رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 4-10 رمضان 1423هـ الموافق 9-15 نوفمبر 2002
العدد 1552

خمسة سيناريوهات للحكم بعد صدام أرجحها:
نظام احتلال أمريكي للعراق بأدوات محلية

                

 

 

بقلم فيجاي براشاو - أستاذ مشارك ومدير الدراسات الدولية في جامعة ترينيتي، هارتفورد

وكتابه الأخير هو “القطط السمان والكلاب اللاهثة”·

 

·        سيناريو قرضاي العربي هو الأوفر حظا

·        العسكريون العراقيون غير قادرين على الإطاحة بصدام

·        ماك آرثر قال في الخمسينات إن اليابان غير مؤهلة للديمقراطية

·        مصانع الأسلحة الكيميائية العراقية جاءت من أمريكا

·        عودة العائلة الهاشمية ممكنة، لكن ظاهر شاه لم يستعد العرش

 

تتسرب من البيت الأبيض تقارير بشأن خطط خاصة بعراق ما بعد البعث· وهناك ثلاثة من السيناريوهات الرئيسية لا تسمح بتطور الديمقراطية في العراق· وكل منها يقوم على افتراض عنصري: أي أن العراقيين إما يحتاجون الى دكتاتور عسكري أو الى ملك، وأن أي نوع من الديمقراطية مستحيل تصوره·

هناك على الأقل خمسة سيناريوهات، واحد منها يعتبر محرما بالنسبة الى الامبراطورية الأمريكية، وهو السيناريو الرابع·

أحيانا، يثير البيت الأبيض ضجة حول إطاحة الجيش العراقي للطغمة البعثية التي يقودها صدام حسين· وهناك تشكيلات عدة لضباط سابقين في الجيش العراقي ممن يعيشون في المنفى· وفي يوليو من عام ألفين، اجتمع سبعون منهم في شمال غرب لندن تحت رعاية حركة الوفاق الوطني العراقية التي تزعم أنها على صلة مع عشرات القادة العسكريين المهمين داخل العراق· وقد ضم الاجتماع اللواء نجيب الصالحي وهو قائد سابق للحرس الجمهوري العراقي الذي يتزعم حركة الضباط الأحرار المقيمة في الولايات المتحدة·

هذه الحركة ظهرت عام 2001، وقد ساندتها وزارة الخارجية الأمريكية والمؤتمر الوطني العراقي المدعوم من الولايات المتحدة والمقيم في لندن· وقد قال الناطق باسم وزارة الخارجية الأمريكية ريتشارد باوتشر عن اجتماع لندن إنه كان “وسيلة مفيدة”·

هؤلاء العسكريون المنفيون تم استنفارهم تكرارا في التسعينات، وآخرها في محاولة انقلاب فاشلة عام 1996· ويبدو أنهم لا يملكون سلطة كبيرة فوق كبار الضباط العراقيين، بل ليست لديهم علاقات قوية مع الضباط من الصف الثاني·

وتوجد بينهم أيضا مشكلة مصداقية· وبين هولاء هناك الجنرال نزار الخزرجي الرئيس السابق لهيئة أركان الجيش العراقي الذي يعيش الآن في الدنمارك· فهذا القائد الذي قاتل في الحرب العراقية - الإيرانية ثم انشق عام 1995، يخضع الآن لتحقيق في بلاده الجديدة “منفاه” على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم حرب ضد الأكراد عام 1988· وحتى مع حماسته للانضمام الى حركة العسكريين المنفيين فإن هؤلاء حذرون من انضمامه لما كانوا معرضين لكشف أدوارهم في الهجمات بالأسلحة الكيميائية على الشعب الكردي·

في العراق هناك تقليد ضعيف للحكم العسكري· ففي عام 1958، أطاح العميد عبدالكريم قاسم والعقيد عبدالسلام عارف بالملكية المدعومة من بريطانيا وأعلنا الجمهورية وأقاما دولة على نمط الدولة التي أقامها الضباط الأحرار المصريون بعد انقلاب جمال عبدالناصر عام 1952· ولما كان يرى في ذلك مجرد بداية لنهاية الحكم القمعي للنخب الحاكمة، فقد أقام الحزب الشيوعي العراقي القوي مراكز للمقاومة الشعبية لكن عبدالكريم قاسم لاحق هذه التنظيمات مع ازدياد قوة دكتاتوريته وسحق اتحادات العمال والفلاحين· وعندما شعر الجيش بمزيد من الثقة في نفسه وفي قوته فقد عمد الى تفكيك المعارضة· وقد شارك صدام حسين عندما كان عضوا في حزب البعث وهو في الحادية والعشرين من عمره في محاولة فاشلة لاغتيال عبدالكريم قاسم في أكتوبر من عام 1959· وعندما نأى عبدالكريم قاسم بنفسه عن القوى المنظمة في المجتمع، قام قسم من الجيش “يقوده عبدالسلام عارف والبعث” بإطاحته عام 1963 وأقام أول حكومة بعثية “تحت القيادة الشكلية للناصري عبدالسلام عارف” ثم تحت قيادة شقيقه عبدالرحمن عارف بعد مقتل الأول بتحطم طائرة هليكوبتر” وهكذا دامت الدكتاتورية العسكرية التقليدية من عام 1958 الى عام 1963 فقط· وما أعقبها هو حكم البعث بوساطة جناحه المدني ومكتبه العسكري “الذي أقيم عام 1962” وشهد عام 1963 ظهور شقاقات بين ضباط الجيش ووقوف أحدهم ضد الآخر لينتهي ذلك بسيطرة حزب البعث السوري المولد على الدولة· وفي عام 1968 استولى حزب البعث، الذي كان يحكم منذ عام 1959 من وراء الكواليس، على السلطة، وصار رئيس العراق هو أحمد حسن البكر “وهو ضابط لكنه بعثي أولا”، ثم انتزع منه صدام حسين مقاليد السلطة في يوليو من عام 1979 “عندما أعدم أعداءه في اجتماع مشهور لحزب البعث” ولا يعتبر صدام حسين دكتاتورا عسكريا على الرغم من أنه يملك جهازا جبارا من القوى القادرة على سحق أي انشقاق وعلى قتل المعارضين وعلى شن الحرب·

إن علاقة الجيش العراقي بسلطة الدولة غير بسيطة· فما الذي يشجع ضباط الصف الثاني علي القيام بانقلاب ضد البعث؟ ذلك أن كثيرا منهم يتذكرون بجلاء كيف نفذت فرقة المشاة الأمريكية الـ 24 مجزرة بحق القوات العراقية المنسحبة في الثاني من مارس من عام 1991· وبعد التحدث مع مئتي عسكري أمريكي لتحضير مقالته كتب الصحافي سايمور هيرش أن الهجوم الأمريكي لم يكن هجوما مضادا أحدثته نيران العدو إنما تدميرا منهجيا للعراقيين الذين كانوا ينفذون مقتضيات الانسحاب· ونظرا الى هذا، فلماذا يخاطر بعض العراقيين بالقيام بانقلاب يفتح الباب أمام عمل عسكري أمريكي في أي حال؟ وما الأسباب التاريخية التي تجعلهم يثقون في حكومة الولايات المتحدة؟

 

العراق تحت حكم الاحتلال الأمريكي

 

