رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 15-21 رجب 1423هـ - الموافق 21-27 سبتمبر 2002
العدد 1545

" الثقافة ضد الهزيمة " ليسري حسين
نكسة 67 أيقظت الضمير الثقافي العربي وجعلته يدرك أهمية الديمقراطية

عندما يكتب أحد تاريخ الانعكاسات الفكرية والروحية، وبالطبع الجمالية، لهزيمة 1967 العسكرية، على الحركة الثقافية العربية، والإنتاج الفكري والثقافي والإبداعي في المراحل التي أعقبت الهزيمة، فإنه سيضع هذا الكتاب على رأس قائمة مراجعه، ومصدرا من مصادرها الأساسية·

الكتاب اسمه “ثقافة ضد الهزيمة”، وصدر في نيف ومئتي صفحة في لندن قبل أيام قليلة، وفي طبعة قشيبة وبغلاف معبر، عن دار الحكمة· والمؤلف هو الكاتب والناقد المصري يسري حسين الذي عرفته الصحافة العربية المهاجرة نجما من نجومها البارزين على مدى عشرين عاما الأخيرة·

وأهمية الكتاب تكمن في أنه يقدم مجموعة من التحليلات الأدبية والثقافية والاجتماعية للآثار السلبية لهزيمة يونيو عام 1967، على الثقافة العربية خلال الثلاثين عاما الماضية، وخصوصا تفشي ظواهر مثل العدمية بأشكالها الوجودية والسياسية والروحية، والتي شاعت وذاعت في أوساط مثقفينا في السنوات التي تلت النكسة·

وكان اشتعال نيران “السلفية الفكرية” انعكاسا للسلفية السياسية والأيديولوجية التي ازدهرت وترعرعت، وخصوصا في مصر أيام السادات، بفعل سياسة الانفتاح، والحراك الطبقي الذي أوشك أن يقصم ظهر الطبقة الوسطى، ويلقي بأغلبية أعضاء المجتمع الى ما بعد خط الفقر، فيما برزت نخبة من الانفتاحيين والقطط السمان الذين نشروا قيما سياسية وأخلاقية واجتماعية تعارضت بشكل كامل مع ما آمن به المصريون منذ آلاف السنين·· إذ حل مفهوم “الفهلوة” محل قيمة العمل·· واستبدل مفهوم التنمية المستقلة بمفهوم “الاستيراد”، والكمبرادور وحيتان التوكيلات، الذين فرضوا ثقافة استهلاكية فارغة محل منظومة من الأفكار والقيم التي تحترم العمل باعتباره قيمة وطنية وإنسانية·· وغاب مفهوم الاستقلال الوطني بعد “العلاقات الخاصة” مع أمريكا مقابل المساعدات الاقتصادية·· وتقوقع الكثيرون حول مكتبة صغيرة من كتب التراث التي أنتجت في العصور الوسطى، لينشأ تيار سياسي رأى الحداثة، وقيمها، وهي تصاب في مقتل على رمال سيناء والجولان، فحمل كل ما خالفها من قيم، بل وسعى الى فرضها على المجتمع بالإرهاب، وكان ذلك كله انعكاسا للهزيمة، وثمرة من ثمارها المرة·· تلك هي ملامح الوجه المظلم الذي يتفق عليه الكثيرون، بمن فيهم يسري حسين نفسه، للهزيمة·

فماذا عن الوجه الآخر للهزيمة؟

أليست ظاهرة إنسانية، قادرة على فرز نقيضها؟

يقول يسري حسين عن هذا الجانب: “من فضائل نكسة 1967 أنها هزت العقل العربي وأيقظته من سباته الطويل·· لقد فجرت النكسة قنبلة داخل قبيلة المثقفين، وجعلت الجميع يلتفت حوله، ويعيد من جديد النظر في مجمل أفكاره واتجاهاته· وإذا كان البعض قد سقط في قبضة الغموض والعبثية· فإن البعض الآخر وضع يديه على مكمن الداء، وعلى الأسباب الحقيقية التي كانت وراء نكسة مدوية ما زالت تتفاعل أحداثها ونتائجها على ساحة الصراع العربي - الإسرائيلي”·

ويعود المؤلف، الذي كان من زعماء الطلبة المصريين الذين خرجوا في مظاهرات واسعة عام 1972 مطالبين السادات وقتها بتجاوز الهزيمة وخوض الحرب ضد الاحتلال الإسرائيلي، ليقرر: “النكسة مسؤولة عن حالة الوعي والانتعاش التي تغمر حاليا الدراسات والاتجاهات الفكرية الجادة· فهذه المدارس كانت تعيش، قبل 1967 حالة من الوعي المسلوب الذي أفقدها الرؤية، وأعماها عن متابعة ما حولها· هذه الهزة العنيفة جعلت أهل الفكر يبحثون عن الأسباب الجذرية التي جعلت الأمة تسقط أمام التحدي الإسرائيلي بسهولة وفي ساعات معدودة”·

