إعداد: دبي الحربي
قانونية الشيك وتأثيراته الاجتماعية والاقتصادية
السادة الإخوة الكرام أعضاء مجلس الأمة المحترمين عدتم والعود سالم:
يامن بذلتهم وسعيتم بكل أمانة وجهد للوصول بقضية تهم شريحة كبيرة من المجتمع على جميع المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسلوكية والسياسية وما كان لها من سلبيات عرضت عليكم نتائجها من واقع دراسات من جهات الاختصاص كل في مجاله، ولكن لم يسعفكم الوقت في دور الانعقاد الماضي وها أنتم الآن قادمون بإذن الله على دور الانعقاد الجديد والأخير راجين من الله أن يسدد خطاكم ويكلل خطواتكم بالنجاح لما فيه الصالح العام للجميع·
إن الوقت والحرص على إثارة المواضيع التي تهم المواطنين والصالح العام والتوجه للعمل على حلها وإيجاد القوانين المناسبة لها والتي تواكب التقدم في شتى المناسبات والمجالات العالمية والسير في ركب التطور العالمي التي تحاول كل الدول في العالم جاهدة أن ترتقي به للأفضل والأحسن، وأنتم كما نعرف عنكم لا تألون جهداً دؤوباً وبخطى قوية لمواكبة كل الأحداث والمتغيرات العالمية للرقي بالوطن والمواطنين إلى الأفضل والأحسن·
إن من هذه المواضيع التي أخذت بعداً اجتماعياً وإنسانياً واقتصادياً وسياسياً على جميع الأصعدة وقد شارك فيها رجالات ذوو اختصاصات كل في مجاله وأدلوا بدلوهم فيها لكشف السلبيات الكثيرة التي توجد بها والسعي لإيجاد حلول لها· ومن هذه المواضيع قضية “الشيك من دون رصيد”·
السادة الأفاضل إخواننا الكرام إن العمل على إيجاد حل جذري لهذه القضية هو المطلب العام والملح على كل المستويات فإن الاستقرار الاجتماعي للفرد هو السبيل الوحيد للارتقاء به بشتى مجالات العمل والنهوض بالكل للصالح العام·
نناشدكم يامن أوكلنا لكم بعد الله الثقة وهي بمحلها إن شاء الله وأنتم أهل لها أملنا بالله وبعد الله بكم أن تكون هذه القضية الإنسانية والاجتماعية بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى هي أولى الأوليات على جدول أعمالكم وأن لا يطول الأمر في تداولها وأن لا تتحول لمجرد عملية مساومات وتصفية حسابات بين الجهتين التنفيذية والتشريعية·
إن الأسر تعاني ضياع الأب والأم والأخ والابن وتشتيت الأولاد والانحراف الذي يصاحب ذلك عندما لايوجد رقيب أو معيل لهذه الأسرة، ثم إن هناك الهدر الذي تعانيه الجهات المعنية بهذه القضية، سواءً للمال أو الوقت·
إن الدراسة التي أعدتها اللجنة المشكلة من مجلس الوزراء وما ورد فيها من بند المصروفات على سجناء “نزلاء السجن العمومي” وعلى أسرهم يجعل المرء يعيد النظر في هذه القضية، فالنزيل يكلف وزارة الداخلية 360 ديناراً شهرياً بحدود 12 ديناراً يومياً، مع استنفار قوة لمطاردة أحد المطلوبين في قضية “الشيك من دون رصيد”، مع العلم أن هناك أموراً كثيرة تستوجب الأولوية، ناهيك عن الأمانة الاجتماعية التي تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية لعائلة السجين حيث متوسط هذه المساعدة 300 دينار شهرياً إذ لم يكن أكثر من ذلك وبحسبة ذلك فإن الدولة تتحمل في أغلب الأحيان مصاريف على نزيل الشيك أكثر من قيمة هذا الشيك·
كما أن وزارة التربية تعاني من تدني المستوى الدراسي لأبناء هؤلاء النزلاء· إن السلبيات في هذه القضية كثيرة وشائكة على جميع وزارات الدولة ومؤسساتها فهل يعقل أن تكون قضية مالية لها كل هذا الأثر السيئ على المجتمع لمجرد أن شخصاً قد وقع على شيك·