جاءت بيانات النفي فورا حالما نشرت الصحافة في مطلع أكتوبر من عام 2002 رواية تقول إن البيت الأبيض يفكر في احتلال العراق بوساطة القوات الأمريكية وإقامة نظام احتلال كما حدث في اليابان بعد عام 1945، واستنادا الى الرواية، يحتل العراق مئات آلاف الجنود الأمريكيين، ويتولى الجنرال تومي فرانكس السلطة باعتباره القائد الأعلى في الأراضي المحتلة، ثم يعمل النظام الجديد على توقيف “مجرمي الحرب” ومحاكمتهم وعلى نزع سمة البعث عن العراق· وقد اعترف المبعوث الأمريكي الخاص الى أفغانستان، خبير مجلس الأمن القومي لشؤون غرب آسيا، وأحد الواضعين الأساسيين لسيناريوهات ما بعد الحرب “الأفغاني الأمريكي” زلماي خليل زاد بأن “الكلفة ستكون عظيمة”· “حوالي 16 مليار دولار في السنة” لكن الولايات المتحدة ستجد الموارد الضرورية ونحن ستكون لنا إرادة البقاء طالما كان ذلك ضروريا لتأدية المهمة· وعندما سئل عن خطط الاحتلال، قال وزير الخارجية كولن باول: “إذا بلغت الأمور هذا الحد، والرئيس لا يرغب في أن تبلغ ذلك، يتوجب علينا إذا حصل هذا أن نقيم نظاما أفضل· أي أن الجيش سيتولى السلطة· وأضاف: “نحن نرسم بوضوح خططا عسكرية واسعة النطاق، وهناك نماذج مختلفة في التاريخ ويمكنكم أن تأخذوا على سبيل المثال اليابان وألمانيا”·

إن اليابان هي المثال الأكثر استعمالا في غالب الأحيان لدى العارفين· ففي اليابان، عملت إدارة الاحتلال التي تولاها الجنرال “دوغلاس” ماك أرثر على تفكيك أقسام البيروقراطية الفاشية في اليابان، لكنها قضت على قدرة الاشتراكيين على إعادة بناء قواعدهم السياسية·

وتعرضت النقابات لهجوم الجنرال ماك أرثر عندما فضل عليها “الزايباتسو” أي الطغم الصناعية التي واصلت الهيمنة على المجتمع الياباني، وفي عام 1951 أرسى ماك أرثر قواعد نظريته العنصرية للاحتلال: “بالمقارنة حسب معايير الحضارة الحديثة فإنهم “اليابانيين” هم أشبه بفتيان في الثانية عشرة مع تطورنا الذي بلغ سن الخامسة والأربعين”· وبسبب التطور الضعيف لليابانيين الجديرين بالازدراء أكد ماك أرثر أن الجيش الأمريكي يمكنه أن يزرع مفاهيم جوهرية هناك مثل احترام السلطة وقوة المؤسسة·

إن المقارنة مع اليابان ربما تؤدي الى إضعاف فخر البنتاغون لكن ذلك ليس دقيقا تماما· فالمقارنة الحقيقية في المنطقة هي حكم الانتداب البريطاني للعراق 1914-1932 ففي نوفمبر من عام 1914 نزلت القوات البريطانية في البصرة واحتلت بغداد والموصل وأقامت دولة عراقية جديدة من هذه المحافظات الثلاث في الامبراطورية العثمانية· وخوفا من العلماء “المجتهدين” الشيعة، والزعماء الأكراد والجماعات التجارية القوية في المنطقة “المتحدرة من الأشوريين واليهود والصابئة واليزيديين وغيرهم” التفت الاحتلال البريطاني نحو النخب العثمانية القديمة حتى يجعل منها حلفاء له· وجاءت الأسرة الشريفية أساسا من وجهاء سنة عاشوا في المحافظات المحيطة ببغداد· وبحلول عام 1920، انتفضت الجماهير في العراق لكن حتى تسحقها القوة البريطانية “وقتل في حينها أكثر من ستة آلاف عراقي ونحو 500 جندي بريطاني وهندي فقط” ولما كان الاحتلال البريطاني يرغب في أن يحكم العراق بالوساطة فقد استدعى الأمير فيصل حتى يكون ملكا على العراق· وقد حكم فيصل “وهو ابن الشريف حسين الذي كان يتولى رعاية الحرمين الشريفين في الحجاز، وشقيق الملك عبدالله في الأردن” حكم العراق من عام 1921 حتى عام 1932 في ظل الانتداب البريطاني قبل إعلان الملكية الهاشمية المستقلة من عام 1932 حتى عام 1958· وفي حين كان فيصل ملكا، فإن القوات الجوية الملكية البريطانية سحقت بالقوة الغاشمة تمردا كرديا “في أول حملة جوية من نوعها” ثم عمل البريطانيون “بمساندة الأمريكيين” على تقسيم النفط العراقي بين شركة النفط الانكليزية - الفارسية 23.75 في المئة و”شل” الملكية الهولندية 23.75 وشركة النفط الفرنسية 32.75 في المئة وشركتي ستاندرد أويل وموبيل 23.75 في المئة والوسيط الأسطوري سايروس غولينكيان خمسة في المئة وكون الانتداب إطار عمل لقمع الشيعة والأكراد كما للحصول على الامتيارات النفطية·

