
· الشركات الأمريكية لم تهضم التخلي عن “آرامكو” ولا تريد منافسة من الشركات الأوروبية
· أمريكا تستفيد من العائدات النفطية بـ “تدويرها” عبر مبيعات الأسلحة والاستثمارات الخليجية
· واشنطن لا تريد النفط وحده إنما السيطرة على المنطقة
· أمريكا ضغطت أحيانا لرفع أسعار النفط حتى تؤذي اليابان وأوروبا
· واشنطن ليست ضد أوبك إنما تريدها أن تنصاع لسياساتها
· استراتيجية ثابتة منذ 1947: إلغاء الحواجز أمام شركات النفط الأمريكية
بقلم آي· جي· شيان
معهد الصحة والعدالة الاجتماعية منشور بتاريخ 13 أكتوبر 2002 في مجلة Z magazineهناك أسباب وجيهة تدفع الذين يتساءلون عن الدوافع المعلنة لقيام الإدارة الأمريكية بالتهديد بالحرب ضد العراق - أي ضرب الدكتاتورية أو إزالة أسلحة التدمير الشامل المزعومة· الى إبداء الارتياب· وأنا أفترض أن القراء لا يكادون يحتاجون الى تذكيرهم بالمساندة الأمريكية السابقة لصدام حسين، بما في ذلك عند استعمال الغاز السام ضد الإيرانيين والأكراد، هذه المساندة التي تلاشت لحظة اجتياحه بلدا منتجا للنفظ وصديقا للولايات المتحدة، وبالمساندة الأمريكية لدكتاتوريات قائمة في أرجاء المنطقة، وتخريب الولايات المتحدة لبرنامج التفتيش الدولي باستعماله غطاء لأعمال التجسس وباستئناف القصف الذي أجبر المفتشين على الخروج من العراق، والجهود الحالية لإعاقة عودتهم، أو لا مبالاة الولايات المتحدة بالمعاهدات المتعددة الأطراف لضبط إنتاج وانتشار الأسلحة البيولوجية والكيميائية·
دوافع قصيرة الأجل
ما الدوافع الحقيقية إذن؟ يشتبه كثير من نقاد الإدارة الأمريكية بمن فيهم ديمقراطيون في الكونغرس في وجود محاولة لتحويل الانتباه عن مشكلات داخلية، بل يشتبه في ذلك حتى بعض المؤيدين· وقد عرضت إحدى افتتاحيات صحيفة “نيويورك تايمز” الوضع على الوجه التالي: “تشير الاستطلاعات الى أن قضية وحيدة تعمل لمصلحة بوش: الإرهاب· ففي المجال البيئي، والاحتباس الحراري العالمي، وخطط توفير الأدوية للمسنين، وحق المرضى في مقاضاة الأطباء، وإصلاح تمويل الحملات الانتخابية، والإشراف على سلوك الشركات وكل قضية عامة كبرى، يساند الأمريكيون النهج الذي يتبعه الديمقراطيون· (···) والرئيس يملك دوما سلطة التحكم بموضوع النقاش الوطني· ولما كان بوش يستعمل هذه السلطة لتركيز النقاش على مخاطر صدام حسين على الولايات المتحدة وإسرائيل، فلماذا تكون القضايا الأخرى مهمة؟ وهكذا لا يكون مدهشا أن يشكل العراق القضية المركزية في خطابات بوش إبان التوقفات في الحملة الانتخابية للمرشحين الجمهوريين في الانتخابات النصفية المقبلة (للكونغرس)·
ربما يشتبه أحدهم في هذه الانتخابات حتى يفسر سبب استعجال إدارة بوش، لكن حتى لو لم تنشب حرب في يوم الانتخابات، فإن الإلحاحية لن تبرد فيه· واستنادا الى تحليل إخباري حديث منشور في “نيويورك تايمز” فإنه من المهم بالنسبة الى المخططين العسكريين الأمريكيين أن تنشب الحرب هذا الشتاء “حتى تتيح البرودة للقوات الأمريكية أن تعمل بسهولة وجنودها يرتدون الملابس الثقيلة الواقية من الأسلحة الكيميائية وحتى تتيح لهم الليالي الطويلة الاستفادة من ميزة أجهزة الرؤية الليلية”·
لكن هذه دوافع قصيرة الأجل· فليس من قبيل الحداثة القول إن هناك دافعا آخر طويل الأمد يتصل بالنفط· والواقع أن هذا الأمر على الرغم من دقته، يعتبر مصدرا متكررا للغموض· فعلى سبيل المثال، وقبل حرب الخليج “الثانية” لم تكن إدارة بوش الأب وحدها، إنما أيضا قسم من حركة السلام يؤكد أن اهتمام الولايات المتحدة هو ضمان “التدفق الحر للنفط بما يكفي لـ “حل” الأزمة”· وإحدى الجماعات اتهمت رفض صانعي السيارات لتحسين كفاءة استهلاك الوقود بالتسبب في هذه الأزمة· والافتراض الشائع هنا (في الولايات المتحدة) أن النفط مصلحة عامة حتى ولو كان بفضائل تستحق النقاش·
في الحقيقة يعتبر النفط مصلحة خاصة· وهو مسألة متعددة الوجود، لا ترقى الى مجرد زيادة مكاسب الشركات الى حدها الأقصى· فالقضية الكبرى هي توسيع السيطرة الأمريكية التي تنطوي على مجموعة من المكاسب بما في ذلك المكاسب غير النفطية والميزات الجيوسياسية·
أحد المكاسب هو دور منتجي النفط في إرسال فائض العائدات الى الولايات المتحدة عبر البنوك، وشراء الأسهم الأمريكية والاستثمارات الأخرى· ففي المرحلة الممتدة بين عامي 1970 و1982، ذهب 30 في المئة من 750 مليار دولار هي عائدات منتجي الخليج الى الاستثمار في الخارج، ومعظمه في الأوراق النقدية في مختلف البنوك والشركات والحكومات الغربية· وقد أودعت معظم عائدات ضخمة حصلت عليها دول “أوبك” في السبعينيات (173 مليار دولار بين عامي 1974 و1977) في فروع أوفشور لبنك Chase Manhattan ومصارف أخرى· وقبل حرب الخليج، كانت دولة الكويت تملك استثمارات غربية ضخمة بما في ذلك سندات خزينة أمريكية ومحافظ يديرها “سيتي بنك”، واحتياطات ذهب في الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي) الأمريكي والبنك المركزي البريطاني وعشرة في المئة من أسهم شركة “بريتيش بتروليوم”، وهذا يوضح سبب الموافقة للعراق على أن يغزو إيران لا الكويت·
وقد كتب توماس فيرغسون ذات يوم أن “فائض البترودولار لدول الشرق الأوسط الرئيسية لم يعد يمثل أمازون العالم الرأسمالي (لكن) الخليج يتمتع حتما بميزة كونه ميسيسيبي الاقتصاد العالمي، ذلك أن مياهه المالية تتدفق بضخامة الى نيويورك ولندن (حيث تملك المصارف الأمريكية الكبرى فروعا)
إن مبيعات الأسلحة هي وسيلة أخرى لإعادة تدوير البترودولار ثانية نحو الولايات المتحدة، بما يعزز صناعة السلاح الوطنية، ويولد تعاونا استراتيجيا وبناء قدرة عسكرية لتعزيز الهيمنة الأمريكية، وكان شاه إيران زبونا نهما لا يشبع، ذلك أن إيران صارت في أواخر السبعينات أكبر مشتر أجنبي للأسلحة الأمريكية فأنفقت 17 مليار دولار في عشر سنوات· وبهذه المساندة، أدى شاه إيران كثيرا من المهمات النافعة، مثل التصدي للعراق والاتحاد السوفييتي، والمساعدة في قمع تمرد في عمان، وإنشاء شرطة سرية (السافاك التي أقامتها الاستخبارات الأمريكية) لقمع العصيان الداخلي· وتشكل المملكة العربية السعودية شريكا مهما أيضا، على نحو ما فعلت عام 1981 عندما اشترت نظام الإنذار الجوي المبكر (أواكس) وكان ذلك جزءا من نظام دفاع جوي يشمل المنطقة مبني حسب المواصفات الأمريكية حتى يستطيع استقبال قوة الانتشار السريع الأمريكية (ثم القيادة المركزية التي ترأسها الجنرال نورمان شوارزكوف)· وقد لاحظ المحلل العسكري انطوني كوردسمان أن اتفاق مبيعات قيمته 8.5 مليار دولار يساعد في تعزيز القدرة الأمريكية على نشر قوات من شرق البحر الأبيض المتوسط وإرسالها شرقا حتى باكستان (···) وليس هناك أي حشد عسكري أمريكي معقول للقدرة الحركية الأمريكية يمكنه أن يشكل بديلا من التسهيلات الموجودة في المملكة العربية السعودية”·
وبعبارة أخرى، ساعدت أموال النفط السعودية في تمويل الغايات الاستراتيجية الأمريكية· وقد أدت حرب الخليج الى توسيع هذه الغايات بقدر كبير، ذلك أن الولايات لم تكتف بالاقتراب أكثر من القواعد البرية السعودية المرغوب فيها منذ أمد طويل، إنما بعد خمسة أشهر من الحرب، باعت الولايات المتحدة مقادير كبيرة من الأسلحة في المنطقة، بما في ذلك لتركيا والمغرب ومصر وعمان ودولة الإمارات العربية المتحدة·
إزاحة بريطانيا ومصدق
أما بالنسبة الى الشركات النفطية، فقد ورد في وثيقة تخطيط تعود الى عام 1947 ومعنونة بـ “السياسة البترولية للولايات المتحدة” ما يلي: “ينبغي على الولايات المتحدة أن تسعى الى “إزالة أو تعديل الحواجز القائمة أمام توسيع العمليات النفطية الأمريكية” وتعزيز دخول مزيد من الشركات النفطية الأمريكية في جميع أطوار العمليات النفطية الأجنبية”· وحتى أواسط الخمسينات، كان الحاجز الرئيسي هو بريطانيا، التي كان النفط غنيمة لها لاستعمارها معظم المنطقة· لكن مع انحدار الامبراطورية البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، وصعود القدرة العسكرية والاقتصادية الأمريكية، نالت الولايات المتحدة حصة الأسد في نفط الشرق الأوسط·
ففي عام 1948، تشكل كونسورسيوم “أرامكو” الأمريكي الخالص “من شركات موبيل، تكساكو وما صار يعرف لاحقا بـ إكسون وشيفرون” وحقوقه النفطية الحصرية في المملكة العربية السعودية، وكان ذلك بعدما ساعدت الحكومة الأمريكية شركتي “موبيل” و”إكسون” على التراجع عن اتفاق سابق مع “بريتيش بتروليوم” و”شل” البريطانيتين·
وفي عام 1950، تلقت هذه الشركات الإذن بأن تلبي مطلب الملك ابن سعود في الحصول على حصة قدرها خمسون في المئة تدفعها بدلا من الضرائب الأمريكية، وهذا الترتيب وقع كالصاعقة على بريطانيا في إيران حيث طالبت حكومة محمد مصدق بالحصول على نسبة الخمسين في المئة نفسها· ثم أطيح محمد مصدق بانقلاب ساندته الاستخبارات المركزية الأمريكية، وتفاوضت بعده الولايات المتحدة على الحصول على حصة قدرها 40 في المئة من النفط الإيراني للشركات الأمريكية، فكسرت ما كان يعتبر احتكارا لشركة “بريتيش بتروليوم” وفي هذه الأثناء، واصلت الولايات المتحدة وبريطانيا المشاركة في الامتيازات الممنوحة في العراق والكويت وغيرهما·
أوبك والقومية أبعدتا الأجانب
ليست القوة النفطية الأمريكية معادلة الآن لما كانته ذات يوم· ففي عام 1981، صارت البلدان المنتجة تملك 61 في المئة من النفط العالمي الخام، أي النسبة نفسها التي كانت تملكها الولايات المتحدة عام 1970· وهكذا حصلت “أوبك” أيضا على قدرة متزايدة على التسعير والإنتاج على حساب الشركات· لكن هذا التحول لم يثبت أنه مصدر تهديد كبير للمصالح الأمريكية· فمن الناحية الشكلية، ترتبط الصناعات النفطية المؤممة باتفاقات “إعادة شراء”، في حين أن الشركات لها الحق في شراء نسبة مئوية كبيرة من النفط بأسعار مهاودة· والشركات تتمتع بنفوذ آخر بفضل إمداداتها الآتية من دول غير أعضاء في “أوبك”· أي آلاسكا وروسيا وبحر الشمال وسيطرتها على صناعة التكرير والتسويق والتوزيع· وهذه الشركات تندمج باضطراد· مثل “إكسون موبيل” و”شيفرون تكساكو” و”رويال داتش - شل” و”توتالفينا إلف” و”بريتيش بتروليوم - أموكو - أركو”· وفي أي حال، لا تعارض الولايات المتحدة دورا أكبر لـ “أوبك” طالما بقي أعضاؤها الكبار، لا سيما المملكة العربية السعودية ينفقون فوائضهم بطريقة صحيحة ويرجعون الى السلطة الأمريكية في القضايا العسكرية وغيرها·
مقابل المصلحة الأمريكية النفطية المتعددة الوجوه هناك العدو: القومية، أي ميول الزعماء والجماهير الى الاستئثار بمكاسب الموارد لأنفسهم· ولبعض الوقت، كان القوميون العرب تحت قيادة جمال عبدالناصر، الذي كان يمثل لمدة طويلة ملهما للعالم العربي من أجل تحدي الكولونيالية الغربية، وقد صارت ليبيا عدوا للولايات المتحدة للمرة الأولى عام 1969، وكانت شركات النفط الغربية في ليبيا تمد أوروبا نفطا ذا قيمة لانخفاض محتواه الكبريتي· وقد طلب الضباط الذين قادهم معمر القذافي في إطاحة الملك إدريس الذي عينه البريطانيون أسعارا أعلى للنفط، وأدى نجاحه الى أن يحذو حذوه منتجون آخرون حتى يرفعوا أسعارهم بعد أشهر عدة· وكانت الجرأة الليبية الراسخة سببا رئيسيا دفع البلدان الرئيسية الأعضاء في أوبك الى الفوز بحصص مشاركة للمرة الأولى عام 1972·
صار العراق عدوا عام 1958 عندما أطاح ضباط انقلابيون قوميون نظاما إقطاعيا أقامه البريطانيون· وكرد جزئي على ذلك، أرسلت الولايات المتحدة قوات المارينز الى لبنان، على الرغم من أن رأي إدارة “الرئيس دوايت” إيزنهاور كان يقول حسب صحيفة “نيويورك تايمز” إن “التدخل لن يمتد الى العراق طالما احترمت الحكومة الثورية المصالح النفطية الغربية”، أي الملكية الأمريكية والبريطانية والفرنسية للنفط العراقي· والنفط لم يتأمم فانسحب المارينز· لكن العراقيين كانوا يشعرون بالمرارة طويلا من ترتيب يرقى الى عام 1928 وبناء عليه كان العراق محروما من أي مشاركة في نفطه باستثناء الامتيازات التي يمنحها· وكان العراقيون يستاؤون أيضا مما يعتبرونه إنتاجا مخفضا مقصودا من جانب شركات النفط طيلة سنوات كثيرة “وهذا تقدير سانده تقرير للجنة الفيدرالية للتجارة صدر عام 1947” وبعدما خفضت “بريتيش بتروليوم” و”إكسون” الأسعار عام 1960، وأغضبت البلدان المنتجة، عقد العراقيون الاجتماع التأسيسي لمنظمة “أوبك”، ثم تأمم نفط العراق أخيرا في عام 1972، من دون أي صفقات تفضيلية للشركات الأمريكية والبريطانية “وإن كانت منحت لفرنسا” وكانت الخطوة ذات شعبية عظيمة، وقد لخصها نائب الرئيس العراقي بعبارة “ثروتنا عادت إلينا”·
من العداوة الى الصداقة·· الى حين
هكذا كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه العراق عدائية· وفي عام 1972، أرسلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بناء على توصية من شاه إيران أسلحة الى أكراد العراق الذين كانوا يقاتلون الحكومة للحصول على الاستقلال الذاتي· لكن عقب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر من عام 1980، وجدت واشنطن فرصة لاجتذاب العراق الى الفلك الأمريكي واحتواء إيران الثورية· وهكذا استؤنفت التجارة التفضيلية والعلاقات الدبلوماسية، واستمرت الى بعد انتهاء الحرب، وفي عام 1989 وقع الرئيس بوش (الأب) مذكرة توجيهية للأمن القومي تقضي باستمرار سياسة الانفراج مع العراق· لكن في خطبة ألقاها في اجتماع مجلس التعاون العربي في فبراير من عام 1990، انتقد صدام حسين الوجود الأمريكي في الخليج، ودعا الى سحب أموال النفط من الغرب لإعادة استثمارها في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية· وهذا البرق للاستقلالية العراقية السابقة أقلق صانعي السياسة الأمريكيين وأدى الى إلغاء مبيعات الحبوب المدعومة للعراق·· وكانت وزارة الخارجية في عهد رونالد ريغان قد ناقشت توصية رفيعة المستوى للانقلاب الى استراتيجية العداء تجاه العراق، في حين كانت وزارة الدفاع تستعد لما تسميه “نزاعا” منخفض الحدة” مع العراق باعتباره عدوا· وهكذا، ففي حين كان الانفراج الأمريكي - العراقي مستمرا رسميا الى عشية غزو العراق للكويت، فقد كان ضعيفا جدا·
يتاجرون مع العراق سرا
مع انتهاء حرب الخليج الثانية، كسبت الولايات المتحدة قدرا كبيرا من السيطرة على صناعة النفط العراقية· وقد ذهب نحو ثلاثين في المئة من عائدات النفط العراقية في إطار اتفاق النفط مقابل الغذاء الى الكويت ومنها بطريقة غير مباشرة الى الشركات الغربية· وانطلاقا من موقعها باعتبارها عضوا في لجنة العقوبات التابعة لمجلس الأمن الدولي، حازت الولايات المتحدة سلطة قوية لتعيين عقود البناء المصادق عليها، وهذه سلطة استعملت لمصلحة الشركات الأمريكية: ومنها على سبيل المثال، شركة Halliburton التي كان يرأسها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، والشركة التابعة لها Dresser-Rand· ولما كانت الشركات تريد أن تخفي قضية المتاجرة مع العراق، فقد اختبأت عموما وراء شركات فرعية أوروبية وشركات مشتركة· لكن وكما نشرت صحيفة “فايننشل تايمز” اللندنية، “بإسقاط قناعها الأوروبي، استطاعت الشركات أن تقلب “القرارات التي تجمد العقود” بالذهاب مباشرة الى المسؤولين الأمريكيين· ولم يكن هناك غير حفنة من الشركات غير الأمريكية تملك مثل هذا النفوذ”·
غير أن الآثار العامة للعقوبات، مصحوبة باستمرار القصف، كانت شديدة· فالسياسة الأمريكية، بشأن العراق تبدو وكأنها محسوبة لمنع العراق من إعادة بناء قدرته الإنتاجية النفطية كاملة، وبحلول فبراير من عام ألفين، تلقى العراق ما هو دون 300 مليون دولار من معدات الحقول النفطية من أصل طلبات قيمتها 1,5 مليار دولار بناء على مذكرة التفاهم بين العراق والأمم المتحدة· ومن أصل 377 عقدا كانت تخضع لدراسة لجنة العقوبات جمدت الولايات المتحدة وحدها 343 عقدا· وقد علق أحد دبلوماسيي الأمم المتحدة على ذلك قائلا إن “واشنطن لا تريد أن تمكن الاقتصاد العراقي من الانتعاش، ولذلك تبقي البنية التحتية ضعيفة جدا”·
فلماذا هذه العداوة المستمرة التي بلغت ذروتها الآن؟ لأن مشكلة السيطرة ما زالت قائمة· فعلى سبيل المثال، قام وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون عام ألفين بجولة على عواصم أوبك حتى يحشد الدعم لزيادة إنتاج النفط من أجل خفض الأسعار التي ارتفعت الى أعلى مستوى في عشرة أعوام· وقد تعاونت المملكة العربية السعودية وهي أكبر منتج للنفط بأن عرضت زيادة الإنتاج بنصف مليون برميل في اليوم فأغضبت البلدان المنتجة الأخرى مثل فنزويلا وإيران والعراق·
وحذر صدام حسين لاحقا البلدان المنتجة من مغبة الانصياع للضغط الأمريكي، فارتفعت الأسعار عاليا مرة أخرى·
ينبغي على المرء أن لا يضلل نفسه بالمفهوم الخطأ الشائع القائل إن الهم الأمريكي الطاغي هو المحافظة على أسعار النفط منخفضة· فالأمريكيون يريدونها أحيانا مرتفعة· ففي مطلع السبعينيات، كانت إدارة نيكسون تفضل الأسعار المرتفعة، وهكذا تعاونت مع أوبك في إحداث انفجار الأسعار في تلك المرحلة· وكان السبب يعود الى اعتقاد مفاده أن اليابان وأوروبا وهما الأكثر اعتمادا على الطاقة المستوردة من اعتماد أمريكا قد تعانيان ارتفاع الأسعار·
وقد استنتج جيمس آكينز، وهو أحد كبار الدبلوماسيين النفطيين في الإدارة في تلك المرحلة أن “أوبك كانت أداة في المركانتيلية الأمريكية”· وقد ساندت إدارة ريغان أيضا ارتفاع الأسعار في عام 1986· وفي ربيع تلك السنة، ضغط نائب الرئيس جورج بوش “الأب” على السعوديين لخفض الإنتاج· وكان بوش يعمل على إبرام اتفاق مع إيران للمساعدة في زيادة العائدات النفطية الإيرانية، باعتبار ذلك جزءا من الانفتاح على إيران “وقد انكشف ذلك جزئيا خلال فضيحة إيران - كونترا” الذي كان يرمي الى إعادة العلاقات الأمريكية - الإيرانية الى ما كانت عليه في عهد الشاه·
والقضية ليست الأسعار إنما السيطرة· فالسعوديون يفعلون ما نريد لكن العراقيين لا يفعلون· وهذه هي المشكلة·
فماذا يعني ذلك بالنسبة الى شركات النفط إذا تخلصت إدارة بوش من هذه المشكلة؟ إن الولايات المتحدة ما زالت تتبع وثيقة سياسة عام 1947، وهي تسعى الى “إزالة أو تغيير الحواجز القائمة أمام توسع العمليات النفطية الأمريكية الخارجية”· وقبل أسابيع عدة، كتبت صحيفة “واشنطن بوست” أن عملية إطاحة بصدام حسين تقودها الولايات المتحدة يمكن أن تشكل فرصة استثمارية عظيمة لشركات النفط الأمريكية التي أبعدت طويلا من العراق، فرصة تتيح تحطيم الصفقات النفطية المبرمة بين بغداد من جهة وروسيا وفرنسا ودول أخرى من جهة ثانية، وإعادة هيكلة الأسواق البترولية العالمية، وكل ذلك استنادا الى ما يقوله مسؤولو الصناعة وزعماء المعارضة العراقية· وعلى الرغم من أن المسؤولين الكبار في إدارة بوش يقولون إنهم لم يبدأوا التركيز على القضايا الخاصة بالنفط والعراق، فإن شركات النفط الأمريكية بدأت أصلا بالمناورة للفوز بحصة في الاحتياطات النفطية الهائلة المقدرة بـ 112 مليار برميل هي الأعظم في العالم بعد المملكة العربية السعودية·
دم مقابل النفط؟ ليس تماما، لكن يمكنك المراهنة·
· الترجمات لاتعبر عن رأي الطليعة لكنها تعبر عن رأي كاتبها