مذبحة الصحافيين

ويرصد المؤلف في الفصول الأولى للكتاب أهم العوامل التي أدت الى النكسة، ويكاد يرجعها الى عامل واحد، وهو غياب الحرية والمشاركة الشعبية في اتخاذ القرار، وانفراد الاوليجاركية البيروقراطية باتخاذ القرار، من دون رقابة شعبية، مما أسفر عن مجموعة من الكوارث التي كادت أن تقضي على إنجازات المشروع الناصري، وأولى هذه الكوارث هي “النكسة”·

ففي فصل بعنوان “مذبحة الصحافيين”، وهو من أكثر فصول الكتاب إحكاما، يحلل يسري حسين، أبعاد معركة الصحافيين والكتاب المعروفين بميولهم الديمقراطية مع السلطة الناصرية عام 1964، عندما أمر حلمي سلام رئيس تحرير الجمهورية بفصل 39 كاتبا وصحافيا من جريدة الجمهورية من بينهم طه حسين، وتوزيعهم على المجمعات الاستهلاكية وشركات الأحذية·

يقول المؤلف محللا علاقة “الكاهن والفرعون”: “طلبت الحكومة من حلمي سلام تطهير جريدة الجمهورية “من تيار ديمقراطي راديكالي”، ولم يكن أمامه سوى القيام بهذه المهمة· وعندما تأكد من الضوء الأخضر لإعلان حملة التطهير، قام هو نفسه بضم أسماء الى القائمة، لا يريد أن تكون في مؤسسة يقودها، فعمل على التخلص من شخصيات منافسة له، ولم يفكر للحظة في قوانين الزمالة أو حتى الأخلاق المهنية·· لقد تحرك سلام بدوافع ذاتية، وتحركت الحكومة بدوافع سياسية، والتقى الطرفان على القيام بالمذبحة، وعندما يقول، إنه بريء، وإنه مجرد منفذ للأوامر، وإن الحكومة هي المدانة لوحدها، فلا أعتقد أن أحدا سيصدقه”·

معركة الطيب صالح

وإذا كان الاستبداد وغياب الديمقراطية من أهم أسباب النكسة، فإن “الانغلاق الفكري والأصولية السلفية الظلامية والفساد” من أمر ثمارها، وعبر رصد واسع للظواهر الثقافية وارتباطها بالتحولات الاقتصادية والسياسية التي شهدتها مصر والأمة العربية، من خلال الأدب والسينما والمسرح في السبعينات والثمانينات، سواء أنتجه مصريون أو عرب·

فمثلا يحلل المؤلف المعركة التي خاضها الناقد رجاء النقاش عندما كان رئيسا لتحرير سلسلة روايات الهلال في السبعينات، من أجل نشر رواية الطيب صالح الشهيرة “موسم الهجرة للشمال”، ضد النقاد السلفيين والمحافظين الذين اعتبروا الرواية جريئة أكثر من اللازم، يقول: “وتكونت “جوقة” ظلت تندب ندبا مستمرا حتى تمكنت من محاصرة الرواية ومصادرتها داخل مصر، إلا أن البيئات العربية الأخرى تولت حمايتها، بعد أن وجدت طريقها إلى مطابع بيروت، التي تولت توزعيها في الأقاليم العربية التي حمت شروط الإبداع، ووفرت المناخ الملائم له بعيدا عن قبضة الغوغائية الفكرية التي لا تؤمن بفكرة التعددية على ساحة الأدب والفن، وأظن أن رجاء النقاش عوقب من السلطات المحافظة على هذه الخطوة الجريئة، فقد كان الرجل ينشر أدبا فحاسبوه بمنظار الجمود، وعاقبوه بمنطق السياسة”·

ومن أدونيس ونزار قباني والبياتي والقشطيني وبلند الحيدري وسعدي يوسف وحتى صلاح عبدالصبور وحجازي وأمل دنقل ويوسف إدريس ونجيب محفوظ ويوسف شاهين ومحمود السعدني، الذي أهداه كتابه، يرصد أهم الظواهر الفكرية والأدبية والنقدية التي شهدتها ثقافتنا الحديثة بعد النكسة، وكيفية ارتباطها بالتحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها الأمة وخصوصا في مصر، مما جعل الكتاب بمثابة عملية جرد فكري وجمالي ونقدي تكاد تكون شاملة للنتاج الثقافي العربي في الثلاثين عاما الأخيرة، ويبقى أن كتاب “ثقافة ضد الهزيمة”، بلغته العذبة الصافية، واتساع مدى موضوعاته وشمولها من الكتب التي تشي بأن شمس الثقافة الموسوعية لم تأفل بعد·

الكتاب: ثقافة ضد الهزيمة

المؤلف: يسري حسين

الناشر: دار الحكمة - لندن·· مايو 2002

طباعة  

محاضرة
 
قضية
 
مئه وخمسة عشر عاماً مضت من توقيعه عليها
رامبو يرسم ثلاث لوحات في "بيت مري"!

 
المرصد الثقافي
 
خبر ثقافي
 
وتد