بقلم روبرت كابلان
مؤلف كتاب “شرقا نحو تتاريا”
مجلة “اتلانتيك”
لم يكن توزع القواعد الأمريكية ما وراء البحار الذي عززت به الولايات المتحدة وضعيتها خلال الحرب الباردة قضية تصميم “تخطيط” بقدر ما كان قائما على ما صادف أن وصلت إليه قوات الحلفاء عندما انتهت الحرب العالمية الثانية وتوابعها: الحرب الأهلية اليونانية والحرب الكورية· فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها تتمتع بحق إقامة القواعد في ألمانيا الغربية واليابان وكوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط وغيرها· وقد صارت ألمانيا نفسها، التي كانت عدونا اللدود، وبفعل الدور الكبير الذي لعبته الولايات المتحدة في تفكيك النظام النازي، ساحة التمركز الرئيسية للقوات الأمريكية في أوراسيا الى حد أن جيلين من الجنود الأمريكيين صارا على إلفة حميمة مع ألمانيا فتعلموا لغتها وفي أحيان كثيرة تزوجوا بناتها· ولو كان هناك “في السابق” أي عنوان للجنود فهو في ألمانيا·
مثل هذا السيناريو، لكن بغموض معين، يمكن أن يعقب اجتياحا للعراق، وهو “أي العراق” المكان الأكثر منطقية لإعادة تكوين تمركز القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين· وهذا الاستنتاج لا ينبع من النزعة الانتصارية الامبريالية إنما من نقيضها: إنه إدراك أن ليس قواعدنا في المملكة العربية السعودية وحدها تواجه مستقبلا قاتما، إنما أن الشرق الأوسط عموما يقف على عتبة مرحلة انتقالية خطيرة ستؤدي الى إضعاف النفوذ الأمريكي في أماكن كثيرة منه· وفي الواقع، سيشكل توزيع قواعدنا العسكرية في العراق قبولا للتغيير الديناميكي لا تأبيدا للوضع القائم·
وهناك مظهران للحقيقة الحالية غير مقبولين في المنطقة: وجود القوات “الكافرة” (حسب المتشددين) في قلب المملكة العربية السعودية التي تضطلع “أي المملكة” بحماية الأماكن المقدسة، وهيمنة “الأسياد” الإسرائيليين على ثلاثة ملايين فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة· وكل من هذين المظهرين لن يبقى الى الأبد· وقد أدى رفض الرئيس جورج بوش لإجبار الإسرائيليين على الخروج من الضفة الغربية الى تشجيع المحافظين الجدد “العرب” لكن ذلك ظاهرة موقتة ومجرد مسألة تعاقب·
ولا يستطيع الأمريكيون أن يجبروا الإسرائيليين على الخروج من الضفة الغربية إلا بعد أن ينجزوا شيئا مهما في حربهم على “القاعدة” أو إطاحتهم صدام حسين أو الاثنين معا· وعندئذ يستطيع الأمريكيون أن يفعلوا ذلك انطلاقا من موقع قوة جديدة ولن يظهروا وكأنهم يذعنون لابتزاز أشباه مجرمي الحادي عشر من سبتمبر أي المفجرين الانتحاريين الفلسطينيين· لكن بعدما استطاع الإسرائيليون خفض وتيرة العمليات الانتحارية “بغض النظر عن الوسائل المستعملة” وبعد أن يكون الزعيم اليميني الإسرائيلي أرييل شارون قد غادر المسرح السياسي، فإن جورج بوش سيعمل على تحقيق الانسحاب “الإسرائيلي من الضفة الغربية” إذا فاز بولاية رئاسية ثانية·
لكن قبل كل ذلك هناك أولا القضية الملحة، العراق، ذلك أن مستوى القمع والاضطهاد في العراق يعادل مثيله في رومانيا أيام حكم الدكتاتور نيكولاي تشاوشيسكو أو في الاتحاد السوفييتي أيام ستالين، وهذا لا يمكن أن يكون الرأي العام “في العراق” معروفا وعلى الرغم من ذلك، يبرز اتجاهان ثقافيان تاريخيان في العراق، العلمانية الحضرية والخضوع المحزن· فأنى زرت بغداد في الماضي كنت أرى على وجوه موظفي المكاتب وهم أمام لوحات مفاتيح الكومبيوتر تعابير مطابقة لما يراه المرء على وجوه العبيد وهم يحملون دلاء الوحل على درجات سلالم المدرجات القديمة· وهؤلاء الموظفون كانوا يعملون بلا انقطاع، وهناك جملة شائعة في الشرق الأوسط مفادها أن العراقيين هم ألمان العالم العربي “وأن المصريين هم إيطاليوه” فالعراق كان أشد البلدان العربية في التحديث خلال القرن العشرين، وكل الانقلابات العسكرية التي حدثت فيه منذ إطاحة الملكية الهاشمية كانت غير دينية·
ونظرا الى التاريخ الطويل للقمع والاضطهاد، ربما يحيي التغيير المقبل للنظام في العراق سمعة لا عن شخصية دينية، إنما عن شخصية رئيس الوزراء الأسبق المقتول نوري السعيد المعروف بألمعيته والموالي للغرب الذي فعل أكثر من أي عراقي آخر حتى يبني بلاده في الأربعينيات والخمسينيات· وعلى نحو ما حدث في رومانيا، حيث أحيا سقوط تشاوشيسكو شبح إيون انطونيسكو، القومي المؤيد لأدولف هتلر، الذي أعدمته عام 1946 الحكومة الشيوعية الجديدة، فإن سقوط الطغيان الخانق في العراق يمكن أن يعيد ذكرى آخر أعظم سياسي محلي لقي حتفه مقتولا في انقلاب فتح الطريق أمام طغيان صدام حسين·
العراق تحكمه الآن “بلطجوقراطية” الفرد الواحد، وهكذا فإن إطاحة صدام يمكن أن تهدد بتفكك بلد تتنازعه الخصومات الإثنية إذا لم نعمل بسرعة وبطريقة براغماتية على تنصيب الأشخاص الذين يستطيعون أن يحكموه· وبناء على ذلك، يجب أن نتفادى أي رغبة مثالية في زرع الديمقراطية بين ليلة وضحاها في بلد ليست الديمقراطية تقليدا فيه·
غايتنا في العراق ينبغي أن تكون دكتاتورية انتقالية علمانية توحد الطبقات التجارية عبر الخطوط الطائفية وربما تؤدي عبر الوقت وبعد بناء المؤسسات والاقتصاد الى بديل ديمقراطي·
وينبغي تحديدا التفاوض على العلاقة الغامضة بين النظام العراقي الجديد والأكراد قبل اجتياحنا العراق، حتى يستطيع الأكراد التمتع باستقلال ذاتي حقيقي في حين يمكن الحكومة المركزية في بغداد أن تعلن أن المناطق الكردية تبقى تحت سيطرتها· إن النظام الانتقالي يمنحنا “الأمريكيين” وليس بالمصادفة، الحق في استعمال قواعد محلية غير تلك التي في المناطق الكردية الشمالية الحرة·
وينبغي أن نتذكر دائما أن الشرق الأوسط هو مختبر لسياسات السلطة الخالصة· فعلى سبيل المثال، لم يكن هناك شيء أشد تأثيرا في نفوس الإيرانيين من إسقاطنا بطريق الخطأ طائرة مدنية إيرانية عام 1988 لأنهم اعتقدوا أن ذلك لم يكن بطريق الخطأ· وكان قبول إيران لوقف إطلاق النار بعد ذلك يعود جزئيا الى هذا الاستنتاج·
تشكل إيران بعدد سكانها البالغ 66 مليون نسمة المحور الرئيسي للشرق الأوسط· ذلك أن سياساتها الداخلية شديدة التعقيد الى حد أنه يظهر أحيانا وكأن في إيران ثلاث حكومات متنافسة القائد الأعلى آية الله سيد علي خامنئي وقادة الأجهزة الأمنية، الرئيس محمد خاتمي وحكومته المنتخبة الميالة الى الغرب والرئيس السابق علي أكبر هاشمي رفسنجاني الذي جعلته قوته في البازار “أوساط التجار” وسيطا بين الطرفين المذكورين· وأحيانا تكون السياسات الإيرانية نتيجة ترتيبات معقدة بين هذه القوى الثلاث، وفي أحيان أخرى نتيجة المنافسة· وهناك فرق عظيم بين النظامين في إيران والعراق، وبناء على ذلك، هناك فرق جوهري بين تحدياتنا في كلا البلدي·
وباعتبار أن إيران متطورة سياسيا أكثر من العراق فإن فيها “سيستم” لا مجرد نظام بغض النظر عن درجة الغموض والصعوبة التي ينطوي عليهما “السيستم” بالنسبة إلينا· إن “دبلوماسية البلاط” العائدة الى القرن التاسع عشر التي استعملها هنري كيسينجر بنجاح مع “الزعيم الصيني الأول” ماو تسي تونغ و”وزير خارجيته” شو إن لاي لن تنفع مع إيران، وذلك عائد ببساطة الى أن هناك “في إيران” كثيرا من اللاعبين السياسيين· ولما كان كثير من القضايا الرئيسية موضوعا لمساومات داخلية، فإن “السيستم” الإيراني يشكل نقيضا للديناميكية· والسياسة الخارجية الإيرانية لن تتغير إلا عندما تدرك القيادة الجماعية أن ليس هناك خيار آخر·
لقد خاب أمل الزعماء الإيرانيين لأنهم لم يروا أي مبادرة دبلوماسية أمريكية منذ عام 1991 بعدما قصفت الولايات المتحدة بغداد وأثرت كثيرا في نفوس الإيرانيين بمثل ما فعل إسقاط الطائرة المدنية الإيرانية· وما كان مؤثرا في نفوسهم أيضا، كلمة الرئيس جورج دبليو بوش عن محور الشر “بغض النظر عن الإدانات الإيرانية” لم تساعدنا الخطوات الانفتاحية للبيت الأبيض على إيران “على نحو مااعترف البيت الأبيض” ذلك أنه يتوجب علينا أن نتعامل مع الراديكاليين مباشرة، وهذا يمكن القيام به بوساطة صدمة عسكرية حاسمة تحدث تأثيرا في حسابات توازن السلطات في إيران·
إن الشعب الإيراني هو أكثر شعوب المنطقة موالاة لأمريكا، بفعل العواقب الاقتصادية الكارثية للثورة الإسلامية· والتغيير الجارف في الزعامة الإيرانية هو مسألة وقت لا مسألة ما إذا كان ممكنا أن يحصل· لكن هبوطا ناعما في إيران “مثل هبوط طائرة” لا ثورة مضادة عنيفة، مع احتمال لجوء رجال الدين المحاصرين الى الإرهاب في الخارج، ليس ممكنا “أي هذا الهبوط” إلا بإصدار عفو عام عن هؤلاء المسؤولين المذنبين حتى في أسوأ انتهاكات حقوق الإنسان·
إن تحقيق التغيير في السياسة الخارجية الإيرانية يشكل تبريرا كافيا لتفكيك النظام في العراق· وهذا يؤدي الى زعزعة حزب الله المدعوم من إيران في لبنان على الحدود الشمالية لإسرائيل· وإزالة خطر الصواريخ الاستراتيجي عن إسرائيل، ويدفع سورية دفعا الى التحديث· وهذا يسمح أيضا بقيام تحالف غير عربي وغير رسمي لمحيط الشرق الأدنى يضم إيران وإسرائيل وتركيا وأريتريا· والأتراك سبق لهم أن أقاموا تحالفا مع إسرائيل· والأريتريون الذين أدت حربهم مع أثيوبيا الماركسية الى دفعهم نحو عزلة تامة عن جيرانهم الأقربين أخذوا بدورهم يطورون علاقات مع إسرائيل· ذلك أن أريتريا هي شعب علماني وتشكل موقعا استراتيجيا ذا موانئ جيدة قرب مضيق باب المندب·
وكل هذا يشكل سياقا مساندا لانسحاب إسرائيلي تدريجي من الضفة الغربية وقطاع غزة·
إن مشكلة خطة السلام التي رسمها الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ايهود باراك تكمن في أنها جاءت بعيد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان الذي رأى فيه كثير من العرب دليلا على الضعف لا على القوة· ولهذا السبب ينبغي أن تحصل إسرائيل على تحسين لموقفها الاستراتيجي قبل أن تقدم مرة ثانية على مثل هذا الانسحاب·
طبعا، لن يرضى كثير من الفلسطينيين إلا بإعادة الاستيلاء على إسرائيل كلها· لكن عندما يحين الوقت المناسب، ولا يعودون يرون أي جندي إسرائيلي في بلداتهم فإن الإحباط الفلسطيني وخاصة بين الشبان سيرتد نحو الداخل الى النخب المسيحية والنخب ذات النزعة الغربية في رام الله وأماكن أخرى، ونحو عمان في الشرق أيضا·
وفي ما يخص الأردن وحلفاءنا الآخرين، ينبغي على الإدارات الأمريكية، سواء أكانت ديمقراطية أم جمهورية، أن تتعايش مع اضطرابات تستمر في الأعوام المقبلة· فهي “أي الإدارات” لن تجد تعاطفا لدى وسائل الإعلام أو لدى المجتمع الأكاديمي الذي يرى أنه ينبغي وجود بديل أفضل من الطغاة الحاكمين الآن· لكن ليس هناك بديل أفضل في غالب الأحيان· ذلك أن إضعاف نظام قاس مثل نظام إسلام كريموف في أوزبكستان لا ينبغي أن يؤدي بالضرورة الى بديل متنور· وربما يؤدي على الأرجح الى إشعال حرب أهلية بين الأوزبك والطاجيك الذين يسيطرون على مدينتي سمرقند وبخارى· ولما كانت أوزبكستان تشكل ديموغرافيا وسياسيا نقطة ارتكاز آسيا الوسطى السوفييتية سابقا· ينبغي على من يدافعون عن فكرة “بناء الأمم” في أفغانستان أن يدركوا أنه في السنوات المقبلة قد يكون هناك مزيد من الأمم التي ينبغي إعادة بنائها· ولهذا السبب، يحتار بعضهم في وزارة الدفاع الأمريكية في اختيار أفضل استراتيجية لتوزيع القواعد العسكرية تعطينا خيارات في جميع أنحاء آسيا الوسطى، حتى لو انهار بعض البلدان واضطررنا الى التعامل مع “دول خانات” عرقية·
إن نجاحنا في الحرب على الإرهاب يتحدد بقدرتنا على المحافظة على إبقاء أفغانستان وأماكن أخرى خالية من الإرهابيين المعادين لأمريكا· وفي كثير من أنحاء العالم، يمكن القيام بهذه المهمة بوساطة زعماء حرب ذوي تاريخ طويل راكموا خبراتهم وسط نزاعات سابقة، لا بوساطة حكومات مركزية ضعيفة تقلد النموذج الغربي· ونحتاج طبعا الى القضاء على الراديكاليين المعادين لأمريكا “مثل قلب الدين حكمتيار” الذين يحاولون إطاحة نظام حميد قرضاي الموالي للغرب· لكن هذا لا يعني أنه ينبغي اعتبار حكومة قرضاي القوة الوحيدة المستقلة في أفغانستان· ونظرا الى طبيعة التماسك الوطني الأفغاني، لم يكن نظام الملك السابق محمد ظاهر شاه يسيطر في أواسط القرن العشرين على أكثر من المدن والبلدات الرئيسية والطرق التي تربط بينها· ولذلك فإن مهمة بناء أمة مزدهرة في أفغانستان ليست صعبة فحسب، إنما هي الآن هامشية بالنسبة الى الحرب على الإرهاب·
ونحن ننسى أن الغزو السوفييتي لأفغانستان عام 1979 ليس هو الذي أشعل حرب المجاهدين· ذلك أن الشرارة انطلقت في إبريل من عام 1978 عندما حاول نظام كابول أن يوسع سلطة الحكومة المركزية من كابول الى القرى· وأيا كان عنف وقسوة الأساليب المستعملة لذلك، ينبغي أن نذكر دائما أن الأفغان لم يتعودوا الدولة الحديثة بمثل ما عند العرب والفرس·
في أي حال، ستؤدي التغييرات التي قد تكون وشيكة في الشرق الأوسط الى تغييب أفغانستان عن الصفحات الأولى للصحف· وفي القرن التاسع عشر، بقيت الامبراطورية العثمانية تزحف على الرغم من ضعفها· وقد اقتضى الأمر أن يتأجل انهيارها الى الحرب العالمية الأولى· وعلى هذا النحو، يتميز الشرق الأوسط بكثير من الأنظمة الضعيفة التي ستبقى تترنح الى حين حصول الجائحة المقبلة التي قد يشكلها الاجتياح الأمريكي للعراق· والقضية الحقيقية ليست ما إذا يستطيع الجيش الأمريكي إطاحة صدام، لكن ما إذا كانت لدى الشعب الأمريكي الشجاعة للقيام بتدخل امبريالي من النوع الذي لم نعرفه منذ أن احتلت الولايات المتحدة ألمانيا واليابان·