شعر: عبدالناصر صالح
ولدٌ معجزةْ··
عادَ من نومهِ تحت ظل الصفيحِ
وأودعَ أحلامُه غيمةً،
وعصافيرَ تعبرُ صوبَ المخيمِ
رتّب أشياءَهُ في الحقيبةِ:
أقلامهُ
صورةُ الأهلِ، رائحة القمحِ
واجبهُ المدرسيَّ،
بشاشةَ وجه المعلّمِ أو عنفهُ حيث يغضبُ
رهبتَهَ حين يفشلُ في حلّ أسئلة الامتحان،
وفرحتهُ حين يمضي إلى الجائزةْ
***
ولدٌ معجزةْ··
يفتح الآن نافذة الشمسِ
حتى تضيءَ ذؤابتها أيكةَ الصدرِ
يبعثُ أغنيةً للغزالةِ،
وهي تجوب الزقاق على هَدْي أنفاسهِ
(يتذكرُ:
وجه الغزالةِ مُفتَتَحٌ لليراعاتِ
حين يجفّ الكلام، يسيل الهواءُ دماً صافياً)
يتهيأ للصحوِ
أي الدروبِ سيسلكها دمُهُ؟
أي قنبلةِ ستفجّر رأسَ الفتى
وتميطٌ اللثامَ عن الجرحِ
(والجرحُ أوسعُ من دورة الأرضِ ،القلبُ أكبرُ من لهْفة الغائبين؟)
يتهيأ للصحْوِ
قال الفتى وهو ينفضُ أعباءهُ:
ليس يأخذني النوم من يقظة السيفِ، لا وقتَ للنومِ،
لا وقتَ للانتظار قليلاً لكي تعبر الحافلاتُ،
- عقاربُ ساعتهِ سوف يدركها الوقتُ
والأصدقاء - يجيئون
يتجهون إلى أول العمرِ:
راياتُهم،
والنشيدُ المؤجلُ
والشجرُ النبعُ والقدسُ والعروسُ
والطفلُ يصعد أدراجَهُ الجاهزةْ·
إنه المولد المتماثل في طلعة النّجمِ،
والوطنُ - الحلمُ ديْدَنُهُ
عائدٌ من فصول الشقاوةِ
ما ألقت لحربُ أثقالها لينامْ
ومازال سرب الحمامْ
حزيناً على شرفاتِ النوافذِ،
يحرسُ قلبَ المدينةِ·
يؤنسُ وحشتها
وهي تعبرُ أشرعةً فوق نَقْع العواصفِ
أي متاريس يعبرها الطفلُ،
أيّ ميادينَ سوف يعانقُهُ رمْلها؟
أي طلحٍ سيلمسُ أهدابَه؟
في أي زاويةٍ سيُعدُّ الكمين؟
تراءى له ظلّه في الحدائق
صوتُ غزالته،
وجهها المتألقُ،
ماسُ جدائلها
شكلُ أصحابه يقطفون الحجارةَ عن شجر البرقِ
- لم تكتشف الريح أسارارها بعدُ
(فلينكسر خوفه بالغناء المضرّجِ بالشوقِ ولينطلق صوته بالصهيل الذي يتوحّدُ)
أيلول شهرُ المخاضِ
وفاتحةٌ للبهاءِ الطليقِ ومئذنةُ الضائعينَ
فأي صلاةٍ يؤدي الفتى
قبل أن تبدأ الأرضُ زلزالها؟
أيّ نشيدٍ سيتلو على تلّةٍ
في حطام البيوتِ؟
وأي الرسائل سوف يحرّرُ؟
قالت له أمهُ:
هل رأيت على السّفْح زيتوننا؟
- ذات يومٍ سيكبرُ
- ذات نهارٍ يتجري القصائدُ في النهر·
والسماءُ البعيدةُ هل يعمر البومُ أبوابَها؟
- سوف يعمرها العندليبٌُ
وتنبُت ازهارُنا الحجريّةُ،
أكثرَ من مطرٍ قد يجيءْ
ولدُ الريح والضمأ - الجوع،
والبردِ والحرِِ
والكرِّ والفرِّ،
والكبرياءْ،
ها هو الآن مستغرقٌُ في البهاءْ·
ها هو الآن ينتظر الأصدقاءْ
يجيئون أسرع من غمضةِ العينِ،
أعلامُهم
والنشيدُ المؤجلُ،
نكهةُ أسمائهم في الخرائط
لهْفَتُهُم لاستباق الخيول إلى موقفِ الحافلاتِ،
هو الآن مُزدحمٌ بالحياة
وقد فاز بالجائزةْ·
طولكرم - فلسطين