لقد تم تجريب فكرة عودة الملكية لبضعة أشهر في أفغانستان مع الملك السابق محمد ظاهر شاه ثم رفضت لمصلحة الزعيم الأكثر طواعية حميد قرضاي·

في اليابان، اختار الجنرال ماك أرثر بنصيحة من روث بنيد كت الاحتفاظ بالامبراطور هيروهيتو، على الرغم من التساؤلات بشأن ملكية مغرقة في الفاشية· والواضح أن الولايات المتحدة لا تفكر في البقاء في العراق الى ما لا نهاية لكنها ترغب في امتلاك قاعدة عسكرية أو اثنتين وسلطة على النفط وصديقا في السلطة· وهذا الصديق قد يكون دمية مثل المؤتمر الوطني العراقي “حميد قرضاي العراقي” أو ملكا مصنوعا·

 

العراق تحت سلطة الهاشميين

 

في اجتماع يوليو من عام 2002، دعا ضباط الجيش العراقي السابقون الأمير حسن ولي عهد الأردن سابقا، وعم العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، وربما يكون الأمير حسن هو الملك المقبل للعراق، وكان هناك أيضا الشريف علي بن الحسين الذي فرت عائلته من العراق عندما كان في الثانية من عمره والذي تربى في لبنان ثم تعلم في بريطانيا “درس الاقتصاد” ثم عمل في استثمار الأموال· وخلافا للأردنيين الذين يخشون الحرب، يطالب الأمير علي بن الحسين بعرش العراق ويضع عينه على إعادة تنصيب الأسرة الهاشمية·

لكن ليس للهاشميين حق طبيعي في العراق، وليس لديهم تاريخ طويل فيه، وليس لهم حق في المنافسة· فقد جاؤوا الى العرش بوساطة الانتداب البريطاني، ثم صاروا مثل دمى تحركها امبراطورية النفط الجشعة· وعندما استطاعت النخب العراقية في النهاية التخلص من الانتداب البريطاني احتفظ الهاشميون “فيصل حتى عام 1933، ثم غازي من عام 1933 حتى عام 1939، ثم فيصل الثاني من عام 1939 حتى عام 1958 من خلال توسيع صفوف الجيش الموالي لهم من 12 ألف جندي عام 1932 الى 43 ألف جندي عام 1941” وذلك بالاستعمال الاختياري لعائدات النفط “نحو ثلث الميزانية قبيل نهاية حكمهم” وبتأليب أطراف الطغمة الحاكمة أحدها على الآخر وبالقمع الوحشي لأي شكل من التمرد والعصيان·

وعندما أطاح عبدالكريم قاسم بالملكية فقد نفذ ذلك بوساطة انقلاب سري من دون دعم كبير· لكنه عندما دعا الشعب الى التظاهر في الشوارع دعما لحركة الضباط الأحرار استجابت الأحزاب السياسية الكبرى وأعداد لا تحصى من الناس غير المنظمين· وقد ملأ أنصار الحزب الوطني الديمقراطي وحزب البعث والحزب الشيوعي العراقي الشوارع في بغداد وغيرها من المدن احتفالا بسقوط الملكية· وقد أدى استعراض القوة الى شل قوة كل من حاول إعادة الملكية الى السلطة· والذاكرة ما زالت حية، ذلك أن التفكير بأن الشعب العراقي يرحب بعودة ملك بعد صدام حسين هو دغدغة الأفكار العنصرية للذين ليسوا أمريكيين - أوروبيين·

 

بلقنة العراق

 