لعل البعض ينظر لهذا الطرح على أنه استجداء أو إثارة مشاعر ولكن على العكس إن الموقف والوضع خطير للغاية حيث هناك أعداد كبيرة بقضايا الشيك من دون رصيد منهم الدكتور والضابط والمهندس والمحامي ورجال اقتصاد “تجار” وشبان لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة منهم نزلاء خلف القضبان ومنهم فارون داخل وخارج البلاد·
إن الدولة بحاجة كبيرة لمثل هؤلاء المحكومين بقضايا الشيك من دون رصيد والعدد تجاوز الـ 4500 قضية شخصية·
إن حالات الطلاق بين النزلاء تجاوزت %50·
و هذا القانون المعاق والمعيب في حق الدولة يستوجب وقفة فاحصة من الأساتذة الآفاضل والمستشارين والمشرعين والمنفذين على حد سواء·
إن مدة خمسة وعشرين عاماً منذ تحويله من جنحة إلى جناية تستوجب منا جميعاً الوقف وإمعان النظر بجدية للمصلحة العامة للجميع وليس لحساب مصلحة الفرد على المجتمع حتى وإن كانت فئة المنتفعين من القانون من أصحاب النفوذ عند إصداره·
هناك عيوب كثيرة وثغرات في القانون الحالي خرج فيها عن خطه وجير لخدمة مصالح خاصة، فإننا نتمسك بروح القانون من قبل السادة القضاة المحترمين دون النظر لما في القانون من مواد تجيز الرحمة وإعطاء الوقت لتسوية بين الخصوم حتى في ظل القانون كجناية، حيث إن القانون استغل من قبل مصدر الشيك والمستفيد على حد سواء لاستغلاله كما يحلو له سواءً بحسن نية أو سوء نية، وأبعده عن روح العدل والرحمة التي أوصى بها الله سبحانه وتعالى·
ومن ناحية التطبيق العملي فإننا نطالب بتفعيل صلاحيات القضاء في النظر في الظروف الإنسانية المحيطة بالمتهم وظروف القضية وذلك وفقاً للمواد 81، 82 فهل يعقل أن تجرد ورقة عن سبب إصدارها وموضوعه؟ سؤال نريد الإجابة عنه·
إن المشرع وصف الشيك بأنه ورقة مالية، إذاً وجب على البنك أن يباشر في صرفها لأنه أصبح شيكاً لمن أعطاه الحق في حمل هذه الورقة واستخدامها مثل النقود تماماً التي يصرفها ويختص بإصدارها البنك المركزي ثم لماذا لا يعتد بها بعد إصدارها بستة شهور، وتأخذ صفة الفورية إذا كانت مؤجلة لسنة أو أكثر·
إن القانون الحالي أعطى حق الغرامة والكفالة وجعل عقوبة الحبس آخر حل يلجأ إليه القضاء ولكن للأسف الحبس هو الحل الوحيد المتبع في هذه القضية والنيابة تتمسك بذلك بالمخالفة لدورها الدستوري·
حيث إن موقع الشيك يوقع على سجنه حال توقيعه على هذه الورقة· النيابة العامة أشارت في مذكرتها للجنة الوزارية التي شكلها مجلس الوزراء بأن إبقاء القانون الحالي وبحبس مصدر الشيك قد أتى بثماره الجلية والواضحة حيث إن غالبية من يسجنون يقومون بالدفع·
وهنا سؤال يجب طرحه على النيابة العامة هل علمت النيابة العامة كيف يتم الدفع من قبل هؤلاء المساجين وذلك حتى يحافـظوا على البقية الباقية من كيانهم ويحاولوا أن يعودوا لعملهم ويسترجعوا كيانهم للأسف لا يحصل ذلك لأن الدفع يكون بشيك أو بعدد من الشيكات بديل لصالح الشاكي بدل الشيك القديم وتكون قيمته أكثر من قيمة الشيك المسجون عليه، أي أننا أدخلنا الطرفين في عملية الربط التي يحاربها الله والقانون· أما الحل الثاني للدفع بأن يبيع هذا السجين غالبية ممتلكاته أو عن طريق أخذ قروض ربوية كبيرة مع إدخال عائلته ككفيل معه في هذه القروض وبدل أن يكون عندنا شخص واحد متهم في قضية شيك من دون رصيد يصبح عندنا عدد من المتهمين·
هل هذا هو المطلوب بالدفع كما أشارت إليه مذكرة النيابة العامة؟ ناهيك عن أنه وعندما يتقدم المستفيد من الشيك للنيابة فإنه يلجأ هو أو محاميه إلى الكذب ويدعي أنه لم يستلم أي شيء من قيمة الشيك مع العلم - وهو يعلم تماماً - أن الجزء الأكبر من الشيك قد استلمه ولكن خوفه من أن الاعتراف بهذه الحقيقة أمام وكيل النيابة يسقط تهمة الشيك الجنائية ويحال بهذه الحالة للمطالبة المدنية ويدخل تحت اعتماد أو اعتباره كمبيالة·
وعليه يأخذ الشيك صفة الجرم المدني ويحال للقضاء المدني للبت فيه ولكن نظراً لطول فترة التقاضي المدني ودفع رسوم للمطالبة بقيمة الشيك للدولة، هذا مما يجعل المحامين وأصحاب الشيكات يلتفون للهروب من دفع الرسوم والذهاب للجهة التي تعمل على جباية هذا المال لهم دون عناء، وتتحول الدولة بأجهزتها المختلفة إلى شركة تحصيل لهؤلاء ومعظمهم من المرابين دون أن تتقاضى شيئا، وتخلف أزمة اجتماعية·
وهنا، وبعد هذه الحقيقة التي سقطت عن فكر النيابة العامة نريد أن نعرف رد النيابة والمعنيين بالأمر، على هذا الواقع المر، هل الدفع بهذه الطريقة حل المشكلة أم زادها تعقيداً وسوءاً؟·
وأضاع على الدولة رسوماً وحملها أعباء مالية واجتماعية، أي لحل مشكلة أفراد بافتراض حسن نيتهم حملت المال العام والمجتمع الكثير الكثير، وتحولت النيابة من محام عام إلى محامي حق خاص·
ثم بعد ذلك خرج هذا السجين من السجن ليصطدم بالواقع المر حيث يفقد عمله ولا يحق له التوظف إلا بعد مرور خمس سنوات حيث أصبح من أصحاب السوابق لتعدد قضايا الشيكات عليه ثم أصبح على القائمة السوداء لجميع البنوك والمؤسسات المالية فأين يذهب هذا المنبوذ؟!
ما عليه الآن إلا أن يجلس في بيته ويفقد دوره كرب لهذه الأسرة، أو أنه يلجأ لطرق أخرى تحايلية أو إجرامية ليستطيع تدبير قوت أولاده، ويستعيد كيانه·
ومع الأسف فإن النيابة في ردها حادت عن دورها وماهية وجودها وتحولت من مدافع عن المجتمع والحقوق العامة إلى الدفاع عن الحقوق الخاصة، وفئة من المنتفعين من هذا القانون الجائر والمحير شرعاً، وقانوناً، إذ لا يسنده لا الفقه القانوني ولا الشرعي إضافة إلى آثاره السلبية اجتماعياً واقتصادياً من خلال خلق تعاملات وهمية، فالنيابة لا تنظر للموضوع وملابسات إصدار الشيك وتاريخه وهل كونه سند أمانة أم وسيلة دفع·
وتجريد الشيك من سبب إصداره هو جريمة قانونية وإجحاف بحقوق الفرد المتهم تساهم فيه النيابة والقضاء بجدارة منقطعة النظير، ويتحمل المال العام والمجتمع، ويبقى التساؤل عن وجود شيكات كثيرة في المبلغ نفسه وشيك آخر بإجمالي المبلغ ألا يعني ذلك أنها سندات أمانة وضمان أقساط ليس إلا، ثم لماذا النيابة والمصارف لا تصرف وتتعامل بشيك مؤجل لسنوات ولا تتعامل بشيك أصدر قبل أشهر قليلة ألا يعني أن هناك ازدواجية في الأخذ بمعيار التاريخ، وإذا كان ورقة نقدية هل تفقد قيمتها بعد مضي أشهر ويقبل التعامل بها قبل موعد استحقاق تداولها بسنوات؟ إن كل ما تم في قضية تجريم توقيع شيك من دون رصيد، قد أفقد هذا الموضوع ماهيته الجنائية، فإن كان القصد بالسجن هو الحق العام فلماذا يفرج عن المتهم المحكوم عليه لسنوات فور سداده المبلغ أو الحصول على تنازل بأية طريقة كانت وإن لم يمض من تنفيذ العقوبة إلا شهرا أو شهرين؟ ومن هنا نرى أن الحق جير لصالح الخاص، وانحازت الجهات الرسمية والقضائية لفرد من أفراد المجتمع ضد آخر مساو له في الحقوق والواجبات والحماية الدستورية، وبعد أن يقضي الفرد المصدر للشيك عقوبته كاملة وإن بلغت عشرات السنين، فإن الحق الخاص لا يسقط، فهو يعاقب مرتين على الموضوع نفسه··
أي فقه قانوني أو دستوري أو شرعي يقبل بهذا الوضع؟، أما السجن فهو خسارة للطرفين والدولة، السجين خسر حريته وتشرد أولاده، وخسر فرص العمل واستثمار كان بإمكانه من خلالها تسديد التزاماته، والمستفيد خسر إمكانية استيفاء حقه بحبس المتهم وفقدانه لعمله ومصادر دخله·· وهكذا·
إن تجريد الشيك من دون رصيد من موضوعه وسبب إصداره أدى إلى منزلقات خطيرة في المفهوم التشريعي والشرعي، فإذا كان هناك نصب واحتيال، فهناك مواد وقوانين جنائية خاصة بذلك ولا داعي بتجريم الشيك مجرداً من سببه، وقد يكون المستفيد الذي تدافع عنه النيابة ويغطى عليه هو من تقع عليه عقوبة النصب والاحتيال، والابتزاز والإكراه، وهو من يستحق العقوبة كما أن الشق الجنائي في “الشيك من دون رصيد” حوله إلى أداة انتقام بين المتعاملين عند أي خلاف بينهما، فكم جريمة بحق الأفراد والأسر والمجتمع كان الشيك من دون رصيد “هو سلاحها” وكانت النيابة العامة هي “محامي الشيطان” فيها دون أن تعلم أو تتحرى عن ذلك كما أن إعطاء “الشيك من دون رصيد” هذه الهالة الجنائية هو الذي أدى إلى أن يكون وسيلة إضرار وابتزاز متبادل بين المصدر والمستفيد في معظم الحالات·
فالنيابة العامة ومعها المحكمة تفترضان سوء النية من المصدر دون التحقيق وإجراء التحريات اللازمة حتى وإن كان الشيك مؤجلا لسنة أو أكثر، وهذه أمور تتنافى مع العدالة، وضمان حقوق الأفراد في الدفاع عن أنفسهم إن دول العالم المتقدمة، والمضطردة النمو تتعامل بالشيكات، ولكنها لا تجردها من أسبابها بل جعلتها سببا لما كتبت لأجله حسب توجيه التعاقد والموضوع بين أطراف التعامل، وإن الالتزام بالتواريخ والدفاع بالسداد والاستلام وغيرها من الثوابت الأساسية للتعامل·
أيها الإخوة الأفاضل أعضاء مجلس الأمة·· يامن أنيط بكم تصحيح الاعوجاج بالتشريعات القائمة وتحري المصلحة العامة والعدل في التشريعات المقبلة، نستصرخ فيكم حسن العدالة، والضمير لإصلاح هذا الوضع المشين، خاصة وأننا شهدنا عددا من الوفيات في السجن العمومي كان آخرها وفاة “أبو فرج” البالغ من العمر “74 عاماً” مسجون بجريمة شيك من دون رصيد لم يشفع له مرضه ليتنازل عنه من أدخله السجن، ولم تتنازل الدولة عنه لكبر سنه على الرغم من أنه لوتنازل عنه المستفيد لأفرجت عنه الدولة وتنازلت عن الحق العام، وكأنها أي الدولة، أصبحت رهينة لأفراد يتعسفون في مطالبهم وما يعتقد أنه حق لهم، وتأتمر بأمرهم·
رحمة الله على أبي فرج، وأبي نزار، وأبي جراح لأن الدولة وقفت ضدهم لصالح أفراد آخرين، ولم توفر لهم العناية الصحية اللازمة والضرورية في سجنهم·
العزاء أن يبادر السادة النواب والوزراء لإعطاء صفة الاستعجال لوقف هذا النزف الاجتماعي والإعاقة لأكثر من خمسة آلاف مواطن وأسرهم وتحريرهم من قيود السجن دون الإخلال بالحقوق المدنية التي لها وسائلها وطرقها القانونية المتعارف عليها·
والله من وراء القصد مجموعة من ضحايا الشيكات من دون رصيد·