

بقلم: جيم لوب - مركز السياسة الخارجية في البؤرة - الولايات المتحدة الأمريكية
اضطر أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية في أثناء حديثه مع عدد كبير من الضباط الأمريكيين في الشهر الماضي الى القول إن "الطابق السابع في وزارة الخارجية الأمريكية يضم رجالا من أصحاب الخبرة العسكرية بشكل يزيد عما يوجد في مكتب وزارة الدفاع"· ونقل أحد الضباط الحضور لصاحب نشرة "نيلسون ريبورت" كريس نيلسون هذه القصة وكيف أثارت استحسان وتصفيق الحضور·
وهنا من يرى أن هذه القصة تبين حقيقة وجود ما يطلق عليه تسلط المسؤولين المتشددين للحرب ضد العراق داخل إدارة بوش ومعظمهم من الصقور الذين تهربوا من الخدمة العسكرية الأمريكية· فهؤلاء يلعبون دورا مهما في الجدال الذي يزداد فيه التوتر والعوامل الشخصية حول اندفاع إدارة بوش لشن الحرب على العراق· وكانت مورين داود هي التي تطرقت في الأسبوع الماضي في صحيفة "نيويورك تايمز" في مقال لها الى حقيقة أن معظم الذين يشجعون ويدفعون بوش الى غزو العراق هم من بين المسؤولين المدنيين الذين لا وجود للخبرة العسكرية لديهم·
وقالت: "اعتدنا في الماضي على الشعور بالقلق من انقلاب العسكريين على السلطات المدنية في البلاد· لكننا الآن نشعر بالقلق من انقلاب المدنيين ضد السلطات العسكرية"·
"الصقور" الهاربون من الخدمة كالأرانب!
إذا نظرنا الى أكثر الفئات التي تعارض شن الغزو على العراق داخل الوسط الحاكم الأمريكي لوجدنا أن العسكريين هم أكثر من يعارض هذا الغزو، وأنهم يشكلون مصدرا لأكثر ما يتسرب من خطط قتالية تعدها الإدارة مع كل ما يحمله ذلك من ضرر· ويتجمع هؤلاء في المراتب العليا في وزارة الخارجية ومن بين هؤلاء من تولى مسؤوليات سابقة في مخططات السياسة الخارجية في عهد بوش الأب· وقد أثارت انتقاداتهم حساسية كبيرة عند المسؤولين "الصقور" الذين تحسسوا من كشف امتناعهم عن الخدمة العسكرية أو افتقارهم للخبرة العسكرية· في هذا الصدد يقول السناتور تشاك هيجيل من ولاية نبراسكا، وهو جمهوري شارك في حرب فيتنام وأصبح من الشخصيات غير المرغوبة بسبب شكوكه حول ضرورة الحرب على العراق واعتبارها مغامرة: "إن الكثير من أولئك الذين يريدون دفع هذه البلاد الى الحرب ويعتقدون أنها ستكون حربا سهلة وسريعة لا يعرفون شيئا عن الحرب"· وقد أطلق على هؤلاء اسم "الصقور الدجاج" أي الصقور الجبناء، لأنهم تجنبوا المشاركة في الماضي في الخدمة العسكرية ورغم ذلك يدعون غيرهم للتورط فيها·
وكانت المجلة الإلكترونية "نيوهامبشاير" أول من عرض معلومات تفصيلية حول هؤلاء "الصقور الدجاج" وحددت تعريفهم بالشكل التالي، "يميلون الى الدفاع عن الحلول العسكرية للمشاكل السياسية رغم أنهم كانوا قد تهربوا من الخدمة العسكرية وما يمكن أن توفره مشاركتهم في الحروب السابقة الأمريكية من خبرة عسكرية"·
وهذا الوصف ينطبق على معظم المسؤولين الكبار في إدارة بوش ممن بلغوا الخمسينات وكانوا من المطلوبين للخدمة العسكرية في أثناء حرب فيتنام·
قائمة المتهربين
وفي مقدمة هؤلاء جورج دبليو بوش الذي لم ينضم للخدمة العسكرية في حرب فيتنام ورتب خدمته في الحرس الوطني في مدينته تكساس بدلا من الخدمة العسكرية النظامية· وكانت هذه الطريقة التي اتبعها بوش الابن بمثابة الحيلة الدارجة للتهرب من الخدمة العسكرية والتي وصف كولن باول رئيس الأركان المشتركة السابق من يلجأ إليها "بأبناء المسؤولين المتنفذين"· والى جانب الرئيس بوش كان ديك تشيني نائب الرئيس تجنب هو أيضا الخدمة العسكرية النظامية الإلزامية في عهد الحرب الفيتنامية في الستينات، وقال لأحد الصحافيين الذين استفسروا عن السبب إن "لديه أولويات في ذلك الوقت أهم من الخدمة العسكرية"، أما دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الراهن وأحد أكثر الصقور تشددا في الدعوة للحرب فلم يخدم في أي حرب باستثناء تحليقه بطائرة سلاح البحرية في فترة الحرب الفيتنامية والكورية من دون المشاركة في أي قتال"·
والحقيقة هي أن الوزير الوحيد الذي يملك خبرة عسكرية هو كولن باول·
رجال الصف الثاني أسوأ
وإذا كان هذا هو الحال عند رجال الصف الأول، فإن رجال الصف الثاني أسوأ بكثير، فالمسؤول عن هيئة موظفي نائب الرئيس لويس ليبي تهرب من الخدمة العسكرية في أثناء حرب فيتنام وقضى تلك الفترة في جامعة "ييل" وجامعات كولومبيا، أما نواب رامسفيلد في وزارة الدفاع، بول ولفوويتز وبيتر رودمان ومعهما دوغلاس فيت، وهو من أكثر المتشددين لضرب العراق والحلول العسكرية، فقد تخلفوا عن الخدمة العسكرية أيضا وذهب "فيت" الى كلية القانون·
والى جانب هؤلاء الذين يمسكون بالقرار في وزارة الدفاع هناك إليوت ايرامس، من الهيئة القيادية في مجلس الأمن القومي وجون بولتون نائب وزير الخارجية "للشؤون الاستراتيجية الدولية والحد من السلاح" ممن تهربوا من الخدمة العسكرية في أثناء حرب فيتنام وفي أوج استحقاقاتها وعملياتها، وتذرع الإثنان بأسباب صحية مرضية تحول دون انضمامهما للجيش، والعجيب أن أصحاب الوثيقة التي تطالب بوش بشن الحرب على العراق وتوسيعها بحرب مستمرة على إيران وسورية ولبنان والسلطة الفلسطينية كأهداف بحجة الحرب ضد الإرهاب وهم 32 شخصية أمريكية من هيئة "مشروع قرن أمريكا الجديد" لم يخدم منهم في الجيش الأمريكي سوى ثلاثة فقط·
بل إن أحد الموقعين على هذه الوثيقة هو ريتشارد بيرل الذي يتولى منصب رئيس "مجلس السياسة العسكرية" تحت مسؤولية رامسفيلد وأحد الداعين بإلحاح الى غزو العراق كان قد تهرب من الخدمة العسكرية بحجة دراسته في جامعة شيكاغو الى جانب ولفوويتز ثم انضم بعد الحرب كمستشار للسناتور هنري جاكسون·
وبسبب علاقاته الوثيقة والحميمة مع حزب الليكود الإسرائيلي وضباط المخابرات ومسؤولي الأمن الذين يؤيدون الليكود تعرض ريتشارد بيرل الى حملة انتقاد شديدة من هيجيل "السناتور الجمهوري الذي ورد اسمه في أول المقال" أحد أبرز رجال القانون الأمريكيين وممن شاركوا في حرب فيتنام وتلقى وسام التقدير الأمريكي، ويسخر هيجيل من بيرل قائلا: "ربما يرغب بيرل أن يكون في أول موجة الأمريكيين الذين سيقتحمون بغداد"·
ويضاعف هيجيل الذي يعارض الحرب ضد العراق انتقاده لهؤلاء الدجاج في ثوب الصقور إنهم يتحمسون لقرار الحرب انطلاقا من تفكير نظري دون أن يكونوا قد خبروا الجلوس في الغابات وبين الكمائن ودون أن يشاهدوا زملاءهم وهم يقتلون وتتفجر رؤوسهم· إنني أحاول هنا التحدث قليلا عن أشباح الماضي"·
بل إن أحد أهم المقربين لبيرل وأكثر المزايدين في ضرورة شن الحرب، فرانك غيفني، رئيس مركز "السياسة الأمنية" كان أيضا ممن تهربوا من الخدمة العسكرية في أثناء حرب فيتنام، يقول عنه ريتشارد ارميتاج النائب الأول لكولن باول في وزارة الخارجية وهو من خريجي الأكاديمية البحرية العسكرية وكان من الذين قاتلوا في فيتنام إنه الذي "يبول في ثيابه"·
الظاهرة الغريبة
ويتحدث الجنرال انتوني زيني رئيس القيادة المركزية للعمليات العسكرية التي كان مسرح حرب الخليج جزءا منها عام 1991-1992 عن هذه الظاهرة قائلا: "الغريب أن جميع الجنرالات الأمريكيين متفقون على وجهة نظر تجاه موضوع الحرب مع العراق وجميع المسؤولين الأمريكيين الآخرين الذين لم يطلقوا طلقة واحدة المتحمسين لشن الحرب على العراق يحملون وجهة نظر أخرى"، حتى الجنرال المتقاعد نورمان شوارتس كويف كان قد أعرب عن شكوكه الكثيرة تجاه شن حرب جديدة على العراق، ومع ذلك لا يكتفي أنصار شن الغزو بالإعراب عن الاعتقاد أن العراق يشكل خطرا كبيرا على القدرة العسكرية الأمريكية، بل إنهم وفي مقدمتهم بيرل و"صقور" رامسفيلد الآخرون مثل كينيت اديلمان يقولون أيضا إن الحملة العسكرية على العراق ستكون سهلة مثل رقصة زنجية·· "فكيف لخطر كبير على القوة العسكرية الأمريكية أن يكون إنهاؤه سهلا إذا ما افترضنا أنه يمثل ذلك الخطر الكبير؟!" ولا يبدي هؤلاء أي قلق جدي بما سينتج عن تلك الحرب وبدرجة العبء العسكري الذي سينجم عنها أمام مهمة سياسية صعبة جدا لا مخرج منها، وهذا ما جعل وزير الحربية الأمريكي السابق وأحد القادة العسكريين في حرب فيتنام يتساءل قبل أيام في مقال في صحيفة "واشنطن بوست" وهل تريد حقا احتلال العراق لثلاثين عاما مقبلة؟"·
"الدجاج في ثوب الصقور" يردون
لم يتأخر "الدجاج في ثوب الصقور" عن الرد وشن حملة مضادة على ما يقوله الجنرالات الأمريكيون من انتقادات، وبدؤوا على غرار (كليمانصو) الشهير يقولون: "إن الحرب موضوع بالغ الأهمية الى حد يدعو الى عدم تركه للجنرالات"·
ففي صحيفة "نيوريبوبليك" وهي أسبوعية محافظة جديدة، قام رئيس التحرير بيتر بينيرت، بالرد قائلا: "إن الجنرالات الذين يعتبرون أنفسهم الخبراء في ميادين المعارك حملوا تصورات خطأ عند حرب الخليج الأولى 1990 - 1991 في حين أن المدنيين أثبتوا صحة تصوراتهم عما يمكن أن يحدث للولايات المتحدة عندما تشن الحرب، وتحدث بينيرت عن باول الذي عارض في تلك الحرب كما يقول "شن الحرب من الكويت باتجاه بغداد مثلما عارض التدخل العسكري في البوسنة، ويرى بينيرت أن المدنيين ظهر لديهم فهم أفضل في الاتجاه والبعد السياسي للحربين في الخليج وفي البوسنة بينما كان العسكريون يميلون الى المبالغة في قوة العدو منذ حرب فيتنام·
ورغم أن اليوت كوهين الذي يقول إنه خدم ضابط احتياط فقط يعد من أبرز من ينتقد المعارضين لشن حرب ضد العراق ويستحسن وضع خطة عسكرية جديدة في السياسة الخارجية، إلا أنه يوجه نقده الى العسكريين بشكل خاص، ففي إحدى مقالاته في صحيفة "واشنطن بوست" يدعو كوهين بوضوح الى ضرورة قيام الاستراتيجيين المدنيين من أمثاله بتشكيل استراتيجية التدخل العسكري الأمريكي·
وفي هذا الوقت الذي نجد فيه المعتدلين الواقعيين في الحزب الجمهوري يعارضون عقلية الحملة العسكرية التي يحملها الاستراتيجيون من المحافظين الجدد في الحزب الجمهوري ربما تدفع تعليقات كوهين هذه العسكريين المتقاعدين للوقوف الى جانب معسكر العدالة وليس الى معسكر الحرب أي الى معسكر الوسط واليسار· ويقول كوهين من منبره في "هارفارد" "إن خبرة الجنرالات تكمن بشكل رئيس في الميدان العملياتي وليس في المجال الاستراتيجي، وتكمن في كيفية شن الحرب وليس في مسألة شنها أو عدم شنها، وبالإضافة الى هذا، لا يوجد دليل على أن الجنرالات كفئة ما قدمت حكمة أكثر في مجال الأمن القومي بشكل يفوق حكمة المدنيين أصحاب القرار·
وفي قضايا مثل اتخاذ قرار بشن الحرب لا يمكن ضمان أن يكون الجنرال السابق صاحب حكمة استراتيجية بالضرورة ولذلك لا ينبغي عندما تكون المسائل متعلقة بالحرب والسلام إعطاء اعتبار خاص لوجهات نظر الجنرالات السابقين، وهكذا يبدو أن "الدجاج المتخفين في ثوب الصقور" يقومون هنا بتحذير العسكريين ودعوتهم الى الاحتفاظ بتحفظاتهم لأنفسهم، وكان إليوت كوهين الأكاديمي المقرب من بيرل وأحد الموقعين على وثيقة مشروع "القرن الأمريكي الجديد" التي تحدد أهداف واشنطن قد نشر هذه التعليقات في عمود خاص في صحيفة "وول ستريت جورنال" قبل أسبوعين تحت عنوان "الجنرالات" ورجال السياسة، ومسألة العراق، وقام اليوت بتذكير العسكريين بضرورة تنفيذهم لما تعهدوا به وهو "تقديم وجهات نظرهم بأمانة تامة في الهيئات الخاصة، والمحافظة على الصمت أمام الجمهور"·
حرب بلا عدالة
وفي كتابه الأخير "القيادة الأعلى" كانت الرسالة الأساسية التي أراد اليوت نقلها هي التشديد على أهمية سيادة السلك المدني السياسي في أوقات الحرب على السلك العسكري الذي يعتبره اليوت مبالغا في الحذر، وتروج مجموعة "الدجاج المتخفين في مظهر الصقور" من زملاء اليوت أن بوش ذكر للصحافيين أنه انهمك في قراءة كتاب اليوت في أثناء عطلته الصيفية التي قضاها في تكساس، أما الدراسة التي سيقترح على الرئيس بوش قراءتها في صحيفة "نيوريبوبليك" بقلم اليوت كوهين أيضا فهي التي يدل عنوانها على مضمونها الكامل "فلنشن الحرب من دون الاهتمام بعدالة كيفية القتال"· وبموجب ذلك ها نحن نجد أن "الدجاج المتخفين بمظهر الصقور" الذين لم يقتلوا أو يصابوا في المغامرات الحربية المتعثرة في فيتنام وكوريا هم الآن من يقود الشعب الأمريكي نحو حرب غير واضحة المعالم وغامضة في مبررها الأخلاقي··
وعرضت مجلة "نيوهامبشاير غازيت" الإلكترونية الأمريكية في 10 أيلول 2002 قائمة تضم أهم من تهرب من الخدمة العسكرية الأمريكية في أثناء حرب فيتنام من بين الصف الأول والثاني في الإدارة الأمريكية الراهنة ومن بين أكثر المتشددين لشن الحرب على العراق·