بالنسبة إلى كل الذين اعتادوا الأزمات العراقية في السنوات الأخيرة، ليس ما يحصل الآن سوى شيء كلاسيكي· فإذا لم تكن القضية مأساوية، فنحن نتحدث إذن عن مأساة نفسية منظمة جيدا· فالإذعان للضغط الدبلوماسي والعسكري يعني أن صدام حسين قدم تنازلا· والرئيس العراقي يعرف جيدا أطراف هذه اللعبة، حيث يعاند إلى اللحظة الأخيرة· والسبت الماضي أيضا، أكد أحد بارونات النظام العراقي، طارق عزيز، بالصوت العالي القوي: لا مجال لعودة غير مشروطة لمفتشي نزع التسلح العراقي إلى العراق· وفي ليلة الإثنين وحتى الثلاثاء، حيث تغيير مفاجئ للنظام فقد أعلن وزير الخارجية العراقي ناجي صبري في الأمم المتحدة أن المفتشين يمكنهم العودة من دون شروط عراقية هكذا أثمر الضغط· فباعتباره مترجما سيئا للنوايا الدولية، انتهى صدام حسين إلى أن يكون عند مستوى الموقف· وقد أدرك أخيرا أن الرئيس الأمريكي جورج بوش، الذي قبل المرور عبر مجلس الأمن الدولي، استطاع تعبئة جزء كبير من المجتمع الدولي وراء مواقفه، وتحديدا البلدان العربية مثل مصر والمملكة العربية السعودية أي أن على العراق أن يلتزم الحظر المفروض عليه منذ عام 1991 وأن لا يطور أي أسلحة للتدمير الشامل، ومن أجل التحقق من أنه لا يخرق هذا الحظر - وهذا ما يمكن الارتياب فيه فعلا - فإن الطريقة الأفضل هي إعادة إرسال المفتشين إلى العراق· وهذا ما تقول بغداد إنها تقبله الآن بعدما كانت ترفضه أمس·
لقد صدرت عن وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان ردة فعل صائبة: ينبغي تصديق صدام (والعمل بموجب ذلك) أي أن يعود المفتشون الى العراق· وكل شيء سيكتمل إذا عملوا بضعة أسابيع بحرية· ولا يلزم غير بضعة أسابيع لمعرفة ما إذا كان العراق يخفي شيئا· إنه الحد الأدنى الذي يطالب به الرأي العام - في العالم العربي وأوروبا والولايات المتحدة - بحق وهو أن لا تندلع حرب جديدة مع آلاف الضحايا غير المقصودين الذين تسقطهم في صفوف المدنيين، والمجهول العظيم الذي قد يعقب مغامرة عسكرية في بلد مقسوم بحدة مثل العراق وفي منطقة أقرب إلى الانفجار مثل الشرق الأوسط والمكاسب الجديدة التي قد يعيد الإرهاب تحقيقها·
لقد رفضت واشنطن العرض العراقي واعتبرته "تكتيكا مصيره الفشل".
وهذه ردة فعل سلبية· فالكل يعرف: صدام حسين مخادع· لكن الحرب أشد خطرا من أن لا نأخذ كلام الرئيس العراقي كما هو· وفي الواقع، فإن كلام الولايات المتحدة هو القضية· فهل تريد نزع سلاح العراق أم إطاحة صدام حسين؟ ما الأولوية والغاية الحقيقية للحملة الحالية؟ وعلى الأمم المتحدة أن لا تستمع لواشنطن· وعلى مجلس الأمن الدولي أن يتبنى قرارا يفرض عودة المفتشين إلى العراق· فهذه مرحلة ضرورية·
افتتاحية "لوموند"