كتب محرر الشؤون السياسية:
مضى أكثر من أسبوعين على الحادث الإرهابي في جزيرة فيلكا ولا يزال الناس يتناقلون بشيء من الاستغراب تفاصيل ذلك الحادث وما تبعه من تطورات محلية وعالمية تنم عن عزم تنظيم القاعدة تصعيد عملياته الإرهابية على مستوى العالم وفي المواقع التي تؤلم الولايات المتحدة وحلفاءها· ولم يأت استغراب الناس من هذا التصعيد لأنه أمر متوقع في إطار الحرب المعلنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وتنظيم القاعدة ومن يتبعه، بل أتى كرد فعل محلي على أسلوب تعامل الحكومة الكويتية مع عناصر الإرهاب النائمة بعلم الحكومة أحياناً وبتغطيتها في كثير من الأحيان· فلم يتخيل أحد أنه في هذه الأوضاع المضطربة حولنا وفي الوقت الذي تقوم فيه القوات الأمريكية بالمناورات العسكرية مع الجيش الكويتي وفي جزيرة يفترض أنها غير مأهولة بالسكان، أن تترك هكذا لهواة تنظيم القاعدة ليقوموا بفعلتهم هذه·
وبعد ذلك الحادث بأيام وكأننا لم نتعلم شيئاً منه، تطلق النار على أفراد من الجيش الأمريكي في الشمال!! وبعد ذلك يقبض على "معتوه" وهو يهم بتفجير زجاجات مولوتوف في سيارة كبيرة أمام أو ربما داخل مواقف السيارات في مبنيين كانا ضمن الأهداف التي كشف عنها اعتقال بعض المشتبه فيهم بعد حادث فيلكا!! الأغرب من ذلك كله تصريحات المسؤولين عقب إطلاق النار في منطقة الإديرع، بأنهم سيعلنون المناطق التي تشملها المناورات كمناطق عسكرية محظورة على المدنيين!! أي أننا كنا بحاجة لحادثتين كان يمكن لأي منهما أن تكون أكبر مما انتهت إليه بعشرات المرات، حتى نعي أن مناطق المناورات يجب أن تحظر على المدنيين!!
الأمر الغريب الثاني هو إصرار كثير من مسؤولي الأمن في البلاد على المكابرة، فبدلاً من تقديم الوزراء المعنيين بموضوع الأمن في البلاد استقالاتهم وربما الحكومة بأكملها بسبب فشلها الذريع في توقع قيام أفراد تنظيم القاعدة بمثل هذه الأعمال الإجرامية، نقول بدلاً من تقديم استقالاتهم تحملاً للمسؤولية، يصر هؤلاء المسؤولون على "تطميننا" بأنهم كشفوا مخططات كبيرة جداً لدرجة أن بعضها لو نفذ لكان له آثار خطيرة على البلد لم يشأ المسؤولون الإعلان عن أي من تفاصيلها حتى بعد إفشالهم لها· المضحك في هذه المكابرة، كما يعلق كثير من الناس، أن الأجهزة الأمنية بقولها ذلك كانت تريد تطميننا لكنها في الحقيقة أرعبتنا· فيعلق أحد المحبطين من أداء الحكومة بالقول: ماذا لو نفذ المجرمون المخطط الكبير أولاً وقبل حادث فيلكا الذي أعطاهم الفرصة الذهبية لإحباطه؟ ماذا عسى حماة الأمن في بلدنا أن يقولوا آنذاك؟
آخرون علقوا بحسرة على إصرار الحكومة حتى بعد كل مااكتشفته من أبعاد تنظيم القاعدة في الكويت، إصرارها على حماية الحاضنات التي فرخت هؤلاء الإرهابيين، بل وكأنها تقول للناس جميعاً إنها لن تتخلى عن حلفها المقدس معهم مهما ارتكب بعضهم من أعمال إرهابية· أما وزارات الدولة فتتصرف وكأن كلاً منها في جزيرة مستقلة عن البقية أو كدول مستقلة بذاتها، وإلا فما تفسير وزارة الأوقاف لدعوة أحد زعماء الفكر المتطرف في المملكة العربية السعودية للكويت وفي هذا الوقت بالذات؟ هذا "الشيخ" الذي حبس بتهم لها علاقة بالتحركات السياسية الدينية داخل السعودية وبأشخاص هم الأقرب إلى بن لادن المطرود أصلاً من السعودية بسبب تك التحركات، بل هو "الشيخ" ذاته الذي منع من دخول الأردن للأسباب نفسها· الأغرب من ذلك أن وزارة الأوقاف السلفية في الكويت ملأت البلاد بالإعلانات الترحيبية بالضيف، وكأنها تقول على من لم يعلم بمجيئه أن يعلم· الإعلانات التي ملأت شوارع الكويت ذيلت باسم "شباب مساجد الكويت" وكأن لهؤلاء نقابة تعلن باسمهم جميعاً ولم تكلف بلدية الكويت نفسها إزالة تلك الإعلانات غير المرخصة يبدو خوفاً من "شباب مساجد الكويت" الذين لابد وأن يربطهم تنظيم ولهم من التمويل ما يكفي لسد تكاليف تلك الإعلانات وبتلك الكمية والأحجام، ولهم من النفوذ ما يكفي لتبقى إعلاناتهم حتى غادر "الشيخ" بعد أن طاف مساجد الكويت التي تشرف عليها وزارة الأوقاف وخطب في "الشباب" ما خطب وحشا رؤوسهم بما أراد سواء في الجلسات المعلنة والمفتوحة للعامة أو تلك التي يخص بها "نخبة الشباب" المؤدلج بعقلية وفكر "الشيخ" وأتباعه·
وبعد أن أنهى "الشيخ العودة" قرابة أسبوع وغادر كتبت إحدى الصحف اليومية ما يفيد بأن الجهات الأمنية أصدرت قراراً بمنعه من الدخول إلى الكويت مرة أخرى!!! ويبقى التساؤل قائماً حول الأسباب التي أدت إلى هذا القرار وهل هي ناتجة عن أمر استجد في أثناء وجود العودة في الكويت وبالتالي فالمفترض أن يعلم العامة بذلك أم أن السبب يعود لأمور تعلمها الجهات الأمنية قبل مجيء "الشيخ" إلى الكويت لكنها لم تستخدمها إلا بعد أن رأت ردة فعل الناس تجاه زيارته·
تعليقات الناس لم تقف عند حدود الاستغراب من سلوك الحكومة تجاه العودة لأنهم رأوا بأم أعينهم إصرار هذه الحكومة على اللقاءات العلنية مع جهابذة ومفرخي الفكر المغالي المتطرف بعد كل ما حدث، بل ذهب البعض للتعليق على مايجري في بلدنا المبتلى بالقول: إن سبب قوة هذه التيارات المتطرفة لا يعود فقط إلى إمكاناتها غير المحدودة واستغلالها لكل صغيرة وكبيرة في حلفها المقدس مع الحكومات المتعاقبة، بل يعود إلى ضعف هيبة الدولة الناتج عن استهانة هؤلاء وغيرهم بقوانينها· ويضيف: إن الدولة التي يخترق فيها القانون في كل لحظة أمام مطبقيه ولا يخشى المخالف عاقبة مخالفته، لابد وأن يجرؤ عليها أصحاب المخططات الإرهابية وعتاة الإجرام· ويضرب مثلاً في أمور قد تبدو تافهه لكنها ذات دلالات ومعان· فيقول إن الدولة التي يدخن فيها المدخنون في غرف العناية المركزة في مستشفياتها ولا أحد يجرؤ على صدهم، والتي ينفرد التافهون من أبنائها في فرد عضلاتهم على طواقم الخطوط الجوية الوطنية دون غيرها من شركات الطيران ودون أن يتمكن أحد من ردعهم، والدولة التي يداس قانون المرور فيها أما ناظر الشرطة وفي كل الأوقات ولا قيمة لوجود سيارات الشرطة واللبس الرسمي أو حتى كاميرات السرعة، دون أن يخشى هؤلاء المخالفون العقوبة، لأن أحداً ما سيتدخل ويلغي هيبة الدولة وحقها في تطبيق قانونها وربما كان هو من مشرعيه· هذه الدولة التي لا يخشى الناس مخالفة صغائر قوانينها لن يخشى الإرهابيون سورة غضبها، لأنها لن تغضب، وإن فعلت فلن يتعدى ذلك التصريحات المكابرة والتهويل في "الإنجازات"، لتعود الأمور بعد ذلك إلى حالتها الطبيعية، حيث “ترعى القرعة” كما تشاء في بلد لاخوف منه ولا عليه·