
بقلم: نورمان سولومون
منذ تبنى مجلس الأمن الدولي قراره “الأخير” بشأن العراق في الثامن من نوفمبر، أخذ السياسيون والصحافيون الأمريكيون يمجدون التصويت الإجماعي باعتباره انتصارا عظيما للتعاون الدولي بدلا من العمل الوحيد الجانب·
وكان الكاتب الصحافي توماس فريدمان في نيويورك تايمز أقرب الى النشوة· فكتب ما يلي: في لحظة قصيرة باهرة، لم يظهر العالم وكأنه مكان مجنون· ذلك أن الأمم المتحدة أثبتت قيمتها - بإثبات جدارتها لدى واشنطن· وقال: “اكتشف فريق بوش أن الطريقة الأفضل لتشريع سطوته الساحقة - في حرب من اختياره - ليست بمجرد فرض هذه السطوة، إنما بتمريرها من خلال الأمم المتحدة”·
لكن إذا كانت الأمم المتحدة، التي تعمل باعتبارها وسيلة أمريكية، ذات قيمة الآن لأنها توفر للولايات المتحدة الطريقة الفضلى لـ “تشريع سطوتها الساحقة” فكم يختلف هذا عن العمل الوحيد الجانب؟ لكن بمعزل عن العبارات الصحافية الملطفة والكلام الدبلوماسي، هناك حقيقة باردة قاسية بشأن القرار 1441 صارت حكاية: فالقرار تمت صياغته بطريقة توفر أوراق تين ضرورية للسياسات الداخلية والحكومات الأجنبية· وقد احتاج الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني طوني بلير الى تغطية للحرب التي يتوقان الى شنها·
وللحصول على ختم الموافقة الضروري لخوض الحرب من الأمم المتحدة، قدمت إدارة بوش مكافآت مجزية في وقت كانت تستعرض عضلات “العم سام”· ولا يمكنك أن تعرف من خلال التغطية الصحافية لوسائل الإعلام الأمريكية الحقائق الرئيسية ذات الصلة بذلك·
وقد كتب فيليس بينيس في صحيفة “ذي نايشن” أن “الصفقات وراء الكواليس مع فرنسا وروسيا بخصوص عقود النفط العراقي في عراق ما بعد الحرب كانت جزءا مهما من الصورة· وقد ظهرت دولة “جزر” موريشيوس وكأنها مثال صغير على الضغط الأمريكي في الأمم المتحدة· فقد استدعت السفير جاغديش كونجول حكومته لامتناعه عن مساندة مشروع القرار الأمريكي الأصلي بشأن العراق· ولماذا؟ لأن جزر موريشيوس تتلقى معونة أمريكية مهمة وأن “ميثاق النمو والفرص الإفريقية” يتطلب أن لا تتورط أي دولة تتلقى مساعدات الولايات المتحدة في أنشطة تهدد الأمن القومي الأمريكي أو المصالح السياسية الخارجية”·
وكان لحكاية موريشيوس نطاق أوسع منها· فقد أفادت وكالة “انتربرس سرفيس” أن الدول الأعضاء في مجلس الأمن “صوتت تحت ضغط دبلوماسي واقتصادي ثقيل من الولايات المتحدة”· وباعتبارها دولا تتلقى المعونات من واشنطن، كانت الدول غير الأعضاء مدركة لحقيقة مفادها أن الولايات المتحدة قطعت عام 1990 معونة قيمتها 70 مليون دولار عن اليمن فور تصويته بالرفض على قرار لمجلس الأمن الدولي رعته الولايات المتحدة ويقضي بطرد العراق من الكويت بالقوة العسكرية·
وتذكر الكاتب جون بيلجر في مجلة “ذي نيو ستايتسمان” البريطانية بعض التفاصيل القذرة عن درس ما قبل حرب الخليج “الثانية” باعتباره انتقاما من الولايات المتحدة· وقال: “بعد دقائق من تصويت اليمن بالرفض على قرار مهاجمة العراق، قال دبلوماسي أمريكي كبير للسفير اليمني: هذا أغلى تصويت بالرفض ثمنا في تاريخ المجلس”، وفي غضون ثلاثة أيام توقف برنامج معونة أمريكي قيمته 70 مليون دولار الى أحد أفقر بلدان العالم· وهكذا أخذ اليمن يواجه فجأة مشكلات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ثم طردت المملكة العربية السعودية 800 ألف عامل يمني”·
في ذلك الوقت، لم يكن اليمن البلد الوحيد الفقير الذي احترق بغضب ديمقراطية إمبريالية· وحسب كلمات بيلجر: “عندما تسعى الولايات المتحدة الى قرار آخر لمحاصرة العراق، تم كسر إرادة عضوين جديدين في مجلس الأمن، فقد تلقت الإكوادور تحذيرا من السفير الأمريكي لدى كويتو بشأن عواقب اقتصادية مدمرة للتصويت بالرفض· وتلقت زيمبابوي تهديدا بفرض شروط جديدة لصندوق النقد الدولي على ديونها”·
وبعد اثنتي عشرة سنة من ذلك، خلال خريف عام 2002 راكمت الولايات المتحدة رصيد العصا والجزرة المخيف وهي تلمح الى الاحتفاظ بالحق في القيام بما تريد· وكان واضحا أنها تريد خوض الحرب·
وبعد يومين من مصادقة مجلس الأمن الدولي على القرار، ظهر رئيس موظفي البيت الأبيض أندرو كارد على شاشة محطة “إن· بي· سي” وقال: الأمم المتحدة يمكنها أن تجتمع وأن تناقش، لكننا لا نحتاج الى موافقتها قبل شن هجوم عسكري· وفي هذه الأثناء، وجه وزير الخارجية كولن باول الرسالة نفسها عبر “سي· إن· إن” فقال: “إذا لم يذعن “صدام حسين” هذه المرة سنطلب من الأمم المتحدة إعطاءنا تفويضا باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية· وإذا لم تكن الأمم المتحدة راغبة في ذلك، ستتوجه الولايات المتحدة والدول التي تفكر مثلها لنزع سلاحه بالقوة”·
ومثل هذه التصريحات الصادرة من المسؤولين الأمريكيين تتطابق مع ما تبثه وسائل الإعلام· وليس واجبا عليك أن تلاحظ المفارقات الجوهرية والخبث المذهل فيها·
المصدر: Znet