في الأسبوع الذي سبق الذكرى السنوية الأولى للاعتداءات الإرهابية المدمّرة على نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر بثت شبكات التلفزيون سلسلة تكاد لا تنتهي من وثائقيات "الأحداث الخاصة" أو "الحصرية" أو "مالم يشاهد من قبل قط" عن انهيار البرجين التوأمين لمركز التجارة العالمي والتداعيات· وهكذا عاش الناس حول العالم الرعب والغضب ومأساة ذلك اليوم الرهيب مرة أخرى عندما قتل هناك نحو ثلاثة آلاف شخص·
وفي ذروة الذكرى السنوية لليوم نفسه، تدفق آلاف الصحافيين ومذيعي التلفزيون من كل أنحاء الأرض والتقوا عند "الأرض صفر" في نيويورك من أجل "التذكّر والمناجاة" وأذيعت الاحتفالات التأبينية والخطب الوطنية للسياسيين الكبار على الهواء مباشرة، لتعيد تأكيد تصميم واشنطن على متابعة "الحرب على الإرهاب"·
لكن بحلول نهاية صخب الذكرى السنوية للحادي عشر من سبتمبر، وبعد آلاف ساعات البث التلفزيوني وكيلومترات من المقالات الصحافية المنشورة في جرائد العالم والمجلات، يمكن أن تثق في أن الطابع المبتذل لمرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر ربما كان مقدراً له أن يبقى مجهولاً لولا أكثر المعلقين نزاهة: وهو أن "حرب واشنطن على الإرهاب" ليست سوى خدعة خبيثة·
فاللازمة المتكررة التي رددتها وسائل الإعلام في 11 سبتمبر تقول إن "العالم تغيّر" في ذلك اليوم·
لكن قلة من المعلقين كلفوا أنفسهم عناء تفسير كيفية التغيير·
يشكل الحادي عشر من سبتمبر فعلاً تغييراً في سياسات الولايات المتحدة والعالم، ويبقى أن نعرف مقدار ما بقي دائماً· في ذلك اليوم، تحقق حكّام الولايات المتحدة من أن هذه الأعمال المريعة وفرت لهم فرصة ذهبية لإنجاز الغاية القديمة للطبقة الرأسمالية الحاكمة في الولايات المتحدة في السيطرة على العالم، ذلك أن "القرن الأمريكي" الذي توقعت كان في متناول اليد عند نهاية الحرب العالمية الثانية·
اقتنص المسؤولون الكبار في إدارة الرئيس جورج بوش الابن هذه الفرصة، وحسبوا بهدوء أن الشعب الأمريكي الملتاع سيساند تدخلات عسكرية ضخمة تنفذها القوات البرية الأمريكية في الخارج تحت ستار محاربة "الإرهاب" لوكان هناك خطر سقوط ضحايا أمريكيين بعدد كبير، أي شيء كان الشعب الأمريكي يرفض قبوله منذ نهاية حرب فيتنام في عام 1975·
قبل 11 سبتمبر، وصفت واشنطن بعض الحكومات والحركات السياسية التي تعارضها بالإرهاب، وكل سنة تصدر وزارة الخارجية الأمريكية قائمة للبلدان التي "تساند الإرهاب"، ولسنوات طويلة تضمنت هذه القائمة إيران، العراق، سوريا، ليبيا، السودان، كوريا الشمالية وكوبا، وحتى 11 ستبمبر، لم يكن كل ذلك كافياً لإقناع الشعب الأمريكي بمساندة عمليات عسكرية معززة ضد هؤلاء·
وحالما انقشع الدخان من فوق ركام مركز التجارة العالمي تقريباً، تحركت إدارة بوش لنقل تركيز الحرب على الإرهاب من المرتكبين المزعومين - أي أسامة بن لادن وشكبة القاعدة والرجعيين الدينيين - إلى "الإرهاب" حسب تعريفه الأمريكي و"الشرّ" بصفة عامة·
