بقلم جيم هوغلاند
“واشنطن بوست”
لم يبق أمام البنتاغون الآن غير ثمانية أسابيع حتى يكون مستعدا لشن حملة عسكرية معززة لإطاحة صدام حسين والقضاء على أسلحته الرهيبة·
لقد حان الوقت حتى يثبت (يصوغ) الرئيس بوش ومعاونوه أهداف الحرب نهائيا بما يوجه ويبرر حملته وحتى يقدمها بوضوح الى الأمة “الأمريكية” والعالم·
إن الإشارات التي تقول إن وزارة الدفاع تتحرك نحو الطور النهائي للتخطيط والاستعداد تأتي من قرار البدء بتدريب القوى العراقية المنفية والمنشقين الذين يمكن جمعهم خارج العراق والتدريب المحدود يستغرق ما بين ستة الى ثمانية أسابيع حتى يكتمل حسب ما يقول المخططون العسكريون·
إن الجهد الأولي لتحضير ثلاثة الى خمسة آلاف جندي عراقي “معارض” حتى يساعدوا في المحافظة على النظام فور تحرير بلادهم وتدريب عراقيين آخرين كان “أي هذا الجهد الأولي” ذات مرة البند الأخير على قائمة استعدادات إدارة بوش·
الاستعداد الآخر كان تمويل برنامج لجمع المعلومات الاستخبارية تديره المعارضة “العراقية”· وقد كان القادة العسكريون الأمريكيون حذرين من قبل وبصورة مفهومة حيال التبرع بالأسلحة وتوفير تدريب المساندة التجسسية لأجانب لا يسيطرون عليهم· وقد أرجؤوا هذا العمل بأطول ما استطاعوا·
هذه الخطوات العسكرية التكتيكية تتوالى في وقت شارفت المفاوضات الدبلوماسية بشأن قرار جديد خاص بالتفتيش عن الأسلحة “العراقية” نهايتها· وفي هذا المجال “الدبلوماسي” أيضا، يتم تحضير الساحة للسماح بعمل في يناير·
ذلك أن مساومات الأمم المتحدة في نيويورك كانت في الواقع عرضا مموها من جانب الولايات المتحدة حتى تسمح لفرنسا وروسيا بالمشاركة في تحديد الأهداف الحربية للحملة المقبلة· وقد أحدث النهج الأمريكي ضيقا وحيرة في باريس وموسكو بشأن الموافقة أو البقاء خاليتي الوفاض·
تبين المساومات بشأن تفويض من الأمم المتحدة الفرق الحاسم بين الاستراتيجية والتكتيك، هذا الفرق الذي كان غامضا في النقاش الداخلي في أمريكا· فالقوى الكبرى تجادلت بشأن كيفية الوصول الى اتجاه “وهذا تكتيك” باعتبار ذلك طريقة لتحديد صورة الاتجاه النهائي (وهذا استراتيجية) وقد صارعت فرنسا وروسيا من أجل قواعد “سلوك” تريان أنها تخفض القدرات البيولوجية والكيميائية والنووية للعراق حتى مستويات منضبطة بإعادة وضع برامج الأسلحة تحت الإشراف الدولي ثم المحافظة في بغداد على نظام استبدادي يهيمن عليه الجيش والأقلية السنية العربية·
ويقول بعضهم إن هذا الترتيب هو أفضل ما يحافظ على العراق موحدا· فهو لا يزعزع لا التوازنات المفترضة في المنطقة ولا الأنماط التجارية القائمة بين القوى الغربية وموسكو من جهة والطبقات التجارية السنية أساسا في الشرق الأوسط من جهة أخرى·
وقد استعمل جورج بوش الاختزال السياسي حتى يرسم مجموعة مختلفة جدا من النتائج المرغوب فيها، أي تغيير النظام والديمقراطية في الشرق الأوسط، الخ· والاستنتاج يقول إن النقاش في الأمم المتحدة سيسمح لبوش بأن يهذب هذه الأفكار ويعيد تكوينها باعتبارها أهدافا حربية معززة في العراق· وعليه أن يوضحها للرأي العام الأمريكي باعتبارها النتائج الوحيدة المقبولة·
والعمل العسكري الأمريكي لا يضمن تجذر الديمقراطية في العراق، بل أكثر من ذلك لا يستطيع أن يضمنها في العالم العربي·
لكن هناك أملا معقولا في أن يؤدي ذلك الى تحسين عظيم لحياة الشعب العراقي بإعطائه فرصة حتى يعيش من دون خوف يومي متجذر من خسارة الحياة والصحة والعائلة أو الحرية حسب نزوات القتلة المكابرين، الرعب المستشري الذي لم يكد أبناء واشنطن يذوقون طعمه في الأسابيع الثلاثة حين كان يطاردهم القناص·
وهكذا تكون إطاحة نظام بعثي بناء على ذلك، عملا من أعمال التدخل الإنساني، شبيها بتدخلات أخرى كما في كوسوفو والبوسنة وتيمور الشرقية والى حد معين في أفغانستان قبل سنة· ذلك أن تحرير أمة وهي بهذه الحالة الوحشية الفريدة يعد هدفا حربيا واقعيا· أما تحقيق السعادة في بغداد فليس كذلك·
لقد بدأ تخطيط الإدارة “الأمريكية” لمرحلة ما بعد الحرب يركز على إعلاء شأن نظام فيدرالي يعطي الغالبية الشيعية العربية والأقلية الكردية السنية حصة في نظام ديمقراطي جديد· أما الخاتمة السياسية التي تطمئن تركيا بأنه لن تكون هناك دولة كردستان مستقلة فهي هدف أمريكي مهم·
ومثلها إزالة البنية التحتية لأسلحة التدمير الشامل· وهذا لا يمكن إنجازه إلا بوجود حكومة متعاونة في بغداد تكون راغبة في بلوغ تفاهمات سلمية مع إيران والجيران الآخرين·
إن سياسة أمنية إقليمية أعيدت صياغتها وتشمل نزاهة وحزما أمريكيين جديدين مع المملكة العربية السعودية وباكستان وأرييل شارون ينبغي أن تنبثق أيضا من قرار العودة الى الحرب مع العراق·
لقد بدأ العد التنازلي لشروق نظام سياسي جديد في الشرق الأوسط الأكبر، أو لكارثة عالمية غير متصورة إذا لم تستطع الولايات المتحدة تأطير غاياتها وتحقيقها بصورة مناسبة· والعد التنازلي لا يقاس بالأشهر أو بالسنوات، إنما بالأسابيع المقبلة·