· د· رشيد العنزي: ليست المشكلة في التنازل أو العفو لكن ما ينقصنا مفهوم “الحرابة”
· عبدالله الكندري: التعذيب طريق سهل لانتزاع الاعتراف ولكن··
· لصاحب السمو حق مطلق في العفو وقضية تطبيق الحدود الشرعية دعوة سياسية
· بعض الصحافيين يخلقون مجرمين جراء نشرهم لتفاصيل الجرائم
· الإسراع في الحكم مسايرة لهيجان المجتمع وهذا خطأ
· المجتمع الكويتي مقبل على جرائم أبشع من “آمنة” و”كريمة”
· تغليظ العقوبة يقف سدا أمام استغلال ظروف المجني عليه المادية
· لا يوجد فراغ قانوني لدينا لكن المشكلة في المنفذين للتشريعات
* أجرى الحوار: سعود العنزي - زايد الزيد - مظفر عبدالله - سنجار محفوض
اتفق رجال القانون على أن التغطية الصحافية لجرائم القتل والاغتصاب التي هزت المجتمع الكويتي أخيرا خلت من روح المسؤولية الاجتماعية التي يجب أن يتحلى بها رجال الصحافة، وفيما انتقد عضو جمعية المحامين عبدالله الكندري دور وزارة الداخلية السماح بتسريب مضابط التحقيق التي تتضمن تفاصيل دقيقة لكيفية الاغتصاب ونشرها في الصحف، فقد أكد الدكتور رشيد العنزي أستاذ القانون بجامعة الكويت أن صور تمثيل الجرائم التي نشرت أخيرا ما هي إلا مشروع لخلق مجرمين للمستقبل·
جاء ذلك في ديوانية “الطليعة” التي سلطت الضوء على الإجراءات القضائية المرافقة للحكم في جرائم القتل والاغتصاب، وعرض ما جاء في قانون الجزاء وتقييمه في ضوء المجريات الأخيرة، ومسائل العفو والتنازل، والتطور التشريعي لملاحقة الأوضاع الاجتماعية المتغيرة في المجتمع الكويتي·
وعن المرجعية في دولة القانون بالنسبة الى هذه الجرائم أكد د· العنزي أن الضغوط الاجتماعية في بلد مثل الكويت تتكرر في بلدان عربية أخرى وقد تدخل في مرحلة من مراحل قضاء العقوبة أو حتى الأحكام الصادرة، وهو ما يظهر في مسألة التنازل، فيما أوضح المحامي الكندري أن التنازل بحد ذاته ليس مشكلة، لكن وضع ضوابط له هو الأجدر بالدراسة وليس إلغاء المبدأ· فيما شدد الاثنان على الصلاحية المطلقة لسمو الأمير في مسألة العفو التي يكون منبعها تحكيم الضمير ومقاصد الشريعة الإسلامية، كما أشارا أيضا الى خطورة التسرع في إصدار أحكام الإعدام أو السجن المؤبد نتيجة لضغوط الرأي العام المتولد عن رد فعل طبيعي تجاه جرائم بشعة يذهب ضحيتها أطفال أبرياء يعتبر من الأمور الخطرة خاصة وأن القاضي يتعرض للتأثر من قبل الرأي العام· وعن تطبيق الحدود الإسلامية التي قد يطالب البعض بها لتكون رادعا بعد انتشار خبر جريمة بشعة أوضح د· العنزي: “هذه دعوة سياسية أكثر من أي شيء آخر”·
وانتقد كل من المحاميين منع رجال المحاماة من حضور التحقيقات في حين يسمح لرجال المباحث بحضورها، وانتقدا المبرر من وراء ذلك والخاص بمسألة السرية حيث أوضحا أن مضابط التحقيق بتفصيلاتها تنشر في الصحف اليومية حتى في ظل التحقيقات السرية التي لا يحضرها المحامون·
