لغط وعلو أصوات واتهامات متبادلة وتشكيك في الوطنية وتلاعب بالأرقام وخدمة مصالح فئات بعينها على حساب بيئة المجتمع ليست سوى عناوين لمحاور النقاش في قضية ذات شقين أحدهما فني والآخر سياسي، الفني يعتمد على الأرقام والخلاف فيه حول مدى دقة الأرقام المستخدمة وبالتالي الشك في النتيحة، ومع أن 2=1+1 إلا أن الخلافات تحتدم حول نوايا من أتى بهذه الأرقام ومدى كونها أرقاماً دقيقة وحقيقية، أما الشق السياسي وهو الطاغي في كل مفاصل الخلاف فيعتمد على مجموعة من الجزئيات المهمة والهامشية·
رأي يقول إن الأرقام لا تكذب وإن صناديق التأمينات ستفلس إن نحن استمررنا بهذا البذخ في الإنفاق على المتقاعدين، وآخر يقول نعم صحيح ولكن: لماذا الإصلاح هنا فقط بينما وزارات الدولة تلعب بالأموال على توافه الأمور، ولم يلتفت أحد لإصلاحها، ويقول آخر إنها مسؤولية الدولة لتغطية العجز في صناديق التأمينات، وهو باب أولى أن تنفق عليه الحكومة من ترصيف الشوارع وإعادة تبليطها، ويقول آخر لكننا يجب أن لا ننتظر أن تصلح كل الأمور في البلاد حتى نبدأ بإصلاح ما تحت أيدينا من أخطاء· وعلينا أن نبدأ كل فيما يمكنه ويتولى، وهكذا يكون الإصلاح الكلي نتيجة لمبادرات حتى ولو كانت فردية وجزئية ومتقطعة، فما لا يصلح كله لا يترك جله، ويرد عليه آخر، كيف يستوي هذا الكلام ونحن أمام حكومة لا نية صادقة لديها للإصلاح ولا تصور تنمويا لديها بل إنها ومع استقرار رئاستها طيلة العقود الثلاثة الماضية إلا أنها تتغير أولوياتها وبرامجها مع تغيير الوزراء، ولا أدل على ذلك من منظور الصبيح الإسكاني فقد أقنع به الوزير مجلس الوزراء وكان المفترض أن يكون منظوراً للحكومة لا يتغير بتغيير شخص الوزير، إلا أنه نسف بالكامل مع تغيير الوزير حتى مع وجود الصبيح في التشكيلة الوزارية أي كونه عضواً في مجلس الوزراء الذي يرسم وينفذ سياسة الدولة، بل إن التشكيلة الوزارية أتت بوزير كان قد أعلن ووقف ضد منظور الصبيح الإسكاني عندما كان نائباً، وبدلاً من إعطائه وزارة أخرى تسلم حقيبة الإسكان ونسف كل ما بناه من قبله، ولهذا تساءل الناس: ما الذي سيحدث لإصلاحات د· يوسف الإبراهيم إذا ما خرج من الوزارة في التشكيلة المقبلة أو إذا ما تسلم حقيبة وزارة أخرى؟ هل ستستمر الحكومة في مواقفها الحالية أم تراها ستتنحى وتبرر تنازلاتها بحق الوزير في رسم سياسة وزارته؟
لهذا يرى الكثيرون من متابعي أزمات الحكومة والمجلس أن الأزمة الحقيقية تكمن في مصداقية الحكومة وليس في مدى اقتناع الناس بالخطر المقبل على صناديق التأمينات، ولهذا ربما يبدي هؤلاء الناس تعاطفاً مع المواقف المؤيدة “لصرف ما في الجيب” حتى لو لم “يأت مافي الغيب”·
الناس بحاجة إلى مواقف ثابتة وإصلاح بيّن في إنفاق الحكومة ووقف الهدر والسرقات والتلاعب، عندها لن يجد أحد أدنى فرصة له للتبجح ولا نقول إننا يجب أن ننتظر الإصلاح الكلي كي نبدأ، بل كل ما نريد ليس سوى مؤشرات واضحة على حركة إصلاحية حقيقية ليهب الناس لمساندتها حتى لو كان في ذلك تضييق على مصالحهم الشخصية ومكتسباتهم التي عودتهم عليها دولة الرفاه والإنفاق اللامحدود، فهل ترانا حالمين إن نحن انتظرنا تلك المؤشرات؟!