في العشرين من سبتمبر، قال بوش للكونغرس: من الآن فصاعدا أي أمة تواصل إيواء الإرهابيين أو مساندة الإرهاب سنعتبرها "نظاماً معادياً" وأعلن بوش أن "الحرب الأولى في القرن الحادي والعشرين لن تنتهي إلا حين الإمساك بكل جماعة إرهابية ذات يدٍ دولية ووقفها وإلحاق الهزيمة بها·
بدأ قصف أفغانستان يوم السابع من أكتوبر، وفي الحادي والعشرين من نوفمبر وضع بوش الخطوط العريضة لما يعرف بـ "عقيدة بوش": "أفغانستان هي البداية فحسب في الحرب على الإرهاب، وهناك إرهابيون آخرون يهددون أمريكا وأصدقاءنا، وهناك دول أخرى ترغب في رعايتهم· ونحن كأمة لن نكون آمنين إلا حين إحباط هذه التهديدات·
وفي جميع أنحاء العالم، وعبر السنين سنحارب الأشرار وسننتصر"·
"أمريكا تحمل رسالة إلى أمم العالم: إذا آويتم الإرهابيين، تكونون إرهابيين، إذا دربتم أو سلّحتم إرهابياً، تكونون إرهابيين إذا أطعمتم أو مَوّلْتُم إرهابياً تكونون إرهابيين، وسنقدمكم للمحاسبة على يد الولايات المتحدة وأصدقائها"·
في 26 نوفمبر، وسع بوش نطاق الحرب على الإرهاب وقد وضع العراق نصب عينيه عندما قال: "إذا طوروا أسلحة التدمير الشامل التي تستعمل لترويع الدول الأخرى، سنقدّمهم إلى المحاسبة"·
وصار التحوّل كاملاً في كلمة بوش في 29 يونيو عن حال الاتحاد (الفيدرالي الأمريكي) فالمرحلة التالية لحرب واشنطن على الإرهاب تم فصلها عن الأحداث التي حصلت في 11 سبتمبر· ولم يذكر بوش بن لادن أو "القاعدة"· وهكذا احتل الرئيس العراقي صدام حسين مكان بن لادن الهارب باعتباره العدو الأول للولايات المتحدة·
ليس لـ "محور الشر" الذي تصدر قائمة المطلوبين للقتل من واشنطن - العراق، إيران وكوريا الشمالية علاقات مؤكدة مع القاعدة وبن لادن أو بهجمات 11 سبتمبر، ولم تكن مثل هذه العلاقات قائمة بين القاعدة وثلاث من أصل أربع منظمات أخرى ذكرت بالاسم: حماس، الجهاد الإسلامي وحزب الله· أما جريمتها فهي معارضة الاحتلال الإسرائيلي غير الشرعي لأرض فلسطين·
وأكد بوش بصفاقة أن للولايات المتحدة حق شن عمل عسكري من جانب واحد على الإرهابيين داخل أي بلد وشن ضربات عسكرية وقائية ضد الدول التي تشتبه واشنطن في تطويرها أسلحة كيميائية، بيولوجية أو نووية، وقال: "بعض البلدان قد يكون خجولاً أمام الإرهاب، ولا تخطئوا الظن بنا، فإذا لم يتحركوا، نتحرك نحن"·
لكن بوش ذكرّ العالم بأن لا حدود جغرافية للانتقام الأمريكي، وقال: "قواتنا (في أفغانستان) وجهت رسالة واضحة لكل عدوّ للولايات المتحدة: حتى على بعد سبعة آلاف ميل، عبر المحيطات والقارات، على ذرى الجبال وداخل الكهوف، لن تفلتوا من عدالة هذه الأمة"·
في أقل من ستة أشهر، طرأ تحول في حرب بوش على الإرهاب لتنتقل من العمل المباشر ضد المرتكبين المزعومين لأعمال القتل الجماعي في 11 سبتمبر ومسانديهم حتى تعيد حرباً على أي دولة أو حركة سياسية في العالم الثالث تعتبرها واشنطن قوية الاستقلال، أو قوية التحدي، أو عقبة أمام غاية الهيمنة الأمريكية على العالم·