إن بلقنة العراق هي سيناريو كابوسي للبيت الأبيض ففي العقد الماضي، عندما وصل الدبلوماسيون الأمريكيون الى أقصى بقاع العالم، وعندما كانوا يلفظون كلمة الديمقراطية، كانوا يقصدون تكرارا البلقنة، والبلقنة بقيت كلمة سيئة حتى التسعينات عندما أفتت مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية في الولاية الثانية للرئيس كلينتون ومثقفون آخرون في وزارة الخارجية أنها “أي البلقنة” هي استراتيجية جديرة في البلقان نفسه· وهكذا سمعنا بخوف كلمة تقسيم تتردد من كوسوفو الى كشمير· لكن ليس في العراق·

في العراق، يلاحظ خبير مجلس الأمن القومي زلماي خليل زاد إنه “في المدى القصير، سنعيد توحيد العراق، لأن العراق غير موحد في الوقت الحالي، وسنحافظ على وحدة أراضيه”· وما يعنيه هذا هو أن المناطق الكردية ذات الاستقلال الذاتي في الشمال والمناطق الشيعية في الجنوب “أي منطقتي الحظر” سيعاد دمجهما بالدولة المقسمة· فلماذا ينبغي أن يحدث هذا؟

الأكراد في الشمال لا يمكن السماح لهم بالاستقلال لأن الاستقلال يغضب الحكومة التركية التي ترفض أصلا الاعتراف بأي حق للأكراد داخل تركيا في العيش باعتبارهم بشرا· ولما كانت تركيا حليفا أساسيا في الخطط الاستراتيجية الأمريكية الخاصة بآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز، فإنه من المستحيل تصور دعم أمريكي لكردستان العراقية المستقلة على حدودها· ويدرك الحزبان الكرديان الرئيسيان داخل العراق هذا، وقد توصلا الى تفاهمات عدة مع البعث، وإيران والأمريكيين وحتى مع الأتراك حتى يلبوا الحاجة الى الاحتفاظ بالسلطة في معاقلهم· وفي الوقت نفسه لم يستطع الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني تحقيق كثير من تراث الشيخ محمود بارزنجي الذي نال بفضل استقرار سلطته في عام 1918 من البريطانيين منصب حاكم كردستان السفلى· وعلى الرغم من أن هذين الحزبين الكرديين يستيطعان تعبئة نحو ثمانين ألف مقاتل لأسباب استراتيجية فهما لا يستطيعان أن يكوّنا في العراق “تحالفا” شماليا كالذي كان في أفغانستان·

ويستحيل بالقدر نفسه على الشيعة في الجنوب أن يكونوا حلفاء للدولة المقبلة· ففي حين أن معظم الشيعة لا ينتسبون الى أي تنظيم سياسي فإن التنظيمين السياسيين الرئيسيين هما “حزب الدعوة” الذي تشكل في الخمسينيات و”المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق”· وكان “حزب الدعوة” بارزا حتى السبعينيات عندما أخذ يطالب بإعادة هيكلة بناء الدولة على الأسس الإسلامية· وفي عام 1970، ألقى آية الله الخميني عندما كان في النجف سلسلة محاضرات اجتذبت الشبان الشيعة الى حمى العمل السياسي· وفي عام 1979، فتحت الثورة الإيرانية أبوابا جديدة للتنظيم، في مارس من عام 1970، صارت عضوية “حزب الدعوة سببا للحكم بالإعدام· وعندما هرب ناشطو حزب الدعوة الى إيران انشؤوا فيها “المجلس الأعلى للثورة الإسلامية” في طهران عام 1982 وأسسوا جناحا عسكريا هو “لواء البدر” وهذا التنظيم الذي يقوده محمد باقر الحكيم يدعو الى قيام عراق على صورة النظام الديني في إيران “ولاية الفقيه” وهو لا يكتفي بمعارضة غزو أمريكي، إنما يتذكر أيضا خيانة القادة العسكريين الأمريكيين عندما انتفض الشيعة في الجنوب من دون أن يحصلوا على الدعم الموعود من الولايات المتحدة عام 1991 وهكذا سقط آلاف من مقاتلي “لواء البدر” عندما عبروا الحدود أمام الجيش العراقي الجيد التدريب·

الولايات المتحدة لن تسمح ببلقنة العراق، ولن تسمح للشيعة أيضا بالسيطرة على الدولة كلها التي يشكلون فيها غالبية سكانية· وهكذا يكون من غير المرجح أن تسمح القوى الكردية والشيعية بأن تستعمل أداة من أجل مستقبل يبدو قاتما مثل هذا الحاضر·

 

قرضاي العربي

 

لم يكن صدام حسين قرضاي عربيا قط، لكنه كان حليفا قريبا من البيت الأبيض عندما كان يلائم المصالح الاستراتيجية للشركات العالمية والبنتاغون· ومنذ أن دخلت “الشقيقات السبع” التكتلات النفطية العالمية الكبرى غرب آسيا دخلت المنطقة الخطط الاستراتيجية الأمريكية·

في عام 1958 ذهبت الولايات المتحدة بعيدا الى حد بناء تحالف مع السعوديين، وحتى تعامل شبه الجزيرة العربية باعتبارها امتدادا للولايات المتحدة· وقد سعى الانقلاب المدعوم من أمريكا ضد محمد مصدق في إيران عام 1953 الى المحافظة على دور الولايات المتحدة باعتبارها دركي المنطقة· وقد قال الأمين العام لحزب البعث عن انقلاب عام 1963 جئنا الى السلطة بقطار أمريكي، ويقصد أن البعث كان يتمتع بتمويل الحكومة الأمريكية “والحكومة الكويتية أيضا” ودعم محطات الإذاعة التي تديرها الاستخبارات الأمريكية انطلاقا من الكويت· وبالانتصار الإسرائيلي المذهل في عام 1967 على الجيوش العربية، فقد استأثرت بدور “الفرع الأمريكي” في غرب آسيا فقد وفرت إسرائيل القوة العسكرية، في حين وفر زعماء النفط في المنطقة الدهاء الدبلوماسي في مواجهة الدول العربية الأخرى· وانتهت علاقة العراق رسميا بالولايات المتحدة بدءا من حرب عام 1967 احتجاجا على الترتيبات الأمريكية الجديدة مع هذه الدولة “إسرائيل” وبحدوث الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، ومع وصول صدام حسين حديثا الى السلطة، اتجهت الولايات المتحدة بحماسة نحو العراق لبناء تحالف، في عام 1983، أقام معاونو الرئيس رونالد ريغان قنوات اتصال باجتماع عقده في ديسمبر صدام حسين دونالد رامسفيلد· وفي 24 مارس من عام 1984، التقى رامسفيلد مع وزير الخارجية “نائب رئيس الوزراء الآن” طارق عزيز في اليوم نفسه لإصدار الأمم المتحدة تقريرا عن استعمال العراق الأسلحة الكيميائية في الحرب مع إيران· وكانت وزارة الدفاع الأمريكية حاضرة عندما أطلق العراق غازاته، وابتهجت به، فاعتقد صدام حسين في ظروف مماثلة أنه تلقي الضوء الأخضر من السفيرة الأمريكية إبريل غلاسبي لغزو الكويت متهما إياها بسحب النفط من حقول الرميلة في عام 1990·

ساندت الولايات المتحدة حليفها الجديد بالأسلحة والخبرة والولايات المتحدة لم تكن تعني الجيش والحكومة إنما الشركات أيضا· ففي عام 1975، زودت شركة Pfaulder المقيمة في روشستر، نيويورك، العراق بمخطط ساعده في بناء أول مصنع للأسلحة الكيميائية، استنادا الى سعيد أبو الريش· ويزعم أبو الريش، أنه في عام 1983 أبرم تجار أمريكيون مع النظام العراقي صفقة صواريخ “هاربون” وصفقات أخرى مماثلة استعملها في الحرب ضد إيران، وقمع الأكراد وغزو الكويت، وكما يقول وليام ريغرز، فإن “صدام حسين منتوج أمريكي بقدر أمريكية الكوكا كولا والأولدز موبيل” كان عامل الاستقرار الى حين مد يده طويلا عام 1990·

فهل هناك رجل مثل صدام بين هؤلاء الناس “المنفيين”؟ وهل هناك قرضاي عربي؟ إن المرشح الأبرز هو أحمد الجلبي الذي يتحدر من عائلة عراقية ثرية· ففي عام 1992، جاءت الى فيينا مجموعة من المنفيين العراقيين حتى تؤسس المؤتمر الوطني العراقي· وفي وقت لاحق من تلك السنة، انتخب المؤتمر الوطني العراقي في مدينة صلاح الدين “الواقعة في ملاذ الأكراد” أحمد الجلبي زعيما له· وفي الوقت نفسه، جاء أغلبية أعضاء المؤتمر الوطني العراقي من الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، ثم بدأت قوات المؤتمر بدعم أمريكي بالاشتباك مع الجيش العراقي عام 1995· غير أن الحزب الديمقراطي أبرم في السنة التالية صفقة مع صدام حسين سمحت للجيش العراقي بالدخول الى أراضي الأكراد ثم انكفأ بعدما دمر المؤتمر الوطني العراقي في المنطقة·

في عام 1998، صادق الكونغرس الأمريكي على ميثاق تحرير العراق حتى يمول هذا التنظيم المتعثر· وقد أكد أبو الريش في عام 1997، أن برنامج المؤتمر الوطني العراقي غير واقعي بإطلاق، لكنه ما زال يعمل ويصدر البيانات الصحافية حتى يحافظ على المشاعر المعادية لصدام لدى الحكومات والصحافة الغربية· ويؤكد أبو الريش أيضا أن المؤتمر الوطني العراقي يضم كثيرا من أعوان صدام السابقين وأعضاء حزب البعث الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد إيران والأكراد· ويلاحظ أبو الريش أنه لما كان هؤلاء أعضاء في تنظيم موال للغرب فقد تم التغاضي عن جرائمهم·

وحتى مع عدم امتلاك المؤتمر الوطني العراقي أي مصداقية فقد بدأ بإجراء محادثات مع تجار النفط الفرنسيين والروس بشأن الوصول الى النفط العراقي· وفي سبتمبر من عام 2002، قال أحمد الجلبي لصحيفة “واشنطن بوست” إن “الشركات الأمريكية ستكون لها حصة كبيرة في النفط العراقي وفي أواسط أكتوبر من عام 2002، قال المؤتمر الوطني العراقي إنه سيفتح قطاع النفط أمام جميع الشركات بما في ذلك الشركات الأمريكية الكبرى وأنه سيولي عناية خاصة للعقود المبرمة مع فرنسا وروسيا· وكان ذلك يرمي بوضوح الى الفوز بمساندة مجلس الأمن لا لحرب على العراق فقط إنما حتى يكون المؤتمر الوطني العراقي هو الخيار المفضل لمستقبل العراق بعد البعث·

جميع الدلائل تشير الى نظام احتلال يقيمه الجيش الأمريكي في المدى القصير، ثم إما عودة الى الملكية أو إقامة دكتاتورية عسكرية أو غير عسكرية مثل تكوين نظام ديمقراطي تحت سلطة رجل مثل أحمد الجلبي· وكائنا من كان من يحكم العراق، فهو سيعمل تحت إدارة الولايات المتحدة لأنها حامية ثاني أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم 115 مليار برميل ولأنها القوة السياسية - العسكرية للتصدي للأصولية الإيرانية والسعودية· إن غاية الحرب ليست إنشاء عراق ديمقراطي لكن لضمان الهيمنة العسكرية الأمريكية على المنطقة، وبناء على ذلك، تمكين الشركات الدولية· ذلك أن حرية العراقيين ليست في متناول اليد إنما العبور الحر للقطط السمان·

طباعة  

نص مشروع القرار الخاص بالعراق الذي تقدمت به الولايات المتحدة وبريطانيا