ومن جانب آخر، طالب د· العنزي بضرورة حفظ مسرح الجريمة لأن العبث الذي طال مسرح الجريمة الخاص بالطفلة آمنة واضح، فيما أكد المحامي الكندري أن اتهام أبرياء في الجرائم التي حدثت أخيرا أدخلت أناسا ليس لهم علاقة بالأحداث بتاتا وتعرضوا لتعذيب اضطروا معه للاعتراف بذنب لم يرتكبوه· وفيما يلي نص لقاء ديوانية “الطليعة”:
مزيد من الجرائم
· ما البعدان القانوني والأمني اللذان تكشفا بعد جريمة قتل واغتصاب الأطفال؟ وهل نحن نتحدث عن ظاهرة أم حادثة فردية؟
- د· رشيد العنزي: الجريمة أيا كان نوعها تعتبر من سمات المجتمعات منذ خلق الله البسيطة، وبالتالي فإن هذه الجرائم لا تعتبر ظواهر بداية، كما لا تعتبر غريبة على المجتمع الكويتي، وعموما فإن كل جريمة تكون بشعة بمنظور أهل الضحية لكن الملاحظة التي يمكن أن نسوقها في هذا الشأن أن المجتمع الكويتي لم يعتد على مثل هذه الجرائم· كما أن النفخ الإعلامي في قضيتي كريمة وآمنة أعطاهما زخما غير طبيعي على الرغم من وجود جرائم سابقة أبشع ولكنها لم تصل الى الصحافة، وأعتقد أننا مستقبلا سنواجه بمثل هذه الجرائم، لأن طريقة مكافحة الجرائم طريقة بدائية·
- عبدالله الكندري المحامي: تحدثت منذ فترة عن دراسة نشرت في “القبس” توصلت الى نتيجة رقمية تقول إن من 52 أو 53 جريمة ترتكب يوميا في الكويت سواء كجنح أو جنايات وهو ما يعطي مؤشرات تفيد بازدياد الجرائم من ناحية، وبطرق جديدة وأدوات مستحدثة، بعضها بشع بالطبع، وهناك دور مختلف عليه بالنسبة الى المعالجة الصحافية والإعلامية لمثل هذه الجرائم·
وفي المستقبل أتوقع أن تكون هناك جرائم أبشع من مثالي كريمة وآمنة، لأن من أمن العقوبة أساء الأدب، وفيما يخص موضوع قوائم العفو أرى أننا بحاجة الى دراسة جدية لموضوع الأسماء التي تطرح لسمو الأمير للعفو عنها أو تخفيف مدة الحبس، ومن ناحية تشريعية أطالب بأن يصدر أمر أميري يمنع توجيه سؤال برلماني أو استفسار من جانب الأعضاء في البرلمان، إلا في حالة واحدة وهي الكشف عن شروط العفو·
· من المعروف أننا نعيش في دولة قانون ودستور وتشريع وبالتالي فإننا تخطينا - أو هكذا يفترض - كل ما هو سابق على فكرة الدولة من استغلال نفوذ، أو تفعيل بعد قبلي أو اجتماعي في المسائل القضائية، فإلى أي مدى يمكن مواءمة مسألة دولة القانون مع فكرة التنازل عن حق المجني عليه؟
- د· رشيد العنزي: في كل جريمة إذا تنازل المجني عليه عن حقه فإنني أعتقد أن الدولة ليست أحرص منه في التمسك برفض هذا التنازل، لأننا يجب أن ننظر الى شق المتهم لأن الإنسان قد لا يستطيع أن يمنع نفسه عن ارتكاب جريمة، وعندما أقوم بمنع التنازل فإنني بذلك أضيف مجرما للمجتمع، وهناك حالات كثيرة خرجت بالتنازل وكان ذلك قد أثر عليهم بشكل إيجابي·
والتنازل أنواع، فهناك تنازل يخضع لتقدير القاضي في أن يقبله أو يرفضه وهناك نوع ليس قابلا للنفاذ، ومع ذلك فللقاضي حق الامتناع عن النطق بالحكم كحل وسط·
ونحن يجب أن لا نكون أكثر حكمة من رب العزة الذي أعطى الحق في قبول الدية لأهل المقتول والتنازل المبرىء·
وفي القانون الكويتي عندما يأتي تنازل لسمو الأمير من قبل أهل المجني عليه فإنه من الأولى - ما دامت الشريعة تقر بذلك - أن يؤخذ بذلك·