كانت كلمة بوش عن حال الاتحاد (الفيدرالي الأمريكي) إعلاناً رسمياً أن الولايات المتحدة تسعى بلا خجل نحو السيطرة العالمية· وقد كتبت "نيويورك تايمز" في افتتاحيتها في الأول من فبراير الماضي تقول: "عاد التهديد واستعمال القوة إلى صدارة السياسة الخارجية الأمريكية، ولم تعتمد السياسة الخارجية الأمريكية منذ انسحابها المهين من فيتنام قبل أكثر من ربع قرن على القدرة العسكرية الساحقة غير النووية للدفاع عن المصالح الأمريكية حول العالم بمثل ما تفعل الآن"·
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الغاية الاستراتيجية الطاغية للطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة هي المحافظة على الهيمنة العسكرية والاقتصادية والسياسية الساحقة ومنع نشوء قوى، عظمى أو إقليمية، يمكن أن تتحدى هذا الموقف، وقد أطلق على هذه الغاية تسمية "القرن الأمريكي" في نهاية الحرب العالمية الثانية·
غير أن مطامح واشنطن نحو السيطرة العالمية الكاملة أحبطت طوال خمسين سنة بفعل القوة الصناعية والعسكرية للاتحاد السوفييتي ونضال حركات التحرر الوطني، بدءاً بانتصار الثورة الصينية في عام 1949 والثورة الكوبية في عام 1959، وما أعقبهما من نجاح للنضالات الاستقلالية في إفريقيا وآسيا طوال ستينات القرن العشرين التي توّجتها الهزيمة التاريخية للقوات الأمريكية في فيتنام عام 1975·
كانت هزيمة واشنطن في فيتنام هزيمة سياسية وعسكرية، فمع الوقت، وبدعم من حركة متنامية معادية للحروب، توصل الشعب الأمريكي إلى إدراك أن حكّام الولايات المتحدة كذبوا عليه بخبث عندما زعموا أن الحرب الدامية ضد شعب فيتنام كانت قتالاً من أجل الديمقراطية كلفته حياة خمسين ألف جندي شاب أمريكي وموت ملايين الفيتناميين، في حين أنها كانت في الواقع حرباً عدوانية إمبريالية غير عادلة·
هكذا نشأت "الأعراض الفيتنامية"، وطوال 25 عاماً جعلت من المستحيل على واشنطن أن تنشر أعداداً كبيرة من القوات البريّة في حروب "ساخنة" ما وراء البحار·
بعدما صارت مشلولة عسكرياً وسياسياً بفعل الأعراض الفيتنامية، عانت الولايات المتحدة نكسات أخرى في آواخر سبعينات القرن الحادي والعشرين بفعل انتصارات النضالات الاستقلالية في أنغولا وموزامبيق، وانتصار الثورة في إثيوبيا عام 1977، والثورة الأفغانية عام 1978 والعمليات الثورية الناجحة التي بدأت في نيكارغوا وغرانادا عام 1979·
وكانت إطاحة شاه إيران الموالي للأمريكيين في عام 1979 تهديداً خطيراً لقبضة الإمبريالية الأمريكية على منطقة الخليج الغنية بالنفط·
في ظل حكم الرئيس رونالد ريغان، الذي تولى السلطة عام 1980، أطلقت الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة هجوماً مضاداً على ما وصفته بلانزاهة "التوسعية السوفييتية"· وقد موّلت واشنطن وسلّحت بكثافة العصابات المضادة للثورات والإرهابيين مثل حركة "رينامو" في موزامبيق ومنظمة "يونيتا" في أنغولا، و"الكونترا" في نيكاراغوا والمجاهدين في أفغانستان· وزاد ريغان الدعم الأمريكي أيضاً كنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا وللنظم الدكتاتورية كما في باكستان، أندونيسيا وتشيلي·
