رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 25 رمضان-1 شوال 1423 هـ الموافق 30 نوفمبر-6 ديسمبر 2002
العدد 1555

الشرق الأوسط مقبل على تغيير عظيم:
انهيار نموذجي البعث والثورة الإسلامية

                        

بقلم: آلان فراشون

خلال بضعة أشهر، قد يتغير منظر الشرق الأوسط· وفي بلدين هما من أهم بلدان المنطقة، العراق وإيران، يبلغ التاريخ نهايته الى الفشل، وينطفئ نموذج في قلب السقوط· والواقع أن هذين البلدين لم يعودا، في المواجهة الإيديولوجية وفي الحرب، قادرين على أن يتركا طابعهما على الشرق الأوسط في الأعوام العشرين الماضية· فقد كانا قطبي نفوذ وإلهام، وقد سعى كل منهما الى الغلبة الإقليمية، أحيانا بقوة المثال وأحيانا أخرى بالقوة الخالصة أو بالاثنين معا· وقد تحقق شيء· إنه انتقال يحدث الآن ويصعب اللحاق به·

فالثورة الإسلامية، التي كانت شديدة الإيمان دينيا في بدايتها، لم تستطع تصدير نفسها· وإذا كانت قد أرادت في وقت لاحق أن تشكل مثالا - أي الانتخابات الحرة، والصحافة الأشد نشاطا مما هي في أي مكان آخر في المنطقة، ودخول النساء الى البرلمان والحكومة والوظائف العامة والجيش فإن هذه الثورة وصلت الآن الى طريق مسدود· والنموذج الإيراني لم يعد يعمل· ونزال القوة صار محتوما بين معسكريها·

فمن جهة، هناك المنتخبون بالاقتراع الحر وهم الرئيس محمد خاتمي الذي أعيد انتخابه مرة ثانية، “في عام 1997 وعام 2001” وغالبية النواب الإصلاحيين في مجلس الشورى “البرلمان” وهؤلاء يريدون ممارسة الديمقراطية، وهم ينادون بأن السلطة السياسية تعود إليهم، الى الذين نالوا الشرعية بالانتخاب الشعبي، وهم لا يكنون أي عداء للإسلام الذي يشكل واحدة من دعائم هويتهم الوطنية لكن ليس الوحيدة، إنما يريدون أن يبرهنوا أن الإسلام مرن في الديمقراطية·

وهؤلاء يشكلون إيران الحديثة، المتعلمة والشابة· وهم يمثلون الغالبية في بلد يؤوي أكثر من ستين مليون شخص غالبيتهم ولدت بعد الثورة الخمينية عام 1979·

في وجه هؤلاء، هناك من يزعمون تجسيد تراث آية الله الخميني الذين يتكتلون بهذه الدرجة أو تلك حول “الزعيم الروحي” آية الله علي خامنئي والتيار الأشد محافظة لرجال الدين الإيرانيين·

وهؤلاء وافقوا على الانتخابات، لكنهم يريدون أن تبقى السلطة السياسية في أياديهم وهم يقبلون الديمقراطية الشكلية، لكنهم يريدون أن تبقى إيران دولة ملالي حقيقية· إنهم يسيطرون على مراكز السلطة: القضاء، وميليشيا الباسيج·· المكلفة بتنفيذ الأعمال القذرة، وأخيرا جيش حراس الثورة الذي يبلغ عديده ضعف عديد الجيش الإيراني· وعبر المؤسسات، يتمتع هؤلاء بقدرات مالية عظيمة·

لا شك أن المشهد السياسي أشد تعقيدا· ذلك أننا في إيران! فالرئيس محمد خاتمي جاء من قلب النظام· وهو آية الله أيضا· وقد أتى من حزب الثورة· والقضية كلها هي ما إذا كان يعرف ما إذا كان قادرا على أن ينجح حيث فشل ميخائيل غورباتشوف: إصلاح النظام· والمرشد من جهته، يعرف كيف يسوس الإصلاحيين عندما يتطرف المحافظون كثيرا: فقد أمر القضاء بإعادة النظر في عقوبة الموت ضد أحد أبطال المعسكر الخاتمي وهو الأستاذ الجامعي هاشم آغاجاري· فلا خاتمي ولا خامنئي يريد حدوث مصادمات في الشوارع· لكن ببقائه في منصب صوري، يخاطر الرئيس المنتخب خاتمي بخسارة حظوته لدى الناخبين وبالابتعاد عنه· وقد وجه إنذارا الى المرشد: إنه إذا سمح المرشد للمحافظين بتقييد مشروع إصلاح القضاء، فإن خاتمي مستعد للاستقالة، ومعه البرلمان المنتخب، وهذا يشكل أزمة للنظام، وتصادما ينتج من المزاوجة المستحيلة بين الديمقراطية ودولة الملالي·

