كتب محرر الشؤون الخارجية:
فيما تقترب الولايات المتحدة الأمريكية من صيغة توافقية مع المطالب الأوروبية التي تدفع بها فرنسا وألمانيا على وجه التحديد، تقضي بأن "يستشار" أو ربما يبلغ مجلس الأمن في حال اتخاذ الولايات المتحدة قرارها في ضرب العراق دون أن يشكل ذلك قيداً على الرئيس الأمريكي في حال تعارض ذلك مع مصالح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة·
فمجلس الأمن بعد هذه الصيغة التوافقية سيصدر قراراً متشدداً فيما يتعلق بصلايحات المفتشين الدوليين وما هو مطلوب من الحكومة العراقية تقديمه له من بيانات وتسهيلات، التنازل الوحيد الذي تنطوي عليه الصيغة التوافقية يكمن في أن لا يستخدم القرار دون الرجوع والتباحث مع مجلس الأمن كمبرر لضرب العراق في حال عدم استجابته بالكامل مع شروط فريق التفتيش· بعبارة أخرى، على أمريكا أن تعود إلى المجلس مرة أخرى لإبلاغه بقرارها قبل أن تقدم على إجراءاتها ضد العراق·
هذه الصيغة أعطت الحكومتين الفرنسية والألمانية ما يريدانه من تثبيت لمكانة ورأي مجلس الأمن في هذا الشأن من جهة ومن جهة أخرى تكونان قد حصلتا على موقف مفيد لخدمة مصالحهما التجارية في العراق والمنطقة· كما تعطي هذه الصيغة حكومة الرئيس بوش مجالاً للحركة في تخفيف حدة الاحتجاجات المتزايدة في الداخل ضد الضربة العسكرية للعراق· فهي ستبدو وكأنها بذلت كثيراً من الصبر وضبط النفس تجاه العراق وأعطت المجتمع الدولي ماكانت ترفض إعطاءه في السابق من دور قد يبدو فيه تدخل في مصالح الولايات المتحدة، وهي في الوقت نفسه تكون قد هيأت الرأي العام داخلها وفي الخارج لقبول الضربة في حال عدم التزام العراق·
أما هذا الشرط (التزام العراق) فهو مرن للغاية ومن جهة أخرى لن يتمكن أحد من ضمان ما سيقوم به النظام العراقي الذي تمرس كثيراً في التلاعب على القوانين والقرارات الدولية بتفسيرها حسب أهوائه وحسب ما توفره الظروف له من إمكانات سياسية· لذلك يرى كثير من المراقبين أن الصيغة الأخيرة بين أمريكا وأوروبا بما فيها روسيا إنما تؤكد احتمال الضربة أكثر من ذي قبل· بل إن الاستعدادات العسكرية مستمرة حسب جدول معد سلفاً، فهؤلاء لا ينتظرون الساسة بل يمهدون لأسوأ السيناريوهات· فطائرات B -52 وصلت المنطقة وحاملات الطائرات تتحرك حسب جدولها الزمني للوصول إلى حيث مواقع ارتكازها والقواعد الأمريكية والبريطانية في المنطقة تعمل ليل نهار للتجهيز لساعة الصفر· وكما قال وزير الخارجية الأمريكي كولن باول "إن إشراكنا لمجلس الأمن في هذا الأمر لن يقيد أيدي الرئيس بوش في حال تضررت مصالح أمريكا"· هذا وتذكر تقارير إخبارية أن قياديي فريق التفيش الدولي التقوا في البيت الأبيض بالرئيس الأمريكي ونائبه ومستشارته للأمن القومي ومجموعة من المستشارين الآخرين قبل قبول الولايات المتحدة بالصيغة التوفيقية مع حلفائها الأوروبيين·