99 مليارا و 1,9 تريليون دولار خلال العقد المقبل· ومما لا شك فيه أن إعلان العراق المؤلف من 12 آلف صفحة لن يحظى برضا الولايات المتحدة مما يعني أن الحرب مقبلة لا محالة إلا إذا اختار صدام وزمرته المنفى وهو أمر مستبعد·