
في غضون أقل من شهرين، يتوجه الناخبون الإسرائيليون (الى صناديق الاقتراع) للتعبير عن آرائهم بشأن وعود السلام، وبناء على هذا المعيار الوحيد، سيكون الحكم على المرشحين في الانتخابات العامة للثامن والعشرين من يناير بعد أكثر من عامين على حرب منخفضة الحدة لا تتوقف عن إنتاج آثارها الفتاكة·
عندئذ، سيكون على الناخبين أن يحكموا على قابلية مشروع للحياة، وعلى طاقة رجل على وضع هذا المشروع موضع التنفيذ، وجزئيا على قابلية الناخبين على التلاؤم مع “خارطة الطريق” التي يصوغها الأوروبيون والأمريكيون لإرشاد العدوين القديمين الى طريق تطبيع تأخر شقه وقتا طويلا· فقد كرست الانتخابات التمهيدية في الحزبين الكبيرين الإسرائيليين، حزب العمل وحزب الليكود بغالبيتين مريحتين زعيمين غير منازعين رئيس بلدية حيفا عمرام ميتسناع ورئيس الوزراء أرييل شارون·
لقد عرف كلاهما كيف يثبت جسارته، وبالقطيعة مع غموض إيهود باراك، هذا الغموض الذي شكل سمة رئيسية لشخصيته، تصور ميتسناع على الفور لإسرائيل خروجا من المستوطنات في الأراضي الفلسطينية يشكل قطاع غزة مرحلته الأولى في غضون سنة·
وبتحديه الفيتو الذي فرضه الرئيس الأمريكي جورج بوش بعد رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون، لم يستبعد ميتسناع التفاوض مع ياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية المكروه في إسرائيل ومن جهته، تغلب رئيس الوزراء الحالي أرييل شارون في المعركة بلا صعوبة عندما وافق على قيام دولة فلسطينية بعدما كان رفضه العنيد يشكل منذ عقود بطاقة هوية الليكود، وفي الواقع، لم تعد هذه الدولة الفلسطينية، بالنسبة الى العماليين، كما بالنسبة الى جزء من اليمين الإسرائيلي سؤالا إنما صارت جوابا·
صارت جوابا على انتقام جهنمي منذ سبتمبر من عام 2000، وجوابا على انهيار اقتصادي واجتماعي وقع في شركه مجتمعان خلاقان وفعالان·
لكن أي دولة فلسطينية هي السؤال؟ بالنسبة الى الزعيم العمالي تبدو القضية مفهومة، ذلك أن رئيس بلدية حيفا تبنى المدونة الحقيقية التي تشكلها الأطر الموروثة من الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون قبل أيام من مغادرته البيت الأبيض في يناير من عام 2001، وإنجازات المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية غير المنتهية في طابا التي دون الأوروبيون وقائعها بدقة في يناير من عام 2001 أيضا·
والدولة الفلسطينية التي يفترض أن تنبثق من هذه المدونات تتشكل من قطاع غزة والضفة الغربية بهذا القدر أو ذاك، وتبادلات عادلة في الأراضي تعوض ضم كتل المستوطنات الإسرائيلية حيث تتجمع غالبية مستوطني الضفة الغربية، وجزء من القدس الشرقية يشكل عاصمة لهذه الدولة التي يعترف بحق لاجئي عامي 1948 و1967 بالعودة إليها إذا شاؤوا· وهكذا يكون هناك حتما ما يمكن التفاوض عليه·
بالنسبة الى شارون، يبقي هناك كثير من العناصر الغامضة· فالجناح اليميني في الليكود لم يتراجع عن مواقفه·
والأشد عنادا هم الأوفر حظا في الانتخابات التمهيدية التي جرت في الثامن عشر من ديسمبر لاختيار قائمة مرشحي الليكود للكنيست· لكن أي أرييل شارون سينصب هؤلاء؟ زعيم الليكود الذي يعلن بأسف منذ أكثر من عام أن التنازلات المؤلمة حتمية؟ أو رئيس الوزراء الذي يعلن أن كمينا داميا في الخليل كان ذريعة كافية لإقامة أمر واقع يسمح بتواصل الأراضي بين نقاط الاستيطان استنادا الى مبدأ جرى اختباره مئة مرة خلال ثلاثين عاما؟