غير أن استراتيجية ريغان كانت مصممة بعناية لتفادي وضع القوات الأمريكية في طريق الأذى· وعندما أمر ريغان القوات الأمريكية باجتياح غرينادا عام 1983 (وعندما أمر جورج بوش الأب باجتياح باناما في عام 1989) اعتمدت العملية على قوة نارية كثيفة قبل أن تدخل قوات النخبة الأمريكية ثم تغادر بأسرع ما يمكن·
غير أن إدارة ريغان زادت بصورة مكثفة الإنفاق الحربي للولايات المتحدة حتى مدى غير مسبوق بما في ذلك نظام الدفاع الصاروخي "حرب النجوم"· وكانت غاية هذا المشروع الحالم تحقيق القدرة على توجيه الضربة النووية الأولى إلى الاتحاد السوفييتي من دون الخوف من الرد الجوابي·
وقد لعبت محاولات مجاراة هذا الإنفاق العسكري الضخم دوراً في "استنزاف" الاتحاد السوفييتي وتسريع انهياره·
مع انهيار الاتحاد السوفييتي في عام 1991، رواد الحكام الأمريكيين أملٌ في أن "القرن الأمريكي" صار مرة ثانية مرئياً في الأفق، وقد مجد جورج بوش الأب انتصار الولايات المتحدة على العراق في حرب الخليج لعامي 1991-1990 باعتباره نهاية لـ "الأعراض الفيتنامية" وأعلن أن واشنطن ستسعى الآن إلى إقامة نظام عالمي جديد·
لكن جورج بوش الأب استعجل كثيراً، فهو لم يكن مستعداً بما يكفي لاختبار "الأعراض الفيتنامية"· أو غطاء عمليات "حفظ السلام" الدولية وكانت عموماً مشروطة بالحصول على مساندة متعددة الأطراف·
وقد أدت آمال الشعب الأمريكي في أن تكون نهاية الحرب الباردة بداية لخفض الإنفاق العسكري والاستفادة من "عنصر السلام" إلى إحباط طلبات الطبقة الحاكمة الأمريكية للمحافظة على الإنفاق الدفاعي وفق مستوياته في الحرب الباردة· ومع وقوع هجمات 11 سبتمبر، صار الجناح المسيطر في إدارة بوش الابن يعتقد أن "الأعراض الفيتنامية" انتهت أخيراً إلى غير رجعة·
إن المزاعم القائلة إن الهجمات على مركز التجارة العالمي "غيّرت العالم" هي جزء من خرافة تجري صياغتها بعناية: أن إطلاق "الحرب على الإرهاب" كان مجرد رد على أحداث رهيبة وقعت في يوم واحد·
فقد اعتمدت القوات الأمريكية بكثافة على التفوق الجوي الساحق وعلى التقدم التكنولوجي الذي لا نظير له لتفادي القيام بعمليات برية مهمة· وكانت "الأعراض الفيتنامية" مسؤولة جزئياً عن عدم إرسال جورج بوش الأب القوات الأمريكية إلى داخل العراق لإطاحة صدام حسين·
طوال تسعينات القرن العشرين، كان هذا نمط العمليات العسكرية الأمريكية، وتبيّن أن الأعراض الفيتنامية مازالت حيّة ومؤلمة مع ارتفاع الصراخ في الولايات المتحدة من قتل 18 جندياً أمريكياً خلال ما أسمته واشنطن "تدخلاً إنسانياً" في الصومال·
وأقد أسبغت إدارتا بوش الأب وكلينتون على الأعمال العسكرية لبوس الدفاع عن حقوق الإنسان ووقف "التطهير العرقي" أو توفير العون الإنساني وقد تم تنفيذ هذه العمليات تحت غطاء إقليمي وارتسمت صورة نموذجية عن صناعة الخرافة هذه في مقالة كتبها مراسل وكالة "أسوشييتد برس" في البيت الأبيض رون فورنييه وقال فيها: "داخل ملجأ نووي مزدحم عميق تحت البيت الأبيض، حدّق الرئىس بوش عبر طاولة خشبية عارية وقال لفريق الأمن القومي: جهزوا القوات وبعد 12 ساعة من الهجمات الإرهابية، ولحظات بعد خطبته المتلفزة إلى الأمة، كان بوش يستعد لحرب ستؤدي إلى تغيير وإعادة رسم ملامح رئاسته، فقد قال لمجلسه الحربي: هذا يوم الدفاع عن النفس، هذا هو يومنا"·
والحقيقة كانت أكثر جلاءً، ففي الأشهر الـ 12 التي أعقبت 11 سبتمبر، استغلت إدارة بوش الهجمات الإرهابية على نحو خبيث حتى تبدأ نهجاً يحقق حلم الطبقة الحاكمة الأمريكية بشأن "القرن الأمريكي" أو "النظام العالمي الجديد" أي تحقيق سيطرة عسكرية أمريكية بلا منازع وإنشاء إمبراطورية سياسية واقتصادية·
إن القوة التي تقف وراء عرش جورج بوش الابن هي نائب الرئيس ديك تشيني وفريق مثير للحروب يتكون من قدامى المسؤولين في إدارتي ريغان وبوش الأب·
خلال تسعينات القرن العشرين، أخذ هؤلاء "الصقور" ينظمون عودتهم إلى السلطة، ويصوغون برامجهم من أجل هيمنة أمريكية بلا منازع، ثم دافعوا عن الاستعمال المنفلت للقدرة العسكرية الأمريكية من خلال شبكة معاهد فكرية يمينية خاصة بالطبقة الحاكمة ووثيقة الصلات في ما بينها، وهي "مشروع القرن الأمريكي الجديد" (PNAC) ومعهد "أمريكان انتربرايز أنستيتوت" وجماعة "أمريكيين من أجل الانتصار على الإرهاب" و "مركز السياسة الأمنية"· وقد تطوعت مجلة وويكلي ستاندرد لقطب الإعلام روبرت مردوخ وصفحات الرأي في صحيفة "وول ستريت جورنال" لترويج آراء هؤلاء (ومازالت)·
تزعم الدروس المستخلصة من إدارتي ريغان وبوش الأب، كما آراء أنصار "القرن الأمريكي" الجدد، أن القدرة الأمريكية ينبغي عدم تقييدها بمحاولات لإقامة توازن بين المصالح الأمريكية ومصالح حلفائها الأوروبيين أو غير الأوروبيين، والأحلاف والمنظمات الدولية والمعاهدات متعددة الأطراف ينبغي أن لا تقف في طريق الممارسة المنفلتة للقدرة العسكرية والاقتصادية للولايات المتحدة·
وهناك بنود أخرى فرضها الصقور هي الدعم العسكري والمساندة السياسية غير المشروطين لإسرائيل حليف أمريكا الرئيسي في الشرق الأوسط، والتصدي الحازم لأي أنظمة في هذه المنطقة يمكن أن تشكل تهديداً للسيطرة الأمريكية على منطقة الخليج الغنية بالنفط، ونتيجة ذلك، كانت العلامة الفارقة لأنصار "القرن الأمريكي" الجدد هي العداوة الشديدة تجاه الأنظمة في العراق، إيران، سورية، ليبيا وحتى لبنان، كما الإثناء على أي خطوة تتخذها إسرائيل لسحق الحركة الوطنية في فلسطين المحتلة·
في العام 1997، تم تأسيس "مشروع القرن الأمريكي الجديد" من أجل الترويج لـ "الزعامة الأمريكية العالمية"· وكان تشيني ورونالد رامسفيلد "وزير الدفاع الآن" وبول وولفوفيتش (نائب وزير الدفاع الآن) وجب بوش (الشقيق الأصغر للرئيس بوش) هم الموقعون على "إعلان مبادئ" تأسيس المشروع، وقد قال الإعلان بلا أي مواربة إن (المحافظين) "يبدون وكأنهم نسوا العناصر الجوهرية لنجاح إدارة ريغان: القوة العسكرية التي هي قادرة ومستعدة بما يكفي للتصدي للتحديات الراهنة والمقبلة، سياسة خارجية تعمل عمداً وبجرأة على إعلاء شأن القيم الأمريكية في الخارج، زعامة وطنية تقبل المسؤوليات الدولية للولايات المتحدة"·
ويضيف الإعلان: "لأمريكا دور في المحافظة على السلام والأمن في أوروبا، آسيا وفي الشرق الأوسط· وإذا تخلّينا عن مسؤولياتنا، نكون قد استقدمنا التحديات إلى مصالحنا الجوهرية، وكان ينبغي أن يعلمنا تاريخ القرن العشرين أنه من المهم أن نتدخل في تشكيل الظروف قبل أن تنشأ الأزمات، وأن نواجه التحديات قبل أن تزداد سوءاً، وكان ينبغي أن يعملنا تاريخ القرن العشرين أن نتبنى قضية الزعامة الأمريكية"·
وأكد "مشروع القرن الأمريكي الجديد" أن على الولايات المتحدة أن"تزيد الإنفاق الدفاعي بقدر عظيم" و "أن تعمل على تحديث قواتها المسلحة إذا أردنا أن نضطلع بمسؤولياتنا العالمية اليوم· "(···) " تقوية علاقاتنا مع الحلفاء الديمقراطيين وتحدي الأنظمة المعادية لمصالحنا وقيمنا· "(···)" تعزيز قضية الحرية الاقتصادية والسياسية في الخارج"·
و"قبول المسؤولية عن الدور الفريد لأمريكا في المحافظة على نظام عالمي صديق لمصالحنا وأمننا وازدهارنا ومبادئنا وتوسيعه"·
"مثل هذه السياسة الريغانية بشأن القدرة العسكرية والوضوح الأخلاقي ربما لا تكون متطابقة مع نمط اليوم" هكذا اعترف إعلان المشروع ثم قال : "لكنها ضرورية إذا أرادت الولايات المتحدة أن تبني على النجاحات المحققة في القرن الماضي ولضمان أمننا والعظمة في القرن المقبل"·
في سبتمبر من عام 2000، أطلق "مشروع القرن الأمريكي الجديد" طبعته الإمبريالية بإصدار تقرر بعنوان: "إعادة بناء الدفاعات الأمريكية: الاستراتيجيا، القوات والموارد من أجل قرن جديد"· وتضمن المشاركون في المشروع وولفوفيتش، ولويس ليبي (رئيس طاقم موظفي تشيني اليوم) ورئيس تحرير "ويكلي ستاندرد" وليام كريستول·
وقد لفتت مقدمة التقرير إلى أن "الولايات المتحدة هي القوة الأعظم الوحيدة في العالم، تجمع ما بين القدرة العسكرية المتفوقة، والزعامة التكنولوجية العالمية، وإن الاقتصاد الأمريكي الذي هو الأعظم في العالم لا يواجه أي خصم عالمي· والاستراتيجيا الأمريكية الواسعة ينبغي أن ترمي إلى المحافظة على هذا الموقع المتقدم وتوسيعه نحو المستقبل بأبعد ما يمكن"· وللمحافظـة على هذا "الوضع الاستراتيجي المرغوب فيه" قال التقرير إن الولايات المتحدة "تحتاج إلى قدرة عسكرية عالمية متفوقة اليوم وفي المستقبل"·
واعترف مؤلفو التقرير أنهم وضعوه بناء على "التوجيهات التخطيطية الدفاعية" لوزارة الدفاع لعام 1992 التي وضعها تشيني في ذلك الوقت، عندما كان وزيراً للدفاع في إدارة بوش الأب، وولفوفيتش وليبي·
وتقول الوثيقة بلامواربة إن على الولايات المتحدة أن تواصل "تثبيط همم الدول الصناعية المتقدمة عن تحدي زعامتنا أو (···) حتى عن التطلع إلى دور إقليمي أو عالمي أكبر· (ولتحقيق هذا) يجب على الولايات المتحدة أن تحتفظ بالمسؤولية العليا عن التصدي للأشرار الذين لايهدّدون مصالحنا فحسب، إنما مصالح حلفائنا والأصدقاء أيضاً، أو الذين يزعزعون العلاقات الدولية بصورة خطرة"·
كان ذلك اعترافاً بأن التعبئة الكثيفة للقدرات العسكرية الأمريكية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط بعد عام 1945 لم تكن ترمي فقط إلى احتواء "التوسعية السوفييتية" وسحق ثورات العالم الثالث والسيطرة على الموارد الطبيعية مثل نفط الشرق الأوسط باعتباره مادة حيوية للمصالح الأمريكية·
فقد كانت التعبئة ترمي أيضاً إلى احتواء خصومها الرأسماليين المحتملين - أي بريطانيا وألمانيا وفرنسا واليابان - ضمن تحالفات عسكرية تهيمن عليها الولايات المتحدة وغايتها منع هذه الدول من تكوين قوات مسلحة مستقلة·
وقد ساند تقرير "مشروع القرن الأمريكي الجديد" مسودة "التوجيهات التخطيطية الدفاعية" للمحافظة على تفوق الولايات المتحدة، واستباق بروز قوة عظمى مخاصمة وقولبة النظام الأمني العالمي حسب المبادئ والمصالح الأمريكية (···) والأسس العامة للتوجيهات التخطيطية الدفاعية "مازالت صالحة"·
ونصح تقرير "مشروع القرن الأمريكي الجديد" بأن تنعطف الولايات المتحدة عن "عقد الإهمال الدفاعي" في تسعينات القرن العشرين وأن تزيد الإنفاق الحربي حتى يبلغ على الأقل ما يراوح بين 3.5 و 3.8 في المئة من الإنتاج القومي القائم (أي إلى ما فوق ثلاثة في المئة) بإضافة ما يراوح بين 15 ملياراًَ و 20 ملياراً سنوياً، زيادة عدد العسكريين في الخدمة الفعلية من 1.4 مليون إلى 1.6 مليون، وإعادة النظر في تمركز القوات الأمريكية بنقل القوات دائمة التمركز إلى جنوب شرق أوروبا (البلقان) وجنوب شرق آسيا (الأفضل في الفلبين و (أو) أستراليا، وتغيير أنماط انتشار الأساطيل حتى تعكس المخاوف الاستراتيجية الأمريكية المتنامية في شرق آسيا"يعني ذلك احتواء الصين والدفاع عن تايوان" ويحض التقرير أيضاً الولايات المتحدة على تطوير قدرتها على "خوض حروب ميدانية متعددة متزامنة وتحقيق النصر فيها" وفي الوقت نفسه" تنفيذ مهمات "الشرطة" المصاحبة لإعادة صياغة البيئة الأمنية في "المناطق الحساسة"، والمحافظة على "التفوق النووي الاستراتيجي" بتطوير أسلحة نووية صغيرة لـ "تدمير التحصينات الجوفية" واستئناف الاختبارات النووية وتطوير "حرب النجوم" العالمية و"النظام الدفاعي الصاروخي" والسيطرة على الفضاء الخارجي" والفضاء المعلوماتي وشق الطريق نحو خلق فرع عسكري جديد هو "القوات الفضائية الأمريكية" التي مهمتها السيطرة على الفضاء الخارجي"·
كل ما هو مذكور آنفاً يشير إلى أن ثلاثي تشيني - رامسفيلد - وولفوفيتش يملكون منذ وقت طويل برنامجاً لتوسيع الهيمنة الأمريكية· وما كان ينقص ذلك هو" الزناد" لإطلاقه أو وجود "تهديد خطير" بما يكفي أن يقنع الشعب الأمريكي بالتخلي عن "عامل السلام" واعتراضه على سقوط إصابات أمريكية في الخارج·
ولهذا السبب كانت هجمات 11 سبتمبر هدية من السماء لعصابة بوش، وسرعان ما تلقفت واشنطن الفرصة التي جاءت وكما اعترفت مستشارة بوش الابن للأمن القومي كوندوليسا رايس: "أعتقد حقا أن هذه المرحلة هي مشابهة لمابين عامي 1945 و 1947 التي بدأت الأحداث فيها تحرك الصفائح التكتونية في السياسات العالمية· ومن المهم محاولة انتهاز ذلك و تثبيت المصالح والمؤسسات الأمريكية قبل أن تستقر هذه الصفائح ثانية"·
منذ11 سبتمبر، حث أيضاً "القرن الأمريكي الجديد" في إدارة بوش الابن خطاهم لتنفيذ برنامجهم حتى يستبقوا إقفال نافذة الفرصة" وقد فازوا بزيادة ضخمة،للإنفاق العسكري حتى 379 مليار دولار لمابين عامي 2002 و 2003· ويزداد الإنفاق العسكري الكلي إلى خارج وزارة الدفاع، ومعـظمه لوزارة الطاقة من أجل برامج الأسلحة النووية· وهناك 38 مليار دولار أخرى مخصصة للإنفاق على "الأمن الداخلي" ومعظمه يغذي مجموعة مصالح الشرطة الأمريكية· وقد تصورت واشنطن أن ميزانية الحرب ستزداد باضطراد إلى نحو 451 مليار دولار بحلول عام 2007 أي بمعدل 30 في المئة·
لقد أعطت إدارة بوش علماً برفضها لاتفاق كيوتو بشأن غازات الاحتباس الحراري، ورفضها لصلاحيات المحكمة الجنائية الدولية ومعاهدة الدفاع الصاروخي المضاد للصواريخ أن القدرة العسكرية والاقتصادية والسياسية الأمريكية لن تكون خاضعة لأي شكل من القيود الدولية·
لقد انكشف أن الولايات المتحدة تُضْمر خططاً لاستعمال الأسلحة النووية ضد دول غير نووية تحت ستار إزالة خطر أسلحة التدمير الشامل، وقد ظهرت تقارير مفادها أن القوات الخاصة الأمريكية ستحصل عما قريب على تصريح لقتل أو اعتقال الإرهابيين أينما كانوا في العالم ووقتما تتوافر الفرصة من دون وجوب الحصول على إذن من الحكومات ذات الصلة·
ونتيجة حربها لإطاحة نظام "طالبان، ضمنتْ واشنطن لنفسها قواعد عسكرية دائمة ونشرت عشرات آلاف الجنود للمرة الأولى في منطقة آسيا الوسطى ذات الأهمية الاستراتيجية· وانطلاقاً من هذه القواعد، يمكن للولايات المتحدة بسهولة أكبر أن "تحتوي" روسيا والصين وأن تسيطر على منابع النفط الناشئة في منطقة بحر قزوين وأن تشدد قبضتها على منطقة الخليج وأن تقوي إمساكها بمعظم موارد الطاقة في العالم·
وباستعمال غطاء "الحرب على الإرهاب" زدات الولايات المتحدة أو استأنفت تمويل أنظمة قمعية ذات سمعة سيئة مثل اليمن وجورجيا وأندونيسيا وباكستان والفلبين وكولومبيا وجمهويات سوفييتية سابقة وأرسلت أيضاً عشرات آلاف المستشارين العسكريين حتى يساعدوا هذه الدول في سحق الحركات المناهضة للحكومة· وقد أعطت واشنطن ضوءاً أخضر لروسيا حتى تواصل حملتها الوحشية ضد النضال التحرري الشيشاني وللقمع الحكومي الصيني للانفصاليين في كسينغيانغ·
لقد وفّر 11 سبتمبر والحرب الأمريكية على الإرهاب التي أعقبته لأنصار الحروب في الطبقة الحاكمة الأمريكية أعظم فرصة حتى الآن لـ "الشفاء" من الأعراض الفيتنامية والاختبار الأكبر لذلك هو الاجتياح الأمريكي للعراق·
ويحتاج النشطاء المعارضون للحرب تعبئة أنفسهم بأعداد ضخمة لوقف هذه الحرب ولإحياء الوعي المعادي للحرب لدى الشعب الأمريكي بأسرع ما يمكن·
والتضامن يجب أن يكون متوافراًَ للمقاومة المحتومة لمثيري الحروب الإمبرياليين، هذه المقاومة التي ستنمو في جميع أنحاء الولايات المتحدة.
نشرت هذه المقالة في أسبوعية
"غرين لفت ويكلي" الأسترالية