رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت6-12 شعبان 1423هـ الموافق 12-18 أكتوبر 2002
العدد 1548

للإطاحة بصدام: تجميع الحلفاء والتخطيط لمستقبل العراق

قبل عقدين من الزمن، قرر صدام حسين، بعدما عزز دكتاتوريته في الشرق الأوسط بحمامات الدم ودفع مليارات الدولارات لشراء الأسلحة الحديثة، أن يجعل نفسه سيد الشرق الأوسط وحقول النفط فيه· لقد شن حربين متواليتين عدوانيتين على إيران والكويت، وكدس ترسانة ضخمة من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية، وحث الخطى لامتلاك أسلحة نووية· وعلى حدوده، ارتكب جيشه أفظع جرائم الحرب منذ الحرب العالمية الثانية عندما ضرب بالغازات السامة قرى كاملة وذبح عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء ذات مرة، وحتى بعد هزيمته الساحقة في حرب الخليج (الثانية) رفض الدكتاتور التخلي عن مطامحه·

فقد احتفط بعناد بترسانة الأسلحة الكيميائية والنووية في تحد لعدة قرارات من مجلس الأمن الدولي بل سعى الى توسيعها، وحتى عندما كان شعبه يجوع دفع صدام متفاخرا رواتب لعلائلات المفجرين الانتحاريين الفلسطينيين·

وليس تأكيد الرئيس جورج دبليو بوش أن النظام العراقي يبقى تهديدا فتاكا للمنطقة وتحديا للنظام الدولي جديدا، فقد أطلق الرئيس بيل كلينتون الوصف نفسه طيلة السنوات الثماني لحكمه، وقد وافقه مجلس الأمن الدولي مرات عدة، وليس إصرار بوش على إنهاء دكتاتورية صدام شيئا جديدا فقد صادق الكونغرس قبل أربع سنوات على مساندة تغيير النظام باعتبار ذلك سياسة أمريكية· أما المسألة المركزية التي كانت تواجه الولايات المتحدة والأمم المتحدة طيلة أربع سنوات فهي ما إذا كانتا مستعدتين لمتابعة تنفيذ قراراتهما·

لقد انبثق اختيار بوش التصدي الكامل لهذا التحدي من تطورين حدثا منذ انتخابه· ففي المقام الأول، جاء انهيار سياسة الاحتواء التي اعتمد عليها كلينتون للتعامل مع التهديد العراقي، ثم جاءت هجمات 11 سبتمبر· وكانت محاولات الإدارة الأمريكية تفسر تداعيات هذه الأحداث: خرقاء وطائشة أحيانا· فقد أكدت أن لصدام حسين صلات بشبكة القاعدة، لكنها لم تقدم أي دليل معلن يؤكد ذلك· ثم ألمحت الى أن الإرهابيين قد يضربون الولايات المتحدة بأسلحة كيميائية وبيولوجية يؤمنها صدام حسين، وإذا كان ذلك معقولا، فلم يكن هناك أيضا أي دليل على أن الدكتاتور تبنى هذه الاستراتيجية، إن الحجة الحقيقية للعمل ضد العراق الآن هي شديدة التجريد، مفادها أن انهيار الاحتواء والتدفق الجديد للموارد الذي فتحه الانهيار أمام صدام جعلا كلفة تأجيل المواجهة عالية جدا، وصدمة الحادي عشر من سبتمبر أعطت الولايات المتحدة درسا مفاده أنه في منطقة يمكن أن يظهر منها أذى عظيم من جانب أعداء ضعفاء، فإن مخاطر كتلك الصادرة من العراق لا ينبغي الاكتفاء بإدارتها إنما ينبغي التعامل معها بعدوانية·

وبكلمته أمام الأمم المتحدة وطلبه اتخاذ قرار من جانب الكونغرس، وضع بوش إدارته على مسار سريع نحو قرار الحرب· وعلى الرغم من أنه احتفظ لنفسه بالقرار النهائي ولم يترك غير مجال وهمي للاستشارات، فإن الرئيس استبعد أي نتيجة غير حملة عسكرية بقيادة الولايات المتحدة تسعى بعد بدايتها في غضون أشهر الى إسقاط صدام حسين وتحديداً أسلحته وتدميرها وإحلال حكومة تقدمية وموالية للغرب مكانه، إن الوتيرة العاجلة للهجوم السياسي والدبلوماسي، الذي يتطلب عملا من الكونغرس ومجلس الأمن الدولي في غضون أسابيع، وتوقيته في لحظة لم يعلن بعد الانتصار في معركة منفصلة هي الحرب على تنظيم القاعدة، تعطينا فرصة للتردد وعلى الرغم من ذلك، نعتقد أن قرار الرئيس بالعمل هو القرار الصحيح، ومثله تحديه لمجلس الأمن الدولي حتى يساند تطبيق قراراته "الصادرة سابقا"· وإذا كان نص القرار وتوقيته عرضة للنقاش، فإن بوش يستحق مساندة الكونغرس·

من أجل درء غير المتوقع، يعني العمل على إرسال عشرات آلاف الشبان الأمريكيين لخوض معركة ربما تكون بطولية ضد مجرم حرب محنك يمكننا أن نتوقع استعماله لكل سلاح موجود في ترسانته، وليس هناك أدنى شك في تحقيق النصر وحتى بسرعة· ولكن باعتبار أنها تواجه هذا الاحتمال الخطير، ينبغي أن تفعل الإدارة الأمريكية كل ما في وسعها لتقليل مخاطر الحرب ولضمان النتيجة الموعودة - أي عراق منزوع السلاح وموحد يعيش بسلام مع جيرانه والولايات المتحدة - وتحقيقها· وحتى الآن هناك دلالات مقلقة على أن هذا لم يتحقق بعد· فعلى وجه التحديد، لم تظهر الإدارة الأمريكية بعد أنها مستعدة للاضطلاع بالمهمة المرعبة لاحتلال وإدارة عراق ما بعد صدام·

لقد أدلى وزير الخارجية كولن باول ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد بتصريحات مطولة أمام الكونغرس الشهر الماضي أكدا فيها وجود أساس للعمل، والمفاجئ أن أيا منهما لم يتحدث عن شيء بمثل ما تحدث عن مشكلة إعادة البناء· فعندما سألهما أعضاء الكونغرس، عرض الوزيران تأكيدات صارمة: أن عراق ما بعد الحرب ستكون له حكومة تمثيلية تساعد في تغيير المنطقة حولها، أن عبء وكلفة إعادة البناء سيلقيان على الأمم المتحدة وعدد من الحلفاء، أن قوات الاحتلال الأمريكية لن تكون لازمة لمدة طويلة، ومع ذلك لم تكن هناك أي إشارة الى وجود خطة متماسكة بشأن عراق ما بعد الحرب، ذلك أن رامسفيلد ألمح الى أن ذلك سيكون شأن العراقيين بعد الحرب·

لقد استعملت إدارة بوش كثيرا مثل هذا الخطاب الشامل بشأن التزامها أفغانستان ما بعد الحرب، لكن النتيجة كانت جهدا ضعيفا قريبا بصورة خطرة من الغرق في الفوضى، والخطأ نفسه يجب أن لا يتكرر في العراق، ذلك أن هناك حاجة الى الاضطلاع بمشروع طويل ومكثف لبناء أمة مشابه لما تم الاضطلاع به في البوسنة أو كوسوفو· وهذا يتطلب، كما اعترف رامسفيلد مساهمات كبيرة من الأمم المتحدة والحلفاء· وهذا ما لا يمكن الحصول عليه بسهولة إلا إذا واصلت الإدارة الأمريكية اتباع سياسة بناء التحالف خارج وداخل مجلس الأمن، سياسة ربما تتطلب متسعا من الوقت أطول من الأسابيع التي منحتها إدارة بوش باعتبارها آخر محاولة للأمم المتحدة للقيام بحل سلمي· إن بوش على حق في أن ينهي العالم المتحضر في النهاية تهديد صدام حسين، والتهديدات بعمل عسكري أمريكي وحيد الجانب قد تساعد في تحقيق ذلك· غير أن حملة عسكرية تجري على عجل من دون مساندة مهمة من الدول الأخرى أو قبل التخطيط المتأني لمستقبل العراق، يمكن أن تسفر عن مخاطر عظيمة· وتفاديها ينبغي أن يكون محور أعمال الكونغرس مع الإدارة باتجاه قرار الدعم·

 

افتتاحية "واشنطن بوست"

طباعة