ومنذ أن استسلم لفكرة الدولة الفلسطينية، امتنع شارون عن تحديد أطرها وصلاحياتها والروزنامة التي تسمح بالوصول إليها· وفي الوقت نفسه، لم يذكر شارون الجهة التي يجب أن يتفاوض معها للوصول الى هذه الدولة إذا تأخر استبدال عرفات طبقا لتأخر تطبيق وعود شارون·
لقد أعلن شارون في الرابع من ديسمبر للاعتراف بدولة فلسطينية موقتة تتشكل من مناطق كانت مستقلة ذاتيا كليا أو جزئيا (نحو 40 في المئة من الضفة الغربية)، لكن ذلك يتصل أساسا بكانتونات تصل ما بينها ممرات يكون أمر تدبيرها عائدا للجيش· وكان شارون حريصا على عدم توضيح مصير القدس والمستوطنات المقامة بصورة غير شرعية فوق الأرض الفلسطينية وفق القانون الدولي· أفلم يؤكد شارون غداة انتخابه قبل أقل من عامين أنه لن يتخلى عن أي مستوطنة إسرائيلية حتى جيب نيتساريم الاستيطاني التافه المعزول في جنوب قطاع غزة؟ وإذا كان النمو الديموغرافي للمستوطنات الإسرائيلية قد تجمد بفعل الانتفاضة الفلسطينية ففي المقابل تواصلت أعمال البنية التحتية (الإسرائيلية) في الأراضي المحتلة·
إن الأشد خطرا من النقاط الاستيطانية المنفلتة التي تسميها السلطات الإسرائيلية نفسها غير شرعية هي الطرق الالتفافية التي يجري شقها الآن في جنوب بيت لحم وفي شرق القدس ومشروع “الجدار الدفاعي” الذي يطوق المدينة المقدسة وكلها تؤدي الى إغلاق مناطق فلسطينية هي بعض من أشد المناطق اكتظاظا بالسكان· وهذا الإغلاق الذي يجري تنفيذه يتطابق مع عقيدة استراتيجية إسرائيلية تقوم على تقسيم الضفة الغربية الى جزأين وهي المعزولة تماما عن قطاع غزة· وفي الرابع من ديسمبر ذكر شارون أيضا مرحلة انتقالية ضرورية قبل البدء بالمفاوضات النهائية الحاسمة·
لكن منذ بدء عملية السلام في عام 1993 كان الوقت الضائع يصب دائما في مصلحة الإسرائيليين حتى يعدلوا الخرائط ويضاعفوا المراسيم الخاصة بالأراضي·
واليوم أكثر مما كان في أي وقت مضى، فإن كل طريق إضافية تهدد تماسك الدولة المقبلة وتختصرها بكيان تصعب تسميته، ضعيفا ومتناثرا·
وهذه العناصر الغامضة هي على قدر من القساوة جعل جزءا من اليسار الإسرائيلي وكأنه يسلم بنتيجة الانتخابات التي قد ينتصر فيها شارون· ذلك أن الناخبين يراهنون على رجل عجوز مجرب أشبه بالجنرال شارل ديغول، فرض على جماعته دولة لم تتوقف (العائلة) عن منع إقامتها· وهذا الحساب يفرض أن يقوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بقطيعة مفاجئة مع السياسة التي اتبعها بعناد وبلا انقطاع خلال الأعوام العشرين الماضية· وهو سيكون معرضا لارتكاب “خيانة” لا تعادلها “الخيانة” التي ارتكب وصار شارون بفعلها مذنبا في عيون المستوطنين الذين أجلاهم من سيناء (مستوطنة ياميت) بعد اتفاق السلام مع مصر·
إن للإسرائيليين مصلحة مساوية لمصلحة الفلسطينيين في أن تكون الدولة المقبلة قادرة على البقاء· وحتى يستطيعوا التعبير عن إدراكهم للقضية في الثامن والعشرين من يناير، من المناسب أن يخرج شارون من غموضه·
جيل باري
لوموند