بقلم: أحمد يوسف النفيسي
على مدى أسبوع واحد وضعت المناقشات والمماحكات الدائرة في جلسات مجلس الأمة النقاط على حروف مؤلمة في سجل النموذج الديمقراطي الكويتي، وقدمت الإثبات بشكل لا يمكن منازعته على ما كان معروفا لدى الناس من اختراقات وتخريب للديمقراطية كان ينقصه الإثبات·
فلقد هدد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء عضو مجلس الأمة محمد الخليفة بأنه سيكشف ملفه إن لم يسكت ويكف عن تماديه وتجريحه للحكومة، وأعلن النائب وليد الجري أنه يمتلك وثيقة تكشف أن "الحكومة" قد بيتت النية على دعم أربعة عشر نائبا بوسائل مشروعة أو غير مشروعة لإيصالهم في الانتخابات المقبلة الى مجلس الأمة، ولم تنف الحكومة وجود تلك الوثيقة رغم تخريجات شرار·
ولقد سجلت الواقعتان في محاضر مجلس الأمة وبثت في التلفزيون، لكن كلمة الشيخ صباح كانت أول اعتراف رسمي وعلني بالدور الذي لعبه النظام أو بعض عناصره النافذة في تفريغ الديمقراطية·
كان معروفا لدى الناس أجمع أنه ومنذ رحيل المغفور له الشيخ عبدالله السالم ارتفعت الأهازيج في إذاعة الكويت تردد صباح مساء "راح وقت المزاح······" وابتدأت معاول الهدم والانتقام وكأن عبدالله السالم قد أجرم عندما كان وفيا لتاريخ الكويت الحقيقي وانحاز الى شعبه ولامس الطموح بأن يضع وطنه على طريق التقدم الإنساني· كأن عبدالله السالم أجرم·· أو كأن الكويتيين قد سرقوا "الورث" وزوروا الانتخابات وعاثوا في جداول الناخبين وعلقوا الدستور وحاولوا تعديله لإفراغه من محتواه وتكريس الاستبداد·
ثم عندما لم ينجحوا أعادوا تعليق الدستور ونصّبوا المجلس الوطني على رؤوس الكويتيين ونصّبوا على المجلس المسخ من نصّبوا إمعانا في الحط من كرامة الناس وقادوا البلد في طريق وعرة مهدت للاحتلال·
لكن الأنكى والأكثر وجعا هو أن الكويتيين الذين أظهروا من الصمود والمقاومة في وجه الاحتلال أمثلة نادرة، والتفوا حول قيادتهم في وحدة غير مسبوقة وتحت أقسى الظروف كانت مفتاحا لتحرير الوطن وعودة الشرعية، كوفئوا بعد التحرير بالطعن في ظهورهم، فلقد أعيد تنصيب المجلس الوطني المسخ الذي كان عنوانا لأسوأ الانتهاكات ضد الديمقراطية، وكان ذلك إعلانا صريحا للنوايا بما هو مقبل وإيذانا بعمليات التخريب الكبرى التي شهدتها البلاد منذ التحرير·
فقد أصبح مما يثير قلق الناس في حاضرهم على مستقبل أبنائهم انكماش الثقة في القدرة على تطبيق مقاييس العدالة وحكم القانون· فبلدنا تنهب منه المليارات من استثماراته، ولم نستطع أن نقدم واحدا من الجناة اللصوص الى المحاكمة، ومحاكمنا تنظر في قضية الناقلات تسع سنوات دون أن تتوصل الى قرار فيما إذا كان قرار الاتهام الموجه الى المتهم الخامس جديا أم كيديا· ويهلع البلد لجرائم اختطاف واغتصاب وقتل الأطفال ونكتشف أن أحد الخاطفين المغتصبين القتلة مما راح ضحية لأفعاله ثلاث طفلات هو مجرم محترف أخرجوه بعد سجنه ثماني سنوات فقط "بعفو" مع أنه كان يقضي عقوبة مخففة بالمؤبد بدلا من حكم الإعدام الذي صدر بحقه لخطفه واغتصابه طفلة·
ولقد أصبح مما يذهل الناس هذا الفساد المستشري الذي دخل كل مجال وشمل جميع المستويات وأصبح الناس يشيرون الى مسؤولين كبار استلموا وظائفهم وهم شبه حفاة وأصبحوا يمتلكون القصور والمنتجعات ويودعون شنط الطيارين المليئة بـ "الكاش" في خزانات البنوك السرية·
لكن الأخطر من كل ذلك هو هذا الإحباط الشديد الذي أشاعته ممارسات بعض أعضاء مجلس الأمة والخروج عن الدور الوطني في تمثيل مصالح الناس والدفاع عن حرياتهم وممتلكاتهم·· بحيث إنه من بين الكثير من الوزراء الذين تحوم عليهم غابات من علامات التعجب والاستفهام والشبهات لا يجدون إلا وزير المالية يوسف الإبراهيم ليستجوبوه!!