حقيقة إن الخطأ الحاصل أنه عند تكييف الجريمة لا يوجد لدينا في القانون مسألة “الحرابة” وأعتقد أن هذا التكييف لو طبق على قتل الطفلة آمنة والطفلة كريمة وهي جريمة “حرابة” وليست قتلا فجرائم الحرابة لا تمحوها مسألة التنازل·
· ما تفسير جرائم الحرابة؟
- د· رشيد العنزي: هي الجرائم المرتكبة ضد المجتمع وليس الفرد، والتي ينتج عنها ترويع المجتمع، وأتذكر أن هناك تنازلات جاءت من أهالي المجني عليهم ورفضتها النيابة لأنه كانت هناك أكثر من جريمة قتل حيث تضمنت أيضا اغتصابا من أكثر من طرف بالإضافة الى القتل· وتم تنفيذ الإعدام في هؤلاء الأشخاص وبالتالي لا يمكن أن نضع قيدا على حق سمو الأمير في قبول التنازل وخروج الفرد الذي من الممكن أن يكون إنسانا صالحا مستقبلا·
مرجعية الأحكام
· إذن ما مرجعيتنا في الكويت، هل هي الشريعة أم العرف أم القانون؟
- د· رشيد العنزي: عندما أتكلم حق حق لصاحب السمو فهو حق مطلق، فمن حقه تخفيف أو إلغاء العقوبة، والقانون لا يقيده، لكن سموه بما أنه ولي الأمر فإنه يأخذها من جانب ديني - أقصد القبول أو الرفض - وصحيح أننا لا نطبق الشريعة الإسلامية ونطبق القانون لكن العفو الذي نقصده فوق قانون الجزاء· فالحق مقنن في الدستور، لكن كيف يمارسه صاحب السمو، فذلك على ما أعتقد يخضع لتحكيم الضمير والشريعة الإسلامية·
- عبدالله الكندري: طبعا هناك ملاحظة بأن القانون حدد القضايا التي يجوز التنازل فيها· لكن هناك شروط لدى السلطة القضائية بالنسبة الى العفو من قبل سمو الأمير، وإن هناك قصورا فأنا أعتقد أنه يجب أن ينصب نحو الشروط الموضوعة، أي مرحلة ما قبل تقديم الحالات لسمو الأمير·
· هل قانون الجزاء يعالج موضوع استغلال أهل الجاني للظروف الاقتصادية لأهل المجني عليه من خلال عرض مبالغ مالية خيالية؟
- عبدالله الكندري: القانون واضح، إن جاء الرضى من المجني عليه فإنه أدرى بمصلحته وتنتهي القضية، لكننا حقيقة بحاجة الى تغليظ العقوبة حتى لا يكون موضوع استغلال حاجة الناس المادية من أجل التنازل·
تحول الأحكام
· ما الذي يحول حكم الإعدام في حالة قتل واغتصاب طفلة الى حكم بالسجن 15 سنة؟
- د· رشيد العنزي: عندما يكون هناك تنازل يوقف سمو الأمير تنفيذ حكم الإعدام، أما من يحدد سنوات السجن فغير معروف إن كان عن طريق لجنة مختصة أو جهة أخرى، وبعد تقرير المدة يخضع لشروط أي سجين آخر من حسن السير والسلوك داخل السجن وبعد ذلك يخرج بأقل من المدة المحكوم بها·
ولكن أريد أن أعود لموضوع استغلال ظروف أهل المجني عليهم من الناحية المادية فإن القانون لم ينظمها، بل بالعكس، القانون يقبل التنازل بعوض أو من دون عوض، ومن جهة أخرى لماذا أحجر على حق أهل المجني عليهم في التمتع بمزايا مادية تقدم من أهل الجاني خاصة في حالة القتل أو السجن لمدد طويلة·
الضغوط من أجل التنازل
· لكن هناك ضغوط تمارس أحيانا على أهل المجني عليهم للقبول بالمزايا المادية خاصة إذا كانت الحالة لغير الكويتيين؟
- د· رشيد العنزي: أريد أن أسأل الآن: ما الضرر الذي أصاب المجتمع من قتل الطفلة كريمة؟!
