رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 13-19 شعبان 1423هـ الموافق 19-25 أكتوبر 2002
العدد 1549

في مقابلة صحافية دحض فيها أفكار اليمين الأمريكي
نعوم تشومسكي: اللجوء إلى القوة العسكرية قد يفجر العالم في وجه الولايات المتحدة

وفيما يلي تفاصيل المقابلة·

 

·        هل صدام حسين شرير كما تصفه وسائل الإعلام الكبرى داخليا ودوليا؟

 

- هو شرير بقدر ما يقولون، وفي مرتبة سوهارتو ووحوش آخرين في هذه الحقبة الحديثة· فلا أحد يتمنى أن يكون في متناول يد صدام، لكن لحسن الحظ، فإن يده ليست طويلة·

دوليا، غزا صدام إيران “بدعم الغرب” وعندما صارت رياح الحرب تهب بما لا يشتهي لجأ الى الأسلحة الكيميائية “بدعم الغرب أيضا” لقد غزا الكويت ثم أخرجوه منها بسرعة· غداة حصول الغزو، كان هناك خوف شديد في واشنطن من أن ينسحب صدام بسرعة ويضع “دميته في السلطة ويكون الكل سعيدا في العالم العربي” (كما قال كولن باول عندما كان رئيسا للأركان) وكان الرئيس جورج بوش (الأب) يخشى من أن المملكة العربية السعودية قد تتراجع وتقبل بنظام دمية في الكويت إلا إذا حالت الولايات المتحدة دون الانسحاب العراقي· وعلى وجه التحديد، كانت الولايات المتحدة تخشى من أن يقلد صدام ما فعلته الولايات المتحدة نفسها في بنما “باستثناء أن الأمريكيين اللاتينيين لم يكونوا سعداء قط” ومنذ اللحظة الأولى، سعت الولايات المتحدة الى تفادي هذا “السيناريو الكابوسي” وهذه قصة ينبغي النظر فيها بعناية·

ذلك أن أكبر جرائم صدام كانت في داخل العراق، بما في ذلك استخدام الأسلحة الكيميائية ضد الأكراد وذبح عدد هائل منهم في أواخر ثمانينات القرن العشرين، والتعذيب البربري وكل جريمة بشعة يمكنك تصورها· وكل ذلك يشكل رأس قائمة الجرائم الرهيبة التي يدان بها اليوم بحق· ومن المفيد أن تسأل كم مرة كانت الإدانات الباردة والتعبيرات الأنيقة عن الغضب مصحوبة بعبارة قصيرة: “بمساعدتنا”·

في الغرب، كانوا يعرفون عن الجرائم فورا· لكن لا يهتمون بها، وقد تلقى صدام تعنيفا لطيفا أحيانا، وكانت الإدانة القاسية من الكونغرس تعتبر متطرفة من جانب بعض المعلقين البارزين· وقد واصل الريغانيون وبوش الأول الترحيب بالوحش باعتباره حليفا وشريكا تجاريا رفيع القيمة حتى من خلال أسوأ فظائعه وأبعد منها· فقد وافق بوش “الأب” على التصريح بتقديم ضمانات قروض إليه وبيعه تكنولوجيا متطورة ذات تطبيقات واضحة في مجال أسلحة التدمير الشامل حتى يوم غزو الكويت، وأحيانا بالقفز فوق جهود الكونغرس الرامية الى وقف ما كان يفعل· وكانت بريطانيا لا تزال تصرح بتصدير المعدات العسكرية والمواد المشعة قبل بضعة أيام من الغزو· وعندما اكتشف مراسل محطة “آي· بي· سي” تشارلز غلاس الذي هو الآن معلق لدى ZNET منشآت للأسلحة البيولوجية، نفى البنتاغون فورا اكتشافاته واختفت القصة· ثم تم الكشف عن ذلك عندما ارتكب صدام جريمته “الحقيقية” الأولى وتمرد على الأوامر الأمريكية “أو ربما لم يفهمها” بغزوه الكويت فتحول فورا من صديق الى “أتيلا زعيم الهون”· ثم استعملت المنشآت نفسها لإثبات طبيعته الشريرة المتأصلة· وعندما أعلن بوش الأول تقديم هدايا لصديقه في ديسمبر من عام 1989 “وهدايا أيضا للقطاع الزراعي والصناعي في الولايات المتحدة” اعتبر بعضهم ذلك أقل أهمية من أن يستحق الذكر، لكن من يرغب يستطيع القراءة عن ذلك في مجلة Z Magazine في ذلك الوقت وربما ليس في أي مصدر إعلامي غيرها· وبعد أشهر عدة، وقبل وقت قصير من غزو الكويت، زارت بعثة رفيعة من الكونغرس برئاسة الجمهوري بوي دول “الذي صار في ما بعد مرشحا رئاسيا” صدام وحملت إليه تحيات الرئيس وطمأنت مرتكب القتل الجماعي الى أن عليه تجاهل الانتقادات التي يسمعها من المراسلين في الولايات المتحدة، بل إن صدام استطاع التحرر الى حد أنه هاجم سفينة “يو إس إس ستارك الحربية الأمريكية فقتل العشرة من بحارتها· وكان ذلك دلالة على احترام حقيقي لصدام· والبلد الوحيد الآخر الذي حصل على مثل هذا الامتياز “ضرب سفينة” هو إسرائيل في عام 1967 “عندما أغرقت سفينة “ليبرتي” الأمريكية” ورضوخا لصدام، حظرت وزارة الخارجية الأمريكية كل الاتصالات مع المعارضة الديمقراطية الأمريكية وحافظت على هذه السياسة حتى بعد حرب الخليج “الثانية” عندما سمحت واشنطن لصدام بسحق التمرد الشيعي الذي كان يمكن أن يطيحه، وذلك لمصلحة المحافظة على الاستقرار، حسب ما أوضحت الصحافة، أما كون صدام مجرما كبيرا، فذلك لا شك فيه· وهذا لا يتغير بفعل حقيقة أن الولايات المتحدة وبريطانيا كانتا لا تريان فظائعه الكبرى مهمة في ضوء “المصالح العليا للدولة” قبل حرب الخليج “الثانية” وحتى بعدها، وهذه حقائق يتمنون نسيانها·

 

·        إذا نظرنا الى المستقبل، فهل يعتبر صدام خطرا بالقدر الذي تصوره وسائل الإعلام الكبرى؟

 

- العالم سيكون أفضل لو تخلص من صدام، وهذا لا شك فيه، والعراقيون سيكون وضعهم أفضل· لكنه لا يمكن أن يكون اليوم أشد خطرا مما كان عندما كانت الولايات المتحدة وبريطانيا تساندانه وتوفران له التكنولوجيا ذات الاستعمال المزدوج التي كان قادرا على استعمالها لتطوير أسلحة نووية وكيميائية كما فعل على سبيل الاحتمال· وقبل عشرة أعوام كشفت اللجنة المصرفية في الكونغرس عبر جلسات الاستماع أن إدارة بوش “الأب” كانت تمنح شهادات لتصدير التكنولوجيا ذات الاستعمال المزدوج التي استعملها النظام العراقي لاحقا لأغراض الصواريخ النووية والكيميائية، وأضافت جلسات استماع أخرى المزيد، وهناك تقارير صحافية وأدبيات عملية حول الموضوع “ومنها أدبيات المعارضين”·

كانت حرب عام 1991 شديدة التدمير، ومذذاك تعرض العراق لخراب بفعل عقد من العقوبات أدت على سبيل الاحتمال الى تقوية صدام نفسه “بإضعاف أي مقاومة محتملة في مجتمع محطم” لكن أضعفت بقدر كبير قدرته على شن الحرب أو تقديم الدعم للإرهاب· وفوق ذلك، بقي نظامه منذ عام 1991 مقيدا بمنطقتي “حظر جوي” وبعمليات قصف جوية متكررة ومراقبة شديدة· والأرجح أن أحداث 11 سبتمبر أضعفته أكثر· وإذا كانت هناك أي علاقات بين صدام و”القاعدة” فإنه يصعب المحافظة عليها في ضوء إجراءات المراقبة الشديدة· وبمعزل عن ذلك، ليس هناك أي أدلة، وهذا ليس مفاجئا· ذلك أن صدام وبن لادن عدوان لدودان أحدهما للآخر، وليس هناك أي سبب يدعو الى افتراض حدوث أي تغيير في هذا الشأن·

والاستنتاج المنطقي يقول إن صدام هو على سبيل الاحتمال أضعف خطرا الآن مما كان قبل 11 سبتمبر، وأضعف بكثير مما كان عندما تمتع بمساعدة كبيرة من الولايات المتحدة وبريطانيا “وكثير غيرهما” وهذا يطرح بعض الأسئلة· فإذا كان صدام يشكل خطرا على بقاء الحضارة اليوم، وإذا كان حامي الحضارة مضطرا للجوء الى الحرب، فلماذا لم يكن هذا صحيحا قبل سنة؟ ولماذا لم يكن صحيحا في مطلع تسعينات القرن العشرين؟

 

·        كيف ينبغي إذن التعامل مع قضية وجود أسلحة التدمير الشامل واستعمالها في عالم اليوم؟

 

- هذه الأسلحة ينبغي إزالتها· إن معاهدة حظر الانتشار تلزم البلدان التي تملك الأسلحة النووية بأن تتجه نحو إزالتها· والمعاهدات الخاصة بالأسلحة الكيميائية والبيولوجية تشمل الغاية نفسها· والقرار الرئيسي لمجلس الأمن الدولي “الرقم 687 الصادر عام 1999” يدعو الى إزالة أسلحة التدمير الشامل ووسائل نقلها “أي الصواريخ وغيرها” من الشرق الأوسط، والعمل باتجاه حظر عالمي للأسلحة الكيميائية· وهذه نصيحة جيدة·

لكن العراق ليس في أي حال من يحتل الموقع الأول في هذا الخصوص· ويمكننا أن نتذكر تحذير الجنرال لي باتلر رئيس القيادة الاستراتيجية في عهد كلينتون في مطلع التسعينات عندما قال إنه “من قبيل الخطر الشديد، وفي برميل العداوات في ما نسميه الشرق الأوسط أن تسلح دولة واحدة نفسها بمقادير كبيرة من الأسلحة النووية التي ربما تكون بالمئات فُتُلْهِمُ الدول الأخرى على أن تحذو حذوها”· لقد كان يتحدث عن إسرائيل طبعا· والسلطات العسكرية الإسرائيلية تدعي أنها تملك قوات جوية وقوات مدرعة أكبر وأفضل تطورا مما هو موجود لدى أي بلد أوروبي عضو في حلف شمال الأطلسي (اسحق بن إسرائيل، هآرتس، عدد 16 إبريل 2002” وهي تعلن أيضا أن 12 في المئة من قاذفاتها وطائراتها المقاتلة تتمركز بصورة دائمة في شرق تركيا مع قوة مماثلة من السفن الحربية والغواصات في قواعد بحرية تركية، وفوقها أيضا قوات مدرعة قد تقتضي الضرورة اللجوء إليها لإخضاع أكراد شرق تركيا في سنوات كلينتون· ويقال إن الطائرات الإسرائيلية المتمركزة في تركيا تقوم بمهمات استطلاعية على طول حدود إيران وذلك كجزء من سياسة تركية - أمريكية - إسرائيلية لتهديد إيران بالهجوم أو ربما بتقسيمها· ويقول المحللون الإسرائيليون إن غاية المناورات العسكرية التركية - الأمريكية - الإسرائيلية هي تحذير إيران، وتهديد للعراق طبعا، (Robert Olson, Middle East Policy, June 2002) ولا شك في أن إسرائيل تستعمل القواعد الجوية الأمريكية الضخمة في تركيا حيث يقال إن الطائرات الأمريكية مزودة بأسلحة نووية·

أما بقية المنطقة فمدججة بالسلاح حتى الأسنان· وحتى لو كان العراق محكوما بشخص مثل غاندي لكان لجأ الى تطوير منظومات سلاح بقدر ما يستطيع، وربما بأعظم مما يستطيع الآن· وهذا سيتواصل على الأرجح وربما يتسارع إذا نالت الولايات المتحدة السيطرة على العراق· ذلك أن الهند وباكستان حليفتان للولايات المتحدة، لكنهما تواصلان تطوير أسلحة التدمير الشامل، وكانتا مرات عدة قريبتين من استعمال الأسلحة النووية· وهذا ينطبق على الأصدقاء الآخرين للولايات المتحدة وزبائنها·

وهذا سيستمر على الأرجح ما لم يحدث خفض شامل للتسلح في المنطقة·

هل يوافق صدام على ذلك؟ في الواقع، لا نعرف، في مطلع يناير من عام 1991، عرض العراق كما كان يبدو الانسحاب من الكويت في إطار مفاوضات إقليمية أو خفض التسلح، وهذا عرض وصفه مسؤولو وزارة الخارجية “آنذاك” بأنه جدي وقابل للتفاوض لكننا لم نعرف أكثر من ذلك، لأن الولايات المتحدة رفضته من دون رد، ولم تذكر الصحافة شيئا عنه بعد ذلك· غير أنه حظي ببعض الاهتمام قبيل بدء الغارات الجوية· فقد كشفت استطلاعات الرأي أن ثلثي الرأي العام الأمريكي كان يؤيد الاقتراح الذي قدمه صدام ويفضله على القصف، ولو كان مسموحا للناس أن يعرفوا عنه أكثر لكانت الغالبية أكبر بكثير· والتكتم على الحقائق كان يمثل خدمة مهمة من أجل قضية عنف الدولة· فهل كان يمكن أن تؤدي مثل هذه المفاوضات الى أي نتيجة؟ ليس هناك ثقة بغير الأيديولوجيين المتعصبين· وهل يمكن إحياء مثل هذه الأفكار؟ النتيجة نفسها، وحتى تعرف لماذا ينبغي أن تجرب·

 

·        البعض يجادل بأن هناك تسويغا كافيا للتعامل مع قدرات العراق في أسلحة التدمير الشامل بطريقة مختلفة عن التعامل مع الدول الأخرى لأنه استنادا الى القرار 687 الذي وافق عليه صدام يتوجب على العراق أن ينزع أسلحته كجزء من معاقبته على انتهاكه السافر للقانون الدولي بغزوه الكويت· فهل يملك المجتمع الدولي تسويغا لتقييد أسلحة التدمير الشامل العراقية؟ وإذا قبلنا هذه الحجة كما هي، فما التداعيات الدولية؟ وهل هناك شكل آخر لهذه الحجة ذو منطق ومنهجية أفضلين، وما تداعياتهما؟

 

- كما لاحظنا، فالقرار 687 فيه بنود أخرى، بل بنود مهمة·

إن غزو الكويت يمثل واحدة من جرائم صدام الدنيا، وهو لا يختلف كثيرا عن جرائم الولايات المتحدة في مجالاتها التقليدية غزو بنما قبل أشهر عدة من ذلك، الذي لم تكن له ذريعة ذات مصداقية حتى بالحد الأدنى· والفرق الرئيسي أن الولايات المتحدة تملك حق النقض “الفيتو” لإدانة الغزو، بغض النظر عن الإدانات القوية الصادرة من ديمقراطيات أمريكا اللاتينية “التي لا تذكر إلا نادرا” ثم لتفعل أساسا ما تريد· وكما ذكرت، فقد خافت واشنطن من أن يقلد صدام غزو بنما وعملت ما في وسعها لمنعه· وفي المنطقة نفسها، لا يمكن مقارنة غزو الكويت، بغض النظر من مقدار إجرامه، بالغزو الإسرائيلي للبنان المدعوم من الولايات المتحدة الذي خلف 20 ألف قتيل· وهناك سهولة تؤدي الى الإرباك في مواصلة عرض الحالات الأسوأ التي نعرفها جميعا·

بمعزل عن ذلك، تكون جميع هذه الحجج مجانبة للقضية· فالذين يعتقدون أن قرارات مجلس الأمن الدولي قبل عقد من الزمن “وهي لم تقل شيئا عن استعمال القوة” تخول الولايات المتحدة بطريقة غير مباشرة يمكنهم أن يفعلوا ذلك بطريقة سهلة جدا حتى يثبتوا أنهم جديون يمكنهم أن يحثوا الولايات المتحدة على اللجوء الى مجلس الأمن حتى يسمح لها باستعمال القوة وفقا للبند السابع· وهذا يسوي المسألة· والتصريح باستعمال القوة يمكن الحصول عليه فالفيتو غير مرجح، لكن الولايات المتحدة لا تريد مثل هذا التصريح على الأقل الآن، أي على نحو ما رفضته عندما اختارت أن تقصف أفغانستان، على الرغم من أن التصريح كان مقدرا أن يعطى لها· ولهذه الأسباب وحدها، يكون النقاش في ذلك بلا معنى·

أما بالنسبة الى “المجتمع الدولي”، فهو يعني من الناحية العملية الولايات المتحدة وأي دولة تمشي معها·

وبطريقة أكثر عمومية، يمكن أن يكون هناك مغزى في محاولة تطبيق معاهدة حظر الانتشار، ومعاهدات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية والبنود ذات الصلة في القرار 687، وذلك للتقدم الى الأمام بجهود أكثر جدية نحو نزع السلاح· لكن أي خطوة من هذا النوع تحتاج الى موافقة الولايات المتحدة· وهذا أمل بعيد إلا إذا حدثت تغييرات مهمة في الولايات المتحدة·

 

·        برأيك، ما الدوافع الحقيقية نحو حرب محتملة؟

 

- هناك أسباب قديمة ذات خلفية بعيدة معروفة جيدا· فالعراق يملك ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم· وقد كان مرجحا على الدوام أن الولايات المتحدة ستحاول عاجلا أم آجلا أن تضع هذه الغنيمة الضخمة تحت السيطرة الغربية، وتعني الآن السيطرة الأمريكية وأن تمنع الآخرين من الوصول إليها، لكن هذه الاعتبارات بقيت مجمدة لسنوات طويلة· وقد وفر الحادي عشر من سبتمبر فرصا جديدة لمتابعة تنفيذ هذه الغايات تحت ذريعة “الحرب على الإرهاب” وهي ذريعة ضعيفة لكنها تكفي لأغراض الدعاية· والحرب المخططة يمكن أن تخدم حاجات داخلية ملحة أيضا· وهناك سر لا يكاد يكون سرا ومفاده أن الولايات المتحدة تشن هجوما على شعب بكامله وعلى أجيال مقبلة لمصلحة قطاعات ضيقة في المال والسلطة تخدمها بولاء وتتخطى المعايير العادية· وفي ظل هذه الظروف، يكون منصوحا بأبعاد الاهتمام عن الرعاية الصحية، والتأمينات الاجتماعية، والعجز في الميزانية، وتدمير البيئة، وتطوير نظم أسلحة جديدة يمكن أن تؤدي الى تهديد بقاء الحياة، ولائحة طويلة من الموضوعات غير المرغوب فيها· والنصيحة التقليدية والمقبولة هي ترهيب الشعب· وذات مرة، قال الكاتب الأمريكي الساخر العظيم هـ · ل· منكن “إن الهدف الكلي للسياسات العملية هو إبقاء الناس في حالة استنفار (حتى يكونوا منقادين بقضية الأمن) بتهديدهم بطائفة من الوحوش الذين هم خرافيون”· والتهديدات التي نتحدث عنها ليست خرافية إلا في ما ندر، لكن يجري تضخيمها من دون أي سبب وهذا يشكل جزءا من قصة “السياسات العملية” وليس في الولايات المتحدة وحدها· ولا يحتاج المرء الى مهارة كبيرة حتى يستعيد صورة لصدام حسين باعتباره أكبر شيطان يكاد يدمر العالم وربما الكون· وعندما يرتجف شعبنا من الخوف وهو يرى قواتنا البارعة تتفوق بأعجوبة على هذا العدو الخطر، فربما يغرب عن اهتمام الشعب ما يفعلونه به، أو ربما ينضم الى جوقة المثقفين البارزين الذين يمجدون “قادتنا”· إن قوة الولايات المتحدة هي الاتساع الاستثنائي الذي يتيح استعمال الكثير من الاحتياط في حال حدوث ما هو غير مرغوب فيه· وإذا حدث ذلك، يمكن إغراقه بعيدا في ظلمات الذاكرة أو إلقاء اللوم على الآخرين· وهناك تجربة عظيمة يمكن الاستفادة منها·

 

·        كيف يمكن أن تكون تداعيات الحرب في الشرق الأوسط، وأجزاء أخرى من العالم· هل تهتم بذلك نخب الولايات المتحدة؟

 

- النخب تهتم طبعا، وإن كانت المجموعة الصغيرة التي تمسك زمام السلطة لا تهتم كثيرا· فهذه المجموعة تعتقد أنها تملك قوة ساحقة تدفعها الى اللامبالاة بما يقوله الآخرون ولسان حالها يقول: إذا لم يسايرونا نهملهم، وإذا وقفوا في طريقنا نسحقهم· وقد ظهرت منهجية التفكير لدى الطبقات العليا عندما زار ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير عبدالله الولايات المتحدة في إبريل حتى يحث واشنطن على أن تولي بعض الاهتمام لردة فعل العالم العربي على دعمها القوي للإرهاب والقمع الإسرائيليين· وفي الواقع، قيل له إن الولايات المتحدة لا تبالي بما يقوله هو أو يقوله آخرون في العالم العربي· وقد أوضح مسؤول رفيع المستوى ذلك بقوله إنه “إذا كان (الأمير عبدالله) يعتقد أننا كنا أقوياء في عاصفة الصحراء، فنحن اليوم أقوى مما كنا بعشر مرات· وكان القصد أن نعطيه فكرة عما أثبتته أفغانستان عن قدراتنا”· وقد أعطى محلل دفاعي كبير تعبيرا أكثر بساطة عندما قال: “الآخرون يحترموننا بفضل قساوتنا فلا يعبثون معنا”· وهذا الموقف له سوابق لا نحتاج الى ذكرها· لكن في عالم ما بعد 11 سبتمبر هذا الموقف يكتسب قوة جديدة· فهل هم على حق؟ ربما أو ربما ينفجر العالم في وجوههم، وقد يكون ذلك بعد “فاصل قصير” كا يقال بلغة الدبلوماسية· ومرة ثانية أقول إن اللجوء الى العنف الواسع تتبعه عواقب عظيمة المفاجآت، على نحو ما يكشف التاريخ وتقول لنا الحكمة، ولهذا السبب يتفاداه العقلاء، سواء في العلاقات الشخصية أو في العلاقات الدولية، إلا إذا كانت هناك حجة شديدة القوة من أجل “التغلب على العوائق العنيدة أمام استعمال القوة العسكرية” (في استعارتنا لجملة المثقف الريغاني نورمان بودهوريتش وهو يقلد غوبلز)·

المصدر

www.zmag.org

طباعة