يرى نسوة يسقين الجثث
نشمي مهنا
يتحدث الشاعر السعودي الشاب صالح الحربي الى النسوة، ويصغي إليهن وحدهن، على مساحة مجموعته الشعرية الأخيرة “أرى نسوة يسقين الجثث”، إذ يتعلق بـ “نونهن” من الغلاف واللوحة التشكيلية “للفنانة السعودية رضية برقاوي”، والعنوان نفسه، حتى غلافه الأخير··
ولكي تكتمل خلوة الشاعر بـ “نسوته”، لم يمر نص إلا وأهداه الى إحدى صديقاته الشاعرات (الشاعرة المغربية وفاء العمراني، الإماراتية نجوم الغانم، ميسون صقر، فوزية أبو خالد، العراقية أمل الجبوري، السورية لينا الطيبي، مرام المصري، أمل جمال، عالية شعيب”·
وبكل جرأة يهدي نصوصا أخرى الى حبيباته بأسمائهن الأولى “ناهد، رحاب، مريم، هـ· أ”·
كقميص يوسف
قُدّ قميصي
من دُبرٍ
·····
فكذبتْ
ثم قالتْ:
هيهات
يا صالحُ
أن تكون من الصادقينْ
ويستمر هذا الشاعر الـ “صالح” في التقاط مشاهده من قلب يومياته العاطفية، يُعمل فيها المخيّلة، فتكتمل الصورة الشعرية “بالألوان”· ولعلنا لا نضيف جديدا لقارئ المجموعة إن قلنا إن شاعرنا هو - بالأساس - رسام تشكيلي، له أعمال فنية عدة، وإن لم أرها - شخصيا - سوى في تلك النصوص الشعرية الملونة:
نامت على ذراعي
ألف حمامة وحمامة
والآن أبحثُ
عن حمامة
لأضع رأسي
على صدرها
لم أجد إلا
أجنحة مكسورة
وريشا··
ملطخا بدماءْ
حرارة الألوان، وحرقتها، واضحة في لوحات الحربي الشعرية، وإن مرت في أحيان كثيرة بعجلة· خاطفة، فتومض لنا في الزوايا مع لهاث شاعر يركض وراء ظباء الوقت، ويكتفي بالتلويح لنا من بعيد··
أحيانا أقول لو تأنى هذا الشاعر الشاب قليلا، حتى يعطي اللوحة وقتا لاكتمال المشهد، ويعطي فرصة لتزاوج الألوان فيها·· وأحياناً أخرى أرى أنه محق في عجلته، فقد يكون في الأناة و”العقلنة” الكثير من “تبريد” النص، وخفوت أضوائه، بل وقد يأتي - بعد الركون الى الصبر - وخفوت أضوائه، بل وقد يأتي - بعد الركون الى الصبر - بصور باهتة، فاقدة لـ “طزاجتها”·
لذا لا يمكن أن يقنعني الشاعر بـ “انتظاراته الطويلة خلف الأبواب والنوافذ”:
أبواب مفتوحة
نوافذ مفتوحة
······
أبواب مغلقة
نوافذ مغلقة
········
وأنا
خلف الشمس
خلف القمر
أنتظر
يحملنا الحربي بقطار “أي نسوة يسقين الجثث”، لنطل من النوافذ (معه) على مشاهد تجدّد في حقول اليوميات العابرة في كل لحظة، دون أن يدع لنا فرصة للتأمل·· قد يكون في بخله (كي لا نطيل بوقوفنا أمام مشاهد الجمال) جمال آخر·
في كلمات أهداها الى والده في مقدمة المجموعة يقول:
حقا·· حقا
النار لا تترك خلفها إلا الرماد
رغم أن القارئ لا يرى في نصوص المجموعة إلا حرائق “فاتنة” في كل مكان!
nashmi@taleea.com