شعر: عباس منصور
1 - الحرث
حالماً أنظر مملكتي
مأسوراً بالألم
ومأنوساً بالوحدة
مندفعاً بتبذل نوري ومظلمتي
أدركُ وتر الوقت المشدودِ
وأحصي موتاي وقوماتي
موحوشاً في البدء المشهودِ
حيث اللقمة تعني اللطمةْ
واللذة تندلع من العتمةْ
في درب الإثم ودمًّ الأخدودْ
حالماً أنظر خلفي
أبصر مقبرتي في عظم الأجداد
وأرى النسل تكاثر في الأرحام
جنيناً فجنين
ينظم سيرته في الحسّ الأعجم
هدياً وقلائد
ثم يعود إلى الطين
فيصّاعدُ ثانية في الناس وفي الأزهار
نبيذاً وطحينْ
ينتفضُ رغاباً مبهمةً
تصرخُ من وطأتها الدباباتُ على الأرض
وشفُّ النور بنسغ الزيتون·
2 - الغرس
ربما استشعرتُ وجودك بغتة
يانضالُ
وأنا الأبوكَ مذ بضع خلت ربما استشعرتني نُدباً
موغلا في الأذى والغرابةْْ
وقد تصدِّقُ يانضال
أنني رجل مجذوب يستحلي عذابهْ!!
لم أعبأ مرة
لا حتجاجك الصارخ على نفاذ الحليب
وأحتالُ عليك دوماً
في تجسيد الرغبات المشروعة جداً
في الخروج إلى الحدائق واللهو بالدراجة
في شوارع فسيحةٍ
بعيداً عن غرف البيت
إنه الوجودُ يا نضالْ
وقد تعرفُ - بعد بضع سوف تأتي-
ما كنتُ فيه
ما كان أبوك يعانيه
من حبسة الروح ومصيدة الوقت
المأهول بالتجار وجحافل البهيم
3 - السقاية
طوبي لمن هربوا معاً
من وجه القاتل “قابين”
سرقوا السقاية من متاعي
ثم غادروا في ركب الرعاة
فاشرب على روحي كرم البراكين
في “أهاريت” التي نُطقت “عهرت” أو “عريقة”
في عهود تالية غريقة
واستنطق صخر “اللجاة” عن حرفي
وأطلق لروحك في المنام طيفي
وإذا صحوت
فلا تطرد شبح النبوءات
واقرأ كتابك في وضح “المغارة”
وانتظرني
أهلوك؟!
لمن أهلوك؟
لمهلكةٍ في عُجمة الأعراب
أم لغيابٍ سيطولُ عني؟!
بسيطٌ أنت كراءٍ
لا ساميَّ
في فجر “أوغاريت”
في صبح “بابل” أو طمي “إيزيس” النبي
فلا تترك أعمال القلب مصادفةً للوقتْ
فتوكلُ أكلاً
حياً أو ميتاً
ويضيعُ كتابك في أعطال السبتْ
4 - فملاقيه
ساعةٌ بساعةٍ تنمو الأعشاب في حقلي
أنزعها خلعةً
فتهيج الجروح في روحي
وأنا الموجوع طويلا
أن تطيبْ
يوماً فيوماً يغيضُ ينبوع بستاني
أمدُّهُ دفقةً دفقةً
فتفزٌّ المساغب في عروقي
وأنا الموعودُ بمطرٍ
أن يصيبْ
كذا
دماً بدمٍ وهلاكاً بهلاكٍ
قام الكهنةُ من “طيبة حابي”
حتى برية “حوريب”
5 - الحصاد
هجم جرادٌُ
هجم البطالون البُهْمُ
وقالوا:
نحن عريش الرب وحرس الملكوت
قلاعاً ومحاريب
بنين وحفدةْ
تبخُّ الرحمة في الفلوات وفوق ضفاف الأنهر
وعداً من مصدوق ما أخلف وعدهُ
بجنانٍ ليس تُنال بغير الرعب الدائم
من سُخطٍ يتعالى زبده
فتزيغُ الأعين ويحيق ضمور بالرقبة والأفخاذ
لعبيد صاروا حطباً للخشية
مقبورين
بين أطالس من أهبٍ جعدةْ
هم جرادٌ
استل رمحاً سدده
وتسلّم إرثا بدده
فلا أطمأن من غدر المنون قلبُ
ولا نام في برق الهتون خطبُ
صرتُ وحقلي أكلاً ذاويةْ
كلٌ يلاقي موعدهُ