بعيدا عن العداوة القديمة بين الفرس والعرب، أرادت الثورة الإسلامية أن تلهم القانطين من النموذج اللاديني في المنطقة· وباسم الإسلام الثوري، كانت الثورة الإسلامية تطمح الى استنهاض رعايا الإمارات والدول الأخرى على الساحل المقابل للخليج، لكنها كانت تضع عينها أيضا على “الشياطين” غير الكبار مثل النظام الذي تسميه بـ”الكافر” في بغداد، نظام البعث المكروه لكونه اشتراكيا وعلمانيا، ولأن العراق كان يوحي للكثيرين في المنطقة على حساب إيران بأنه القوة المهيمنة في المنطقة· وقد كان البعث يدعي أنه حمل لواء الناصرية التي دفنت تحت رمال الهزيمة أمام إسرائيل “في يونيو من عام 1967” والخروج من أنقاض اقتصاد أغرقه التخطيط بالطريقة السوفيتية·

لم تكن لصدام حسين، الذي بدأ باحتكار السلطة منذ عام 1969، قبل وفاة عبدالناصر، هيبة الرئيس المصري الراحل، ولا سطوته ولا الهيبة ولا الجاذبية الشخصية ولا اللياقة، ولا أي شيء مما كان يشكل جاذبية عبدالناصر· لكنه حاز ما لم تستطع مصر امتلاكه، موارد النفط والزراعة في بلد مزدهر اقتصاديا وغير مكتظ سكانيا· وفي السنوات العشر الأولى على الأقل، أدخل صدام تحديثا كبيرا الى العراق· وهكذا أخذ يتطلع الى زعامة العالم العربي· ويروي الكاتب الفلسطيني سعيد أبو الريش، الذي اشتغل فترة في بغداد ما يلي: “كان العرب أترابي أيتام عبدالناصر· والى أي قائد غير صدام، والى أي بلد غير العراق كان يمكن أن يلتفتوا؟” لكن ذلك لم يدم طويلا· وبسرعة بدأ صدام، الذي شوهته السلطة فجعلها أكثر دكتاتورية وأكثر وحشية مما كانت في أي وقت مضى، يجر بلاده في سلسلة حروب “ضد الأكراد، ضد إيران، ضد الكويت الخ” وهكذا أصيب العراق بكوارث عدة·

ليس النظام العراقي سوى شبح متآكل للنموذج العلماني الذي أراد البعث بناءه· وسلطة صدام هي النقيض التام للاستبدادية المتنورة والتحديثية التي ادعاها في سبعينات القرن العشرين· فاليوم، تحكم العراق سلطة قبلية مشغولة بالبقاء على قيد الحياة وبتعبئة خزائن القبيلة· ويبدو أن أجل النظام العراقي صار قريبا، سواء بزعزعة النظام بوساطة السيادة المقيدة التي يفرضها مفتشو الأسلحة الدوليون· أو بإطاحته بوساطة تدخل عسكري أمريكي· إنها نهاية حزب في بغداد، ومأزق في طهران: إنهما نموذجان ينهاران· والفراغ السياسي الواسع في الشرق الأوسط مفيد حتما لابن لادن· والأمل يأتي من تركيا· فمع وصول حزب إسلامي “أو إسلاموي” يعلن أنه يحترم علمانية الدولة ويريد تعميق الديمقراطية، ربما تكون التجربة السياسية الجارية في أنقرة حاسمة· وربما للشرق الأوسط كله·

(لوموند)

طباعة  

القرار 1441: ورقة تين لعمل أمريكي وحيد الجانب
 
لماذا ينعطف العالم نحو اليمين
وما العواقب على الحرية والتجارة؟

 
العراق: بداية الحرب·· الكلامية
 
في تقرير أصدره مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة حول الشرق الأوسط من منظور أمريكي
العراق استنفد كل الاستراتيجيات الكفيلة بضمان استمراره