شعر: عبدالناصر صالح
لا وقت للعناب كي يشتط في النسيان،
فلتكتب قصيدتك الجديدة أيها البدوي
ولتخلع هواجسك القديمة،
والمراثي الرثة البلهاء فوق ضريحك الوهمي
نادتك المدائن:
أهلها المتسلقون جراحهم
وعيونهم ثكلى تولول كالأرامل فوق شرفات البيوت،
مآذن الله المباحة تستجير فلا تجار
كأن أنصاب الظلام الكهل قد عادت
لتغرس جاهليتها بيثرب،
والمغول تمترسوا خلف القلاع
وأحرقوا قصر الخليفة
من سيخطب، بعد هذا اليوم، في قصر الخليفة؟
من سيقرأ شعره لينال جائزة الخليفة؟
من سيظفر بالمشانق أو سينعم بالخراج؟
فلأي موت تنتمي
يا لعنة الآتين من إرث الهزائم؟
لا يجيء سوى السؤال المر وسط خرائب الأعوام
فالأسماء غائبة،
وأبطال الرواية شوّهوا وجه المسيح
ولوثوا قدسية العذراء،
كي تبقى النجوم رهينة الضوء المراوغ،
والسماء رهينة الغربان
والبرق المزيف،
أي موت يصطفيك لكي تؤرخ للقيامة
أو تعيد الروح للجسد/
الخطيئة؟
حولك المدن الغريقة
والشظايا،
واشتعالات الندى،
وعراقة الأمواج
فاخرج من تفاصيل الغواية
كي ينام النحل،
واترك للملائكة الصغار نوافذ الفرح المثابر
كيف تنجو من ثلوج شتائك العبثي،
أو تحنو على الأطلال مثل شواهد الموتى
وتسقط في انتظار الغائبين؟
*****
لا وقت للعناب كي ينعى بنادق من مضوا
ووجوه من يتهيؤون لموتهم،
فاملأ ترابك من رحيق العمر
واعرج بالقرى لمطالع الأفق الهلامي/
الخيانة أدمنت لغة الخطاب
وأخرجت بحارة الصحراء من فصل التفاوض،
حول حق الثدي في التكوين
فلترسم خريطتك/ الملاءة
فوق سطح الأرض،
مثل عباءة خضراء يلقيها الإله
على سفوح الليل، كي تخضر
واكتب عن سلالات المدائن،
برعم الحناء في أحشائها
وعلى أرائكها/ الخمائل،
وقع الدوري رقصته
وأسرجت القوافل خيلها
فاحمل صليبك،
لست موسى كي تشق عصاك بحرا
أو ترى عينيك في مرآة من سلبوا حرير يديك
في زمن الهوى العبري·
فلأي موت تنتمي؟
ولأي ذاكرة سترجع حين يدهمك الضباب
وتستجير بمائك الوثني·
*****
بين الموت والأعراس فاصلة
وأعياد ستطفئ حرقتي،
متسربلا بروائح الشهداء
أصعد،
لا العواصف أنكرتني
لا خيام الراحلين،
ولا الينابيع التي نسيت ملامحها·
*****
فلأي صوت تنتمي؟
حيث الحذاء يرن فوق سفوحك التعبى
ولا أقمار ترعى حاصدي قمح البراءة
في سني الثكل··؟
- صوتي، إذن، لا ينتمي للخائفين
البائعين جلودهم
والحاسرين رؤوسهم
والجالسين القرفصاء أمام أعتاب الخليفة·
من ذا سيجرؤ، بعد هذا اليوم، أن يرثي الخليفة؟
من ذا سيجمع ما تناثر، في الهواء الرطب،
من خطب الخليفة؟
*****
لا وقت للبدوي كي يلقي قصيدته
أمام الخيل والوديان··
لا وقت لي لأنام ملء سريرتي
وأغط في النسيان·
سأعد مرثاتي
أنا البدوي سرّحت النجوم على مناديلي،
وروّضت الذئاب أليفة لقبائل رحلت
وأخرى شاغلتها الريح عن صلصالها··
*****
متأبطا سيفي
سأصعد من عظام الميتين،
ومن تجاعيد الخيام وشهقة الأنساغ،
منحازا لإيقاع النواقيس الجريحة
أنتمي لحقيقتي المثلى··
أرمم سيرة الشجر المسجى في العراء
بلا مدائح كي يمر دمي
وأعيد ترتيب الخريطة من بدايتها الى عام الفجيعة··
من هنا مر الغزاة
بناقلات جنودهم،
والفاتحون
العابثون
سلالة الإفرنج/
مملكة المجوس/
الحالمون بغابة الاسمنت
والمتهافتون على الموائد والأماسي
القابضون على الجراح/
الباحثون عن النبوءة في سراديب المتاهة/
تحت أعواد المشانق/
من هنا مر الغزاة
ولم يمروا··
لكأنما كشفت براقعها النجوم
لتبصر الأشياء واضحة،
وتوغل في النشيد المستحيل
هدى لفجر حط خيمته،
وأسبغ لونه الأزلي
فوق منابع الذكرى
فأي منابر للحلم أصعد؟
أي بحر سوف يحملني على موج الصبابة
كي يهز اليّ جذع الماء؟
فالأسماء حاضرة،
وأجراس المسرة في أعالي السطح
ترفع للنخيل غناءه الجبلي،
تهبط فوق شطآن الولادة
كي ترتل ما تيسر من مواجدها الدفيئة
كنت أصرخ تحت عرش الريح،
يا بحارة الصحراء:
قلبي حارس لنشيدكم
وأنين صهوتكم
وطهر صلاتكم
فلتذكروا البدوي،
لا الأنواء تجرفه
ولا ليل الدروب القارس النظرات
يبطئ شمس طلعته،
أنا البدوي،
لم أسجد لطاغية
ولم أجتر قافيتي على سجف الكلام·
لي كل ما في الأرض من شجر الصلاة،
فلن تضيع الآن من لغتي القصيدة
حكمة الأنهار تحرسها/
وتحفظ ثديها المخصاب من قلق الخصوبة
مثقلٌ برذاذ أسئلتي
أنا البدوي،
قد سكنتْ بلاد الله خاصرتي
ولم يصطادني النسيان·
طولكرم - فلسطين
2002/9/11