إن هذا الوضع - إهدار دور المجلس وصرفه عن مهامه الإصلاحية وإفلات القضايا الرئيسية - هو وإلى حد كبير أمر مدبر اشترك الكثير ممن اشترك به إرضاء للنزوة والانتهاز الشخصي أو لقصر نظر ولكنه هو بالضبط ما كان يرمي إليه من كان خطط للانتقام من مرحلة عبدالله السالم ممن لم يسلموا أبدا بحقوق الكويتيين في دستورهم فانبروا لتدميره أو تفريغه· وعندما هُدد محمد الخليفة وغُمز خالد العدوة بإخراج ملفاتهم، كان ذلك في جانب منه تذكيرا لمن نسي من أصحاب الملفات جميعهم، بالاستحقاقات المترتبة عليهم والحدود المسموح بها والأخرى المحظورة، ولكنه كان من جانب آخر إعلانا عن إتمام عملية "تضبيط" المجلس أو بعبارة أخرى، تخريب السلطة التشريعية·
فإذا أضفنا الى ذلك مشروع قانون المطبوعات الذي تقدمت به الحكومة وأقرته مع الأسف الشديد لجان مجلس الأمة بعض عن وعي وبعض عن عدم وعي، وتعرفنا على ما يحاك لما تبقى من حرية التعبير في الكويت من مؤامرة ندرك أن القوى التي تربصت بالدستور تريد أن تلغيه نهائيا· فإذا تحول مجلس الأمة لدينا الى مجلس "ملفات" وخنقت مساحة التنفس الحر في الصحافة الكويتية، فماذا بقي من الدستور وماذا بقي من النموذج الديمقراطي الكويتي، وماذا بقي من وفاء لتاريخ الكويت وحلم روادها بأن يخلقوا نموذجا مزدهرا حرا ومشعا في شمال الخليج؟
لقد أصبح واضحا وموثقا الآن أن عناصر نافذة في النظام لم تنحرف قيد أنملة عن موقفها من حقوق الكويتيين في دستورهم ومساحتهم من الديمقراطية والحرية، ولذلك ليس أمام الكويتيين سوى الدفاع عن أنفسهم، الدفاع عن حريتهم وأمنهم وازدهار وطنهم، وليس هناك من وسيلة سوى نضال المستنيرين من أبنائهم ليتبصر الناس بأن إصلاح الكويت في هذه المرحلة لا يبدأ من أعلى· فلا أمل في ذلك· بل إن أملهم إن كان هناك أمل هو في إصلاح السلطة التشريعية، فهذا الأمر هو الذي بيدهم، وأول ذلك الإصلاح هو في أن يحاربوا أصحاب الملفات وأصحاب الوساطات وكل من تدعمه الحكومة·· لأن هدف هؤلاء جميعا هو الانقضاض على حقوق الناس وسلب حرياتهم·· حتى يتسنى لهم مزيد من التفرد والعبث ونهب البلاد يتعاقبون عليها فريقا بعد فريق·· فلا حول ولا قوة إلا بالله·