· ترويع المجتمع!
- د· رشيد العنزي: هل الترويع الذي حدث للمجتمع هو بذات قدر الترويع الذي حدث لأهل الطفلة؟
تنظيم القواعد الشاذة
· التنازل يجب أن يبقى استثناء وليس قاعدة؟
- د· رشيد العنزي: أنا أتكلم عن حق أهل الضحية في قبول أو عدم قبول التنازل، أما مسألة الضغوط فهم محميون بموجب القانون· وللعلم فإن التنازل خلال نظر قضية ما لا يجبر القاضي على قبوله، والتنازل محدد بخمس سنوات في بعض الجرائم يقبل بها القاضي، أما أكثر من ذلك فلا يمكن القبول بها·
أما الضغط الاجتماعي، فإنه مصيبة لأن مجتمعنا له تكوين يخضع للظروف الاجتماعية والقبلية كأكثر المجتمعات العربية· مع العلم أن هذه المعطيات قد تمنع حدوث جرائم مستقبلية عندما يتم قبول الدية، ووضع قيود على حق القبول بالدية قد يؤدي الى نتائج سلبية مع اقتناعي بأن هذا الحق قد يستغل لكن المصيبة في الكويت أننا دائما نبحث عن الاستثناءات ونضع لها قواعد قانونية، لنا باع طويل في تنظيم الحالات الشاذة، وهذا أمر خطير، وبالنسبة الى التنازل يجب قبل إصدار حكم حوله أن نرى كم عدد حالات التنازل التي أخذ بها والحالات التي لم يؤخذ بها حتى نحكم على نجاعة هذه المسألة·
- عبدالله الكندري: لو أخذنا بنظرية إلغاء التنازل يمكن أن تترتب آثار سلبية مستقبلا، وهو موضوع بحاجة الى دراسة من قبل لجنة متخصصة بعيدة عن التأثر بالأجواء الحالية، وأعتقد لو أن شروط العفو أو التنازل قد وضعت في جو صحي، أتصور أن الجريمة الحالية لم تكن لتحدث لأنه لو كان هناك عقوبات مغلظة لبعض الجرائم مثل حرق الضحية مثلا فإن ذلك سيجعل القاضي يحكم بهذه العقوبة ولا يفكر أبدا بتنازل أو غيره·
حفظ استقرار المجتمع
· إذاً كيف نحفظ استقرار المجتمع بوساطة تطبيق القانون؟
- د· رشيد العنزي: عندنا الدستور واضح في هذا الجانب، وأقصد صلاحية صاحب السمو في العفو، القانون عندنا يفرض على السلطات المختصة تطبيق ثلاثة أرباع المدة الخاصة بالسجن على المجرم، وأعتقد أن القانون ليس فيه قصور ومشكلة الكويت ليست في قصور القوانين، لكن سن القوانين لكل مشكلة هو الذي جعل الوضع سيئا بالنسبة الى تحقيق ضمان حقوق المجتمع·
من جانب آخر، فإن تنفيذ وتطبيق القوانين أيضا يضعنا أحيانا في مشاكل كبيرة، وبالتالي فإن فكرة تعديل القانون خاصة في مسألة التنازل، فأنا لا أرى ذلك خاصة وأنه واضح، وليس بالضرورة أن كل من خرج بتنازل يعود للجريمة وليس كل من ارتكب جريمة تكون له سوابق ومثال على ذلك المتهمون بقتل الطفلة آمنة·
إحياء النصوص الميتة
- عبدالله الكندري: أعتقد أن القوانين ليس فيها مشكلة لدينا، ولكن القصور هو في التنفيذ، مثال ما قام به الدكتور حسين عبدالسلام وهو مدير إدارة تنفيذ الأحكام من خلال إحياء إحدى مواد الجنح بحيث أن من يحكم بمدة أقل من 6 شهور يمكن أن يفرج عنه ولا يحبسه ويعوض حبسه بالقيام بخدمات بديلة في مؤسسات الدولة، وهذه المادة موجودة في القانون لكنها لم تطبق إلا الآن·
التسرع في تطبيق الحكم
أخطر من الجريمة ذاتها
· ما رأيكم في قضية اندفاع البعض لتطبيق الحدود الإسلامية، ودعوة البعض الآخر في قضية الاستعجال في تنفيذ العقوبات على الجرائم البشعة؟
- د· رشيد العنزي: تحضرني آية {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} والمقصود في هذه الآية هو الردع بالطبع، والله سبحانه وتعالى قيدها بأولي الألباب فقط، أما الطائشون والمتسرعون وغير العقلاء فالنص لا ينطبق عليهم، ولذلك إن طبقت الشريعة أم لا فإن الردع في النفس البشرية وليس في القوانين· ولا أعتقد أن هناك رابطا بين حدوث الجرائم والحدود، فحتى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كان هناك زنى وسرقة، فالجريمة موجودة لكن النفس إذا كانت متدينة فهي التي تحكم في هذه القضايا، والمناداة بتطبيق الحدود دعوة سياسية أكثر من أي شيء آخر·
أما مسألة التسرع فإنه أخطر من الجريمة بحد ذاتها لأنك عندما تثير المجتمع والقاضي يتأثر بهذه الإثارة وقد يكون في ذلك تأثير على أحكامه القضائية في النهاية·
وأنا ضد أن يقدم المتهمون بسرعة الى المحاكمة، وهذا ما أنادي به في قضية آمنة على سبيل المثال حتى نتيح للقاضي الوقت الكافي للوصول للحكم العادل مليون في المئة وليس مئة في المئة·
الجانب الآخر في الحقيقة ما يتعلق بتأثير الصحافة المحلية مع كامل الاحترام لدورها الرائد، وقعنا في قضية آمنة تحت إرهاب صحافي، فأن تتسرب التقارير والتحقيقات الى الصحافة بتفاصيلها المقززة ويقرؤها الأطفال فهذا شيء خطير·
· تقصد محاضر النيابة؟
- د· رشيد العنزي: نعم·· محاضر النيابة·· وأعتقد أن بعض الصحافيين في نشرهم لهذه التفاصيل يخلقون مجرمين على الطريق· خاصة وأن كل مجرم حين يقوم بفعله يعتقد أن لا أحد سيكشف أمره·
عدم وضوح الرؤية
· هل هذا يؤكد أن الناس تركز في مثل هذه القضايا على الأمور التي ليس لهم علاقة بها وهو مرفق القضاء والمحاكم ويتركون الذين يعنيهم بالدرجة الأولى وهو وساطات الأعضاء والمتنفذين؟
- د· رشيد العنزي: نعم هذا صحيح·· وهناك حقيقة لاحظتها في جانب واحد وانعكس سلبا على سير العدالة وهو أن النيابة العامة خوفا من التدخلات منعت المحامين من حضور التحقيق وترتب عليه أن الأشخاص دفعوا بالمحكمة ببطلان اعترافاتهم أمام النيابة وكان ممكنا للنيابة إغلاق الباب بحضور المحامين· وهذا ما جعل التحقيقات أو بعض المحاكمات سرية لكن المشكلة أن هذه الأشياء السرية بدأت تنشر بتفاصيلها في الصحافة المحلية! وفي هذا خطورة كبيرة·
- عبدالله الكندري: ما هو أدهى من ذلك السماح لضباط المباحث بحضور التحقيق رغم أنهم من يقومون بعملية التحقيق والمحامي يمنع·
أما موضوع السرعة في تنفيذ العقوبات فهو مبدأ مرفوض، فلا يجب على الرأي العام توجيه القضاء·
قضية ثانية، ما فائدة أن أمثل الجريمة وأنشرها في الصحافة، هل أصبح لدينا حب لمعرفة تفاصيل عن مشاكل الناس وأسرارها؟·
أما السبق الصحافي فيسبب لنا مشكلة كبيرة، ففي قضية آمنة هناك تسابق غير مسبوق على كشف تفاصيلها وهناك إحدى الصحف ومن دون تسمية تخصصت من خلال صفحاتها الأخيرة بمثل هذه الأمور· وهنا أنادي وزارة الداخلية بعدم التساهل في نشر تفاصيل حول الجرائم، يمكن أن يكون نقل خبر القبض على المجرمين جيدا لكن الزج بأسماء متهمين قد تثبت براءتهم هو الذي لا نريده وهناك قضايا اتهم فيها أناس أبرياء وجرى تعذيبهم وانتزعت منهم اعترافات غير صحيحة فقط لرغبة المتهم بالتخلص من التعذيب·· وحول تأثر القاضي بالجو العام فأنا أعتقد أن لهذا الموضوع أهمية كبيرة فالقاضي يتأثر بلا شك، ففي إحدى القضايا المشهورة في بريطانيا والتي راحت ضحيتها مدرسة تم اغتصابها من قبل حدثين قرر القاضي عدم النظر فيها إلا بعد 8 شهور حتى يسد الباب أمام التأثر بالرأي العام وهذه خطوة جيدة وجريئة·
ضوابط الإفراج
· هل الضوابط التي توضع للإفراج ثابتة أم تتغير؟
- د· رشيد العنزي: هي تتغير بالطبع وسنويا حيث إن هناك مجموعة من المتخصصين يقومون بمراجعتها وهي عملية إجرائية وليست معقدة ووفقا للقانون·
قانون الجزاء
· ما ملاحظاتكم على قانون الجزاء هل هو بحاجة الى تعديل أو إضافة؟
- عبدالله الكندري: القانون بحاجة الى تغليظ العقوبة بالنسبة الى الجرائم الوحشية·
· ما تعريفك للجرائم الوحشية؟ وطالما هناك عقوبة إعدام منصوص عليها في القانون فماذا نريد أكثر؟
- عبدالله الكندري: بعض الجرائم يجب أن ينص على أنها لا تقبل التنازل، ومثال ذلك مفهوم الحرابة الذي تطرقنا إليه بداية، وهي كنوع من الفساد في الأرض، وليس الأمر مقصورا على القتل بل قد يكون في مسائل أخرى مثل الإضرار بثروات البلاد كالنفط مثلا وكما أن لدينا قانون لأمن الدولة يفترض أن يكون لدينا قانون يوقف المساس بالأمن الاجتماعي·
مسرح الجريمة
- د· رشيد العنزي: لدي ملاحظة مهمة جدا لاحظتها بقراءتي لقضية آمنة وهي قضية الأدلة التي تقدم· حيث تم أخذ خمسين عينة من المجني عليها والسيارة والسكين والملابس ولا عينة استطاعت أن تربط المتهمين بالمجني عليها، طبعا أحد الأسباب أن هناك عبثا حدث في مسرح الجريمة، وهذا موضوع يجب أن يتم الانتباه له من قبل المباحث، لأنه في ظل وجود التطور في الأدلة الجنائية فإن شعرة صغيرة قد تربط المتهم بالمجني عليها· ولذلك عندما يأتي شخص يجهل دور ضابط مسرح الجريمة ويقوم بنقل الأشياء كما يشاء يمسح البصمات، فعندما يأتي ضابط مسرح الجريمة يجد أن الذين وصلوا أمامه من المباحث قد غيروا الكثير من المعالم في هذا المسرح·
ناحية أخرى، فإن عدم وجود دليل فني يثبت الجريمة يجعل من الصعب على القاضي أن يتوصل الى الحكم القاطع وأقول “الله يساعد القضاة”·
- عبدالله الكندري: أعتقد أن خطورة سرعة القبض على المتهمين قد يدخل أناسا أبرياء في بعض الجرائم، وهذه القضية قد تدهم مستقبل الكثيرين من المواطنين فهناك طلبة يريدون إكمال دراستهم وآخرين لهم مصالح وطموحات في حياتهم·
- د· رشيد العنزي: في ظل الانفلات الصحافي وللأسف فإن الردع الذاتي هو الضمانة الوحيدة التي تردع العاملين في هذه المهنة لأن يكتبوا بأمانة، وليست القوانين أو الضوابط الأخرى تؤثر في هذا الجانب·
وإذا لم يستطع الصحافي منع نفسه من نشر تفاصيل الجرائم فأنا أدعو البرلمان لتشريع يمنع ذلك على الأقل، فنشر تفاصيل الجرائم وعرض مسلسلات المخدرات يخلقان مجرمين منذ الصغر، والعقل البشري يقتبس ويتعلم·
لقطات
قبول الصلح
أكد د· رشيد العنزي أن قبول الصلح خاصة في المجتمعات القبلية أسلوب قد يحقن إراقة الدماء ويقيد تصرفات أشخاص متحمسين للأخذ بثأر قريب لهم من عائلة أو قبيلة أخرى· وممكن أن يؤدي الى استقرار المجتمع·
دراسة قضية التنازل
دعا المحامي عبدالله الكندري الى تشكيل لجنة لدراسة قضية التنازل عن حق المجني عليهم من قبل لجنة متخصصة بعيدة عن التأثر بالأجواء النفسية المشحونة والتي قد تؤثر على أحكام قضائية وتأخذها الى مسارات تبتعد عن تحقيق العدالة·
المعالجة الهادئة
أورد المحامي الكندري حادثة معالجة القضاء البريطاني لقيام حدثين باغتصاب مدرسة والتي عولجت بهدوء تام وتركز الحوار حولها فيما إذا كان القانون الخاص بالأحداث بحاجة الى تعديل نحو تضمينه عقوبة الإعدام أم لا دون نشر أي تفاصيل عن الجريمة وذلك في إشارة الى عكس ما حدث لدينا في قضيتي آمنة وكريمة·
ادرؤوا الحدود بالشبهات
أشار د· العنزي الى أن القاعدة القانونية التي تقول إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته مفادها أن على النيابة والمباحث أن تقدما دليلا ماديا يقينيا· وأعتقد أن لدينا قاعدة فقهية أهم من القانون وأهم من أي شيء آخر وهي قاعدة “ادرؤوا الحدود بالشبهات ما استطعتم عن الناس”·
الداخلية والصحافيون
تساءل المحامي الكندري كيف تسمح وزارة الداخلية بوجود الصحافيين في مسرح الجريمة كما حدث في الجرائم الأخيرة· مع العلم أن سيارات الداخلية تقل إخواننا الصحافيين·
تشديد العقوبة
أبدى د· رشيد العنزي تأييدا لتشديد العقوبة لكنه أوضح أن من الظلم البين أن أقوم بإعدام أشخاص فقط لأنهم اعترفوا بجريمة ما· ففي ظل وجود التعذيب في قضية الكندي وقضية كريمة يجب أن ننظر بعين الشك الى موضوع الاعتراف غير المدعم بدليل·
طرق التعذيب
كشف المحامي الكندري عن أن عملية تعليق المتهم في عمليات التعذيب تؤدي الى ضغط نفسي قد تضطره الى الاعتراف بذنوب لم يرتكبها أصلا وذلك رغبة منه في التخلص من التعذيب حتى لو اعترف كذبا·
اقتراح
اقترحت “الطليعة” إقامة ندوة تجمع الصحافيين والقانونيين والمحامين لمعالجة مسألة النشر الصحافي للجرائم والأسلوب الأمثل لاستعراضها بعيدا عن التفاصيل الخطرة التي تناولتها صحفنا أخيرا·