سجلت اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر بداية حرب حقيقية، بل حرب غير تقليدية· وفور وقوعها، أعلن البعض أن الأفعال وردود الفعل ينبغي أن تنطلق بوضوح وفقا لطبيعة الصراع مثل هوية العدو· غير أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر تبقى حتى هذا اليوم كارثة فريدة وما زال مبكرا القول ما إذا كان الصراع طويلا أو سريع الزوال، مركزيا أم على الأطراف لأن هناك ترددا حساسا بشأن تحديد العدو·
نحن ندرك جميعا بعمق ما يمكن أن يكونه الحكم المسبق، ذلك أننا نمنع على أنفسنا أن نذكر جنسية المجرمين وديانتهم لأن هذا الذكر قد ينطوي على تفاعلات حادة وقد يؤدي الى مضاعفات لجميع ممثلي جنسية أو ديانة معينتين بما يجعل الذنب والوازرة يزران البعض (نقيضا لقول ولا تزر وازرة وزر أخرى) وفي هذه الحالة بعينها، كان هناك 19 قرصان جو من أصل 200 مليون عربي وأكثر من مليار مسلم· إن التجاهل المقصود للأصل الإثني والديني لقراصنة الجو الـ 19 وكأنهم ليسوا غير لصوص بنوك ليست جنسيتهم والديانة سوى مصادفة، خطأ· وعلى نقيض ذلك، فإذا أخذنا في الحساب ما حصل، لا يمكن استبعاد هجمات أخرى·
والواقع، أنه يقال إن الإجراءات الأمنية القاسية المنفذة في الولايات المتحدة مصوغة بشكل يسمح بتفادي “التصنيف الإثني”· ذلك أن وزير النقل الأمريكي نورمان مينيتا، الذي يعرف نفسه على الموقع الرسمي للوزارة في الإنترنت بأنه واحد من 120 ألف ياباني - أمريكي أرسلوا الى معسكرات الاحتجاز بعد بيرل هاربور، يميل الى التذكير بأن الاعتداء الوحيد الذي تعرضت له طائرة تجارية مدنية أمريكية بعد الحادي عشر من سبتمبر لم يكن بيد شخص عربي الأصل يحمل اسما مسلما إنما بيد هندي من أصل بريطاني اعتنق الإسلام·
وهكذا كان موظفو أمن المطار في واشنطن يميلون عند وصول مجموعة من المهاجرين الباكستانيين الذين يطلق رجالهم لحى تذكر بالأصوليين، يميل هؤلاء الموظفون الى إزعاج النساء العجائز بكسر الشفرات الوحيدة في مقصات أظافرهن بدلا من الانتباه الى من قد يكون عربيا أو مسلما·
ومن أجل تفادي محاكمة باهظة الثمن تقوم على أساس قانون حظر التمييز، يميل موظفو المطارات الى اختيار مسافرين يفتشونهم بدقة بناء على معايير ليس الدين أو الجنس أو العرق واحدا منها· ومن هذه المعايير أن يسافر شخص في اتجاه واحد أو أن يدفع نقدا، (لا بوساطة بطاقة بنكية) لكن شيئا من هذه المعايير لم يكن يقصد النساء العجائز، لأن قراصنة الجو ركبوا الطائرات بناء على بطاقات سفر للذهاب والإياب ودفعوا ثمنها ببطاقات ائتمان·
إن الحرب الرسمية على الإرهاب تقوم إذن على تجاهل أو تناسي حقيقة بسيطة تقول إن قراصنة الحادي عشر من سبتمبر كانوا عربا ومسلمين·
كانوا إرهابيين مدفوعين بتفسير متشدد ديني بالنسبة الى بعضهم ودنيوي بالنسبة الى البعض الآخر، وشائع بين أبناء بلادهم وإخوانهم في الدين (بالنسبة الى سياسة الولايات المتحدة)·
إن شريط الفيديو الأول والكامل لأسامة بن لادن يبدأ بالحديث عن خسارة شبه جزيرة المورة في إسبانيا (الأندلس) التي كانت السيطرة عليها تمثل ذروة سطوة القوة العربية، وينتهي بالحديث عن تدنيس المسيحيين المسلحين للجزيرة العربية، مرورا بسقطات كثيرة مثل إسقاط نظام الخلافة بيد كمال أتاتورك عام 1924، وخسارة جزء من كشمير عام 1947، وخسارة فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني لمصلحة اليهود عام 1948، وفقدان جزء أكثر أهمية من فلسطين عام 1967، أو خسائر أخرى في البوسنة والشيشان وشينغيانغ (تركمانستان الشرقية)·
لكن في أصل هذا الحقد، نجد فقدان الطهارة الإسلامية في البلدان التي يعاقب حكامها المنعزلون والمهملون رعاياهم على أمور تعتبر فاجرة (مثل كشف النساء شعورهن أو وجوههن الى جانب الرجال على انفراد أو اللواتي يقدن السيارات أو يعرضن في بعض الأماكن مثل المسابح العامة أجسادهن) في حين أن بعض الشخصيات المسلمة - التي تمنع هذه التجاوزات - يشربون الخمرة بنفاق وسرا وينغمسون في الجنس الحرام·
منذ 11 سبتمبر، أغرقنا الخبراء الغربيون، العرب والإيرانيون بنصائحهم عن مصادر هذه الاعتقادات الجارفة المبلغة لمرتكبي القