حاوره في الجزائر: نشمي مهنا
طيوف مختلفة تشترك في رسم المشهد الشعري في الجزائر، البعض منها مغرم بلغته العربية، كأداة حية معبرة عن الهم العربي، وأخرى اضطرتها الظروف السياسية إلى العبور إلى الهم نفسه إنما بلغة أجنبية “الفرنسية”، ليصل الجميع، كل في لغة وشكل شعري (سواء التقليدي أو التفعيلة أو قصيدة النثر) إلى مصب واحد·
الشاعر الجزائري الشاب عثمان لوصيف هو أحد تلك الأصوات الشعرية المهمة في الساحة الجزائرية، وإن اشتكى وأصحابه من غياب التواصل الثقافي مع إخوانهم في المشرق·
وقلّل لوصيف في حديثه من خطورة الغربة اللغوية التي فرضها الاستعمار الغربي منذ عقود على أرض الجزائر، لأنه يرى أن هولاء الكتّاب الفرانكفونيين وفي فوارت الثورات الوطنية كانوا يحاربون المستعمر بلغته·
بعيداً عن الجحيم الدائر على أرض الجزائر، وبشاعة المذابح التي تبرر دمويتها دائماً بفرض تعاليم الدين في المجتمعات الجاهلية (!)، وقضايا النحر الفكري في شوارع العاصمة، كانت لنا خلوة بالشاعر لوصيف على “جزيرة الشعر” في الجزائر:
· من الملاحظ غزارة نتاجك الشعري (مايقارب 17 مجموعة شعرية) ماذا أردت أن تقول؟
- أردت بالكلمة أن أتخطى الحدود الجغرافية الوهمية، وأن تتعانق قلوبنا كمثقفين وكتّاب وشعراء مع إخواننا في مشرقنا، فنحن أبناء أمة واحدة من محيطها حتى الخليج، فنبض قلوبنا واحد، وهمنا مشترك بالطبع·
وأرى أن علينا مسؤولية كبيرة كمثقفين في تقريب هذه الفجوة، بدافع إيماني بأن وطننا واحد تربط بين أطرافه الكلمة، لذلك أحترفها بحب·
· وهذا الغياب الذي ينأى بكم كشعراء مغاربة (المغر ب العربي) عن ساحتنا الثقافية العامة، بماذا تفسره؟
- أعيد ذلك إلى التاريخ السياسي، حينما كان يحاول الاستعمار تفكيك الوحدة العربية، والذي تعرضنا هنا في الجزائر إلى أبشع صوره، محاولة منه في نفي هويتنا العربية وإلصاقنا به كجزء فرنسي، للدرجة التي كان يمنع بها تعلم اللغة العربية وتدريس القرآن الكريم، لكن المجتمع الجزائري تحدى هذا الصلف، وأرى شخصياً أن المثقف هو المنوط به القيام بمثل هذا الدور الريادي، في حمل الشعلة والتقدم رغم كل الصعاب أو حتى العثرات·
· الكثير من المثقفين والكتّاب في الجزائر يكتبون باللغة الفرنسية، فهل يوجد صراع ثقافي بينكم (ككتاب بالعربية) وبين هؤلاء···؟
- هذا موجود·· لكن هؤلاء قلائل جداً، فالجزائريون الذين كتبوا أيام الاحتلال بالفرنسية لم تتح لهم الفرصة أن يتعلموا العربية، واضطروا إلى التعبير عن آمالهم وطموحاتهم باللغة الفرنسية، وهؤلاء معدودون، أما من أتيح له الآن أن يتعلم اللغة العربية فلا عذر له في مخاطبة القارئ العربي بلغته·
· الرئيس الجزائري حيا في إحدى خطبه من يكتبون باللغة الفرنسية وذكر أنهم كانوا سبباً في انتشار ثقافة الجزائر في أوروبا
- طبعاً، فهؤلاء كما قلنا كتبوا بالفرنسية بسبب الظروف السياسية والاستعمارية التي فُرضت عليهم، فاضطروا إليها، لكن روح الكتابة التي مارسوها ظلت عربية، بل حاربوا الاستعمار نفسه بلغته، وهؤلاء هم من أعتز بهم·
· ألا يوجد تناقض في ذلك، حيث إن اللغة تحمل معها ثقافتها وأفكارها وقناعاتها·· وقلما تخون؟
- من نتحدث عنهم عاشوا سجناء داخل اللغة الفرنسية، ولكنهم عبروا عما يختلج في أعماقهم بها·
وحالياً يوجد جيل جديد قد يعيد ترتيب الأولويات الثقافية واللغوية، وكلي أمل بذلك··
· ما تقييمك لنتاج الجيل الجديد من الشعراء في الجزائر؟
- نحن نعاني من ظروف العزلة وعدم التواصل الثقافي بين المشرق والمغرب العربي، ونعيش حصاراً ثقافياً هنا، ونأسف كثيراً لغياب إصدارات المشرق عنا من مجلات وكتب ودوايين شعرية جديدة·
· ما السبب في الحصار؟ ومن المسؤول عنه؟
- سؤالك يعيدني إلى إجابة سابقة ترجع أغلب مشاكلنا، وحصارنا الحالي إلى الظرف السياسي (الاستعماري) الذي كنا نعيشه·
· بودي أن أعيد سؤالا سابقا حول تقييمك لكتابات جيل الشباب في الجزائر؟
- أحيي الجيل الجديد من الكتاب الجزائريين، رغم فقدان الحركة النقدية هنا في الجزائر، وعدم وجود مجلة أدبية متخصصة، وغياب التواصل فيما بيننا·
· هل هناك حركة، أدبية تجديدية كقصيدة النثر مثلاً في الجزائر؟
- بالطبع توجد حركة تجديدية، فبالجزائر كتابات كثيرة، هناك من يكتب القصيدة التقليدية (العمودية)، وقصيدة التفعيلة، وأخرى حداثية مثل قصيدة النثر، وبالنسبة إلي شخصياً كتبت بالأشكال الثلاثة·
· ما مستقبل قصيدة النثر على المستوى العربي كما ترى؟
- أؤمن أن قصيدة النثر صعبة جداً وليست بالسهولة التي يراها القرّاء، أو من يستسهلونها كالبعض من كتّابها، لأنها تشترط وجود الشاعر المتمكن ومن لديه موهبة شعرية حقة، بعد ذلك باستطاعته أن يبدع ويبتكر فيها·
وقصيدة النثر موجودة بكثرة، لكن النماذج الجيدة كما أرى قليلة جداً، رغم تفاؤلي بالمقبل من كتابات شبابية موهوبة·
· ما مدى تقبل الجمهور الذي تعود على الموسيقى الشعرية لقصيدة النثر؟
- هذه الإشكالية منتشرة في جميع دول العالم العربي من محيطه حتى خليجه، وأعتقد أن الكتاب المدرسي في المراحل التعليمية قد عوّدنا على الإيقاع الموسيقي من خلال تكريس القصائد العمودية، وبالتالي فلن يتقبل قصيدة النثر بسهولة، فالأمر يحتاج إلى جهد ومثابرة حتى نتمكن من تغيير القناعات، وعلى تقبل الأذن العربية للموسيقى الداخلية في قصيدة النثر، بعدها نضمن تذوق القارئ العربي لها بعيداً عن ضجيج القافية·
· من الأسماء التي تسيدت المشهد الشعري العربي في قصيدة النثر كما ترى؟
- ليس لدي اطلاع كامل على ما يكتبه الشباب حالياً، بسبب النقص المخل في أعداد المجلات الأدبية المتخصصة في أسواقنا الجزائرية، فهي نادرة ولا يتمكن القارئ الجزائري من المتابعة، أو تكوين تصور عما يكتب عربياً، وبالإمكان استثناء مجلة “العربي” الكويتية فقط، التي كسرت الحواجز فنتلقفها بفرحة غامرة·
· ما السبب في تطرقك الدائم للقضايا السياسية في قصائدك؟
- في بداية كتاباتي كنت أتوجه إلى ألوان وأغراض مختلفة كالغزل وتمجيد الثورة الجزائرية والفلسطينية، بسبب معايشتي للثورة الجزائرية، ولا يمكن أن أتخلى - الآن - عن أسلوبي الكتابي (في السياسة) وأنا أشهد يومياً المؤمرات وقد حبكت لوطننا العربي، ومما يعطيني في الوقت نفسه دلالة عبقرية أمتنا وقدرتها على اجتياز كل تلك المؤامرات·· لذا أنا متفائل·
· والأنظمة··؟
- لم تستطع الأنظمة العربية تحقيق طموحات شعوبها· فالآن·· لو فتحت لها الحدود لسارت على أقدامها إلى أرض فلسطين··
· هل أصبح للشعر مكان في ظل ما نشهده من تطورات وما نعيشه من تكنولوجيا؟
- أعتقد أن الإنسان مخلوق وله روح وحس ولا يمكن له أن يخرج عن الفطرة التي أعطاها له الله، فالإنسان بروحه ونبضه وطموحاته لا يمكن أن يتحول إلى روبوت أو آلة، وأعتقد أن الشعراء في هذا العصر سيتجهون اتجاها “روحيا” أقوى لأن الشعر هو في حديث الروح وخطابها، وربما هو سر من أسرار توجهي الصوفي، وآخر ما طبعت هو ديوان “قالت الوردة” وهو قصيدة إنسانية صوفية·
فأدعو المثقف العربي إلى أن يساهم في صيرورة التاريخ، وأن يكون له أثر في هذه الحضارة التي نعيشها وأن يقتحم هذا التغير الذي يطرأ·
· كيف يسهم وهو تحت ضغوط الأنظمة؟
- يسهم بكلمته - التي هي سلاحه·
· وإن قيدت؟
- عليه أن يضحي مهما كان الثمن، فمنذ بداية التاريخ والمثقف هو الذي يدفع الثمن فسقراط حكم عليه بالموت وشرب السم وهو يبتسم راضياً، فالمثقفون في كل زمان يموتون من أجل مبادئ ومن أجل انقاذ البشرية· مهما كان الحصار على المثقف يجب ألا ييأس وعزاء المثقف أن يوصل كلمته للآخرين بأي وسيلة·
· هل ملامح تجربتك الصوفية تمثل تجربة جديدة؟
- لا فمنذ بداياتي كانت لي هذه النزعة الصوفية لكنها تتطور شيئاً فشيئاً·
· هل تمارس عليكم ككتاب وشعراء قيود رقابة من السلطة في الجزائر؟
- نعيش الآن في ظل ديمقراطية وحرية ولكن هناك صعوبة في طرح وتوزيع إصداراتنا والسبب اقتصادي ومادي فقط·
· هل أنت مطلع على الحركة الأدبية في الكويت؟
- لا بكل أسف·
· ما تأثير الجماعات الدينية في الجزائر على حرية الكتابة؟
- الآن نحن نعيش في ظل ديمقراطية فجميع أنواع الكتب العلمية والأدبية وغيرها تباع في كل مكان في الجزائر·