رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 27-شعبان 3 رمضان 1423هـ الموافق 2-8 نوفمبر 2002
العدد 1551

بوش والحقائق الصعبة في العلاقة مع السعودية

                          

 

“لا يحق للأمريكيين أن يفعلوا هذا! وكل ما يهمهم هو النفط، لقد خانونا أيضا· وقد رأينا النتيجة” في استراحته الباريسية، لا يخفف الكولونيل الإيراني السابق غضبه أبدا· ذلك أن الحملة التي يشنها جورج بوش الابن على صدام تثير لديه ذكريات حارقة·

فهو يؤكد أنه في عام 1978، كان يتم تنسيق الثورة الإيرانية بوساطة نظرائه الأمريكيين سرا لغاية واحدة هي إحلال شخص تابع مكان الشاه· والدافع؟ هو النفط· فقد حان وقت استحقاق اتفاقات الإنتاج المعقودة مع الشركات الدولية عام 1979 بعد هذا التاريخ، كان يفترض أن تصير إيران صاحبة السيادة الوحيدة على احتياطاتها· وهذا ما كان يريده الشاه· ولذلك، كان ينبغي أن يرحل·

هذه الفرضية المرفوضة على الأقل من البعض، بل الهذيانية، تضحك المؤرخين، لكن ليس الأوساط النفطية التي تراها عادية بل رهيبة· لأنه مهما كانت الأفكار الضمنية وأخطاء الأمريكيين فالنتيجة كانت معروفة استيلاء الخميني على السلطة، حدوث صدمة بترولية ثانية، الحرب، الركود العالمي وتجذير النزعة الإسلامية· فهل يحتمل أن يتكرر هذا السيناريو الكارثي؟ الغريب أن المتخصصين في شؤون النفط ليسوا بعيدين عن الاعتقاد بأفكار الكولونيل الإيراني السابق·

أحد الخبراء يقول: “هذه الحرب يحركها النفط· وهذا أكيد· لكن أي حرب، وكيف ولماذا؟ بوش يعمل الآن على زرع الفوضى من دون أن يعرف الى أين يمضي”· والفكرة القائلة إن الولايات المتحدة بانقضاضها على العراق تريد أن تضع يدها على ذهبه الأسود من أجل أن تخفض اعتمادها على المملكة العربية السعودية، وطن أسامة بن لادن وإرهابي 11 سبتمبر، هذه الفكرة تزعج المتخصصين· فمن وجهة نظر اقتصادية، ترقى هذه الفكرة الى التخلي عن عصفور في اليد من أجل عشرة على الشجرة· ذلك أنه بغض النظر عن أي معيار متبع، فالعراق لا يمكنه بأي حال أن يحل مكان المملكة العربية السعودية التي هي مكمن حقيقي للنفط في العالم، وإذا كان يستطيع في المدى القصير أن يشكل ثقلا موازنا مقابلها، فإن ثمن ذلك يبقى مجهولا·

الاحتياطات النفطية العراقية هي نصف الاحتياطات السعودية، والحقول النفطية مغلقة تماما، ووصول النفط الى البحر محدود المنافذ، وعلى الأغلب، لن تستطيع بغداد أن تلعب الدور الرئيسي للمنتج النفطي ذي الوزن الثقيل الذي سمح للسعوديين منذ عشرين سنة بالمحافظة بهذا القدر أو ذاك على مبيعات النفط الخام عند السعر المستهدف 25 دولارا للبرميل، وهو سعر مثالي بالنسبة الى منتجي النفط في تكساس· وكما ذكر وزير النفط السعودي، هذا الوضع كان له ثمن عظيم فهو يفترض في الواقع الاحتفاظ دائما بقدرة إنتاجية غير مستعملة يمكن استخدامها عند الحاجة لإبقاء الأسعار تحت السيطرة “ضخ مزيد من النفط في حال فلتان الأسعار” والمملكة العربية السعودية هي الآن البلد الوحيد في العالم الذي يستطيع زيادة إنتاجه بنصف ما هو الآن ولتلبية الحاجات الناشئة من أي انقطاع للإمدادات أو من ارتفاع مفاجئ للطلب·

والعراقيون لا يملكون لا القدرات ولا الوسائل، وهم لا يوشكون على امتلاكها· فمنذ عشرين عاما، تدهورت معداتهم فصارت هذه المعدات المستعملة بكل طاقتها لإنتاج 3,5 مليون برميل في اليوم تحتاج الى تأهيل ضروري منذ عامين أو ثلاثة أعوام·

ولزيادة الاستخراج حتى خمسة أو ستة ملايين برميل تريدها الإدارة الأمريكية، ينبغي انتظار بضع سنوات أخرى “هي ضرورية أيضا لمد أنابيب نفط جديدة” ومبالغ مالية خيالية· أما التكافؤ مع القدرات السعودية فأمر لا فائدة من التفكير فيه·

فوق ذلك، لن تجد الشركات الأمريكية صعوبة في أن تفرض إتاوة على النفط العراقي· وهذا يفترض إقامة سلطة بحد السيف، لكن سلطة “ديمقراطية” تتمتع بتأييد الشعب، وإخضاع الطبقة التكنوقراطية النفطية العراقية ذات النزعة الوطنية التي غذت علاقات مع الفرنسيين والروس والصينيين الأعضاء الثلاثة الدائمين في مجلس الأمن الدولي الذين لن يسكتوا عن إبعادهم·

في مواجهة هذا الكسب الذي لا يواجه أدنى مخاطر، فإن مخاطر الحرب عظيمة، وأكبرها زعزعة استقرار المملكة العربية السعودية المحصورة بين التزاماتها الغربية وشعب أعادت تكوينه الدعاية الإسلامية المعادية للأمريكيين· وللقادة السعوديين كل شيء حتى يخسروه في هذه المغامرة، حلفاؤهم في الخليج “الكويت وقطر” ناقلات النفط، منافذ النفط والآبار، والسلطة، وهذا يأتي في لحظة هناك حاجة ماسة الى السعوديين حتى يمنعوا سعر النفط الخام من الارتفاع بقوة، وحتى لا يوجه ضربة قاتلة الى النفط العالمي· والأمريكيون لا يستطيعون تجاهل هذا·

لماذا يغض الأمريكيون النظر عن ذلك؟ إن تداعيات 11 سبتمبر تبرر التوتر القائم مع المملكة العربية السعودية، ولا يهم الأمريكيين أن يحصل انقلاب تاريخي على تحالف يرقى الى عام 1945 وكانت فيه المؤسسات الصناعية والمالية الأمريكية هي المستفيد الأكبر· ووفق المنطق الصحيح، ينبغي على الولايات المتحدة بدلا من ذلك أن تساعد القادة السعوديين على محاربة متطرفيها الداخليين· لكننا نرى نقيض ذلك، إنه تصعيد مكتوم يسمم بفعل سوء تفاهم تغذية “التسريبات” المنظمة كل يوم العلاقات بين الحليفين القديمين تدريجيا·

يؤكد مدير إحدى الشركات الكبرى أن “السعوديين ضائعون تماما”· والواقع أن حذرهم يشتد بعدما بدأ حتى قبل 11 سبتمبر من عام 2001 وليس هناك أي تفسير منطقي له غير شيء واحد: النفط· ويوضح المدير نفسه أن السعوديين “يخافون أن يفعل الأمريكيون معهم ما فعلوه مع الشاه” على أن يكون الهدف الحقيقي هو بوضوح، لكن على سبيل الاحتمال، ليس البحث في العراق عن “جنائن نفطية” غير موجودة، إنما الاستيلاء بالقوة على الاحتياطات والآبار النفطية التي أدت “السعودة” الى خسارتها عبر السنين·

فمنذ وقت بعيد، كانت شركات “إكسون” و”موبيل” و”شيفرون” و”تكساكو” تدير الشركة الوطنية “أرامكو”· وقد جرى التأميم من دون ضجيج إنما عبر مفاوضات كادت لا تنتهي· لكن منذ عام 1990، لم تعد للشركات الكبرى أي مصلحة في العمل في الحقول السعودية· والإدارة العليا لشركة “أرامكو” لم يعد فيها أي أمريكي، في حين أن الشركات الكبرى تشتري النفط الخام بالسعر نفسه الذي تشتري به من الآخرين· وباختصار، لم تضطر الولايات المتحدة الى الخروج بنعومة من “المخزن” النفطي السعودي· والأسوأ من ذلك، أنها تخشى أن تحتل مكانها شركات أوروبية·

لقد أطلق الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، الذي يتولى قيادة المملكة منذ مرض الملك فهد، قبل أربع سنوات جولة جديدة من المفاوضات مع الشركات الدولية· والمشروع يقوم على استغلال الغاز الطبيعي الموجود في مكامن ثلاث مناطق غير مستغلة وتحويله من أجل تعزيز الاقتصاد المحلي وخلق فرص عمل· وقد أدت الاستثمارات العملاقة - 25 مليار دولار - حال إعلانها الى تحمس جميع الدول الكبرى· وهذا يتصل بما لا يقل ولا يزيد باستعادة موطئ قدم في المملكة مع فكرة مسبقة مفادها أنه بعد النفط جاء الغاز، وبعد صراعات مريرة تم اختيار ثلاثة تكتلات بصورة أولية في ربيع عام 2001 منها تكتلان مؤلفان من شركات كبرى، الأول من “إكسون - موبيل” والثاني أوروبي من “شل” و”توتالفينا”·

ويقول أحد المفاوضين إن الأمريكيين وعلى رأسهم الحكومة مارسوا ضغوطا “شرسة” حتى يحسموا القضية لمصلحتهم وهم يحاولون تعديل الشروط التي وضعها السعوديون وهي غير ملائمة للشركات إلا نسبيا، ولم يكن هناك نجاح ملحوظ· والمشروع الثاني صار جامدا، في حين أن المشروع الأول يتعثر بفعل العائدات المنتظرة “ذلك أن إكسون تريد بفعل عدم امتلاكها للاحتياطات عائدات على الاستثمار تبلغ 18 في المئة” وفي النهاية، تبين أن المشروع الذي تصدره الأوروبيون هو وحده الذي تقدم في الأيام الأخيرة· وهذا سيشكل حتما تراجعا مؤلما للشركات الأمريكية الكبرى: ذلك أنها المرة الأولى يضع “الغرباء” أقدامهم في مجال نفوذ الأمريكيين·

معركة المصالح هذه لا توضح كل شيء· لكنها، كما يؤكد الشهود، هي مصدر برودة العلاقات بين البلدين (المملكة وأمريكا) حتى قبل أشهر من أحداث 11 سبتمبر· فإلى متى يمكن أن يتواصل التصعيد؟ فهل تكون الولايات المتحدة مستعدة أن تكرر ضربة الانقلاب على الشاه، أي تعمل على زعزعة استقرار المملكة حتى تقيم حكومة ديمقراطية تكون موالية لها؟ مع المخاطرة بأن يتولى السلطة آية الله سعودي أو شخصية مثل ابن لادن؟ وهل تسعى الولايات المتحدة الى ثورة قصر من أجل أن تدفع أميرا مثل سلطان، وزير الدفاع، المعروف بميوله نحو الأمريكيين، للحلول مكان الأمير عبدالله المعروف بميوله القومية؟ أو ليست هذه المناورات أول مرحلة من منازلة نفطية تضع الرياض وواشنطن وجها لوجه؟ وهذه الفرضية الأخيرة هي في حاصل الكلام الأكثر رسوخا أيا كانت فظاظتها· لأن السعوديين كانوا يتنازلون دائما منذ عام 1945·

لوموند

طباعة  

العراق منصة انطلاق التغيير الأمريكي للأنظمة السياسية
سيناريو ما بعد صدام في الشرق الأوسط

 
الحرب تندلع بعد أسابيع لا أشهر
العد التنازلي للحملة على العراق