كتب سنجار محفوض:
لاتزال صيحات الاستنكار والشجب ضد العملية التي نفذها مجموعة من شباب التيارات الدينية في جزيرة فيلكا تعلو معتبرة أن ما قام به هؤلاء الشباب عمل إرهابي·
وأجمع عدد من السياسيين والمتخصصين في الكويت على أن هذا العمل “إرهابي” يضر بمصالح الكويت محذرين من تنامي هذه الظاهرة في المستقبل الأمر الذي قد يضع دولة الكويت ضمن تصنيفات الدول الراعية للإرهاب·
وأكدوا أن هذه الظاهرة أو هذا الحدث ليس وليد الساعة بل له جذور وامتداده عبر السنوات الماضية مطالبين الحكومة بضرورة الانتباه إلى هذه النقطة المهمة جدا لتفادي أي عمل في المستقبل قد يسيء إلى سمعة الكويت ويضر بمصالحها·
كما طالبوا أيضا بضرورة التصدي للفكر المتطرف الذي تتبناه بعض الجمعيات والجماعات الإسلامية معتبرين أن التطرف هو بداية الطريق إلى الإرهاب·
وحول هذه القضية التقت “الطليعة” عددا من السياسيين والمتخصصين لتوضيح وجهة نظرهم والأخذ بتوقعاتهم حول تداعيات هذه الحادثة التي قد تضر بسمعة الكويت·
فقد وصف الكاتب الصحافي سامي النصف حادث فيلكا بأنه “لا يختلف عن كل ما يحدث في سنوات طويلة” موضحا أن “الفكر المتطرف لاشك له آثار مدمرة وهذه إحدى نتائجه”·
وقال النصف لـ “الطليعة” إن التطرف لم يأت من التيار الوسطي أو المستقل أو الليبرالي مشيرا إلى أن التطرف تصدت له جمعية الخريجين وغيرها من الجمعيات وكان من المفترض أن تتصدى له الجمعيات الدينية·
وأضاف أن التطرف يأتي هذه الأيام “تحت مظلة الإسلام لذلك من المفروض أن تتصدى له الجمعيات الدينية فهي الأكثر تأثيرا على هؤلاء الشباب ولأنها أيضا الأكثر تضررا من هذه الأفعال”·
وأوضح أن التوجهات الإسلامية في الكويت والجمعيات الإسلامية إلى الآن “لم تقم بالدور المفترض وهو التصدي للفكر المتطرف” مؤكدا أن “السكوت عن هذا الفكر هو الذي يؤدي في نهاية المطاف إلى ظهوره على السطح وإحداث العنف كما شاهدناه”·
وأوضح أن التطرف هو فكر يؤدي إما إلى العنف أو إلى الإرهاب “فهو يأتي نتيجة للفكر” مشددا بذلك على ضرورة أن تأتي محاربة التطرف كشكل مبدئي وكفكر منذ أن بدأت·
طفح جلدي
وأكد النصف أن السكوت عن التطرف حتى يستفحل فإنه سيظهر “كطفح جلدي· في حوادث مختلفة هنا أو هناك”·
وأشار إلى أنه من الواضح “لايوجد دولة في العالم أضر بها الاعتدال إنما هناك دول كثيرة أحرقت بسبب التطرف والحروب الأهلية” موضحا أن ذلك “ناتج طبيعي لعمليات التطرف والسكوت عنها حتى تأتي حادثة فردية تشغل البلد·
وشدد مرة أخرى على ضرورة أن تكون عمليات مكافحة للتطرف من قبل جمعيات النفع العام والمسؤولة عن التوجهات الفكرية الدينية وأن تتصدى له·
وقال إن التصدي للتطرف من قبل هذه الجمعيات يكون قصيرا “فحين يقع الحادث تندده أو تدينه وينتهي الأمر” مشيرا إلى الندوتين اللتين نظمتهما جمعيتان لاتنتسبان إلى التيار الديني وهما جمعية الصحافيين وجمعية الخريجين “فإن أعضاء هاتين الجمعيتين ومنتسبيهما لم يظهر منهم التطرف”·
دور الجمعيات الدينية
وحول أسباب عدم تحرك الجمعيات الدينية بشكل مكثف للتصدي لظاهرة التطرف الديني قال النصف إن الجمعيات الدينية هي الأكثر تأثيراً على الشباب كما أنها أكثر تضررا “فعدم تصدي هذه الجمعيات لهذا الأمر يعود إما لاعتقادها بأن قيامهم بهذا الشيء سوف يدينهم وهذا غير صحيح أو لأنهم يؤمنون بجزء مما يقوله هؤلاء المتطرفون·
وأضاف النصف أن أسباب وجود الفكر المتطرف الديني هي أن الكثير من المتطرفين الدينيين في الدول الأخرى فتح لهم الباب منذ الخمسينات والستينات “فأتوا إلى الكويت بأفكارهم المتطرفة وبالتالي مانراه اليوم هو نتاج طبيعي لوجود هؤلاء الذين رفضوا من قبل بلدانهم وزرعوا هذا الفكر المتطرف في الكويت”·
وأشار حول هذا الموضوع إلى استضافة إحدى وزارات الدولة لشخص ذي فكر متطرف وهو سليمان عودة الذي رفضت استقباله السلطات في الأردن والسعودية مشددا على أهمية أن تتنبه الدولة لهذه الأمور موضحا أنه لا يوجد أحد ضد زيارة علماء الدين إلى البلد لكن ليس أصحاب الفكر المتطرف والذين يروجون لفكر ديني متطرف “وبعد ذلك نقول لماذا الشباب قاموا بهذا الفعل”·
وطالب بضرورة التعامل مع منابع وجذور الإرهاب دون المساس بالفكر الديني المستنير “فنحن بلد فيه تعددية ويجب أن نؤمن بالرأي والرأي الآخر والفكر الآخر”·
التطرف كالإيدز
ووصف التطرف كمنهج بأنه أقرب إلى الإيدز “فهناك من لا يقوم بعمليات إرهابية بل يقومون بما هو أكثر ضررا على المجتمع وهو تبرير الأعمال الإرهابية·
فكبار السن لاينفذون العمليات الإرهابية إنما ضررهم أكبر”·
وأشار حول هذه النقطة إلى من برر عملية فيلكا بأنها عمل جهادي “يفتح المجال للجهاد لكل إنسان” بأن يذهب ويقاتل كل شخصية ويقتلها مشيراً إلى أن هذا النوع من الفكر “يجب التعامل معه بنوع من الحكمة” موضحا أن الديمقراطيات تقول “لاديمقراطية لأعداء الديمقراطية ولا حرية لأعداء الحرية”·
التطرف بلغ أشده
من جهة أخرى قال المحامي مصطفى الصراف لـ “الطليعة” إن هذا الحادث هو مؤشر خطير وينذر بأن التطرف قد بلغ أشده موضحا أن ماقام به هؤلاء الشباب إنما هو عمل يبتعد كل البعد عن التعاليم الإسلامية والقيم الوطنية·
وأضاف أن أحد أهم أسباب التطرف هو سوء فهم الناشئة لأصول الدين الإسلامي الحنيف موضحا أن هذا الفهم الخطأ للدين أدى إلى فقدان التوجيه السليم للشباب من خلال أجهزة الإعلام “التي بليت بمنابر إسلامية لكن للأسف لم تأخذ وجهها السليم في التوجيه والدراسة والتحليل وهو الأمر الذي ينبغي أن تهتم به الدولة غاية الاهتمام”·
وأضاف “يجب أن لا يعتلي المنابر ممن يتكلمون باسم الدين الإسلامي إلا الذين أخذوا اطلاعهم الكافي على أمور الدين الإسلامي والشريعة الإسلامية السمحاء”·
مفاهيم خطأ
وأوضح أن هؤلاء الشباب ما هم إلا “ضحية لمفاهيم خطأ نسبت إلى الإسلام” ومشيرا إلى أن هذا الفراغ في التوجيه والتربية أدى إلى هذا الانحراف إضافة إلى أن النظام الأمني في البلاد يفتقر إلى سياسة واضحة تستطيع التمييز بين الإنسان السوي والإنسان المنحرف·
وقال “ما أكثر المنحرفين من الشباب في شوارع الكويت” موضحا أنه لا توجد جهة في الكويت تستطيع ملء هذا الفراغ لديهم وتوجيههم التوجيه السليم ليقوا أنفسهم من الانزلاق في تلك المواقف التي تؤدي إلى الإضرار بالوطن وبأمن الدولة·
وردا على سؤال حول من يتحمل مسؤولية المتطرف أجاب المحامي الصراف أنه “في الوقت الذي ينبغي على الجمعيات الدينية - وما أكثرها - أن تقوم بواجبها الإعلامي والتوعوي·· إلا أنه - مع الأسف - من يعتلي هذه الجمعيات ليسوا بمستوى الفهم الصحيح للدين الإسلامي وبالتالي يفتقدون إلى توجيه الشباب التوجيه السلم”·
وأضاف “أن هذه الجمعيات والمراكز قائمة لأغراض سياسية وانتخابية وهي بعيدة عن الدور المرسوم لها”·
وقال إنه لايزال هناك متسع من الوقت لإعادة النظر في سلوك الأفراد القائمين على هذه الجمعيات على سبيل المثال أن يقوموا بتوجيه الشباب وفق المبادئ الإسلامية المتعارف عليها مشيرا إلى أن هذا الدور يجب أن تقوم به الدولة من خلال مؤسساتها “فمن الواضح أن هذه الجمعيات ليست بيد أمينة لكي تقوم بهذا الدور”·
وفي تعليقه حول ما يثار بأن التيار الليبرالي يستغل هذه الحادثة قال الصراف “إنهم يعملون بالمثل القائل (خذوهم بالصوت قبل أن يضربوكم)·· فأصابع الاتهام واضحة أمام هذه الشخصيات فهم لا يستطيعون التنكر لهؤلاء الشباب الذين ثبت انتماؤهم لهذه التجمعات وبالتالي حين يقولون إن هذه مناسبة للهجوم عليهم نقول هي ليست مناسبة إنما حادث وهم المعنيون فيه لأنهم يوجهونه من تعاليم خطأ للشباب”·
تشجيع الإرهاب
من جانبه قال أستاذ العلوم السياسة في جامعة الكويت د· شملان العيسى إن هذه العملية الإرهابية كانت متوقعة “لأن الجو العام يشجع على بروز الإرهاب فيها” موضحا أنه كان من المتوقع أن تعالج الحكومة هذا الموضوع من منظور مختلف حتى تتفادى العمليات الإرهابية في المستقبل·
وأضاف د· شملان لـ “الطليعة” إن الحكومة لجأت إلى أسلوب جديد وهو “تهدئة الأمور·· والعملية التي حدثت قام بها مجموعة من الشباب الصغار غرر بهم”·
موضحا أن هذا الأمر”غير صحيح” فالعملية مرتب لها ومن ورائها تنظيم دولي إسلامي إرهابي والدليل على ذلك أن أسامة بن لادن ربط عملية الكويت وما حدث في اليمن وأندونيسيا “فلا يمكن معالجة قضية الإرهاب على أنها قضية محلية صغيرة”·
وقال “إن هذه العملية ليست محلية بل عالمية لها أبعاد أكبر من الكويت وراءها تنظيم القاعدة وأناس خططوا لها منذ سنوات عدة” مشيرا إلى أنه “ليس صحيحا ما يقال أن أنس الكندري هو زعيم (أمير الجماعة) في الكويت”·
وحول معالجة الحكومة لهذه القضية قال د· شملان “إن سياسة المعادلة وترضية الخواطر والخوف أكثر من اللازم من مجلس الأمة والجماعات الإسلامية هي التي دفعت الحكومة لاتخاذ سياسيات مترددة وخائفة على حساب مصلحة الوطن وهذا أكثر شيء يواجهه البلد اليوم”·
المشكلة في التربية
وحول وجهة نظره لمكافحة ومعالجة التطرف والإرهاب قال د· شملان “نحن لا ندعو إلى ظلم أو ضرب أحد بل ندعو إلى تطبيق القانون فنحن دولة دستور وقانون وليس دولة شرعية كما يدعي وزير العدل”·
وأضاف “لايمكن القضاء على الإرهاب بالمراوغة والمناورة السياسية واحتساب المعادلات وتقديم حلول الوسط فالقضية كبيرة ومعقدة ولها ترسبات كبيرة أكبر من معالجة تتطلب سنوات لحلها”·
وتطرق د· شملان إلى موضوع التطرف قائلاً “إن التطرف بدأ من المخيمات” موضحا أن المشكلة ليست في مناهج التربية إنما في مدرسي التربية ممن يقومون بتدريس مادة التربية الإسلامية” فمعظمهم ينتمون إلى جماعة الإسلام السياسي”·
أما عن كيفية معالجة موضوع التطرف قال “هذا يتطلب معالجة من قبل الحكماء في البلد والمتخصصين البعيدين عن السياسة والإسلام السياسي ووزارة التربية·· لأن البلاوي كلها من وزارة التربية·
وأضاف “الجماعات الإسلامية يوميا يخرقون القانون وقد سبق وأن حذرنا الحكومة منذ أكثر من عشرين عاما “بدءا من مخازن الأسلحة والاعتداء على البنك التجاري”·
مضيفا أن “هذه الجماعات هي التي تقوم بالعمليات الإرهابية”·
قائمة الإرهاب
وأشار إلى موضوع ردودالأفعال الدولية لا سيما أمريكا بعد أحداث فيلكا قائلا إن أمريكا “ستعيد النظر بالنسبة الى علاقاتها مع الكويت وقد تصنفها على قائمة الإرهاب·· وهي الآن وإن كانت منشغلة في موضوع العراق إنما أصبحت بؤرة لتصدير الإرهاب·
حتى ثبت عمليا أن عملية أندونيسيا وراءها أشخاص كويتيون·
من جانب آخر اعتبر عضو المجلس البلدي أحمد لاري أن اعتداءات فيلكا “تضر بمصحلة الكويت” مشيدا بدور الحكومة وتعاملها مع الحدث تعاملا سريعاًَ وأثبتت كفاءة أجهزتها الأمنية·
وقال لاري لـ “الطليعة” إن الكويت دولة قانون ونحن في محيط من المتغيرات الكبيرة “فالأفضل لنا كشعب وحكومة أن نعزز المشاركة الشعبية والديمقراطية لأنها هي الرد الفعال على مثل هذه الأحداث المتوقعة في المستقبل”·
وأعرب عن اعتقاده بأن التيارات السياسية في الكويت واعية وملتفة حول الشرعية والدستور والقانون داعيا إلى ضرورة التعاون ومن خلال القانون موضحا أن مثل هذه الأمور تحدث في كثير من الدول سواء في أمريكا أوغيرها مهما وضعت من ضوابط أمنية·
إعادة النظر
وشدد لاري على أهمية عدم الأخذ بجريرة أو جرم الآخر “فكل مسيء يجب أن يأخذ جزاءه وإذا كان الإنسان بريئاً لا يجب أن يذهب بجريرة الآخر”·
وأعرب عن أمله بأن تهدأ المنطقة ويزول نظام صدام حسين وتسود الديمقراطية والحرية المنطقة حتى يتسنى لشعوبها أن تدير أمورها بنفسها·
وحول المطلوب من الجمعيات الدينية قال لاري إن هذه الجمعيات يفترض أن تعطي الأولوية للنشء “وأنا لا أعتقد أن الجمعيات تقوم بتنشئة النشء على أعمال العنف والدليل أن نسبة هذه الحوادث لا يمكن مقارنتها بعدد منتسبي الجمعيات”·
وأضاف الجمعيات الدينية لها إنجازات لا يمكن إنكارها ولكن إذا كان هناك تقييم وإعادة نظر لاستراتيجية عمل الجمعيات بحيث يكون لها دور مواكب مع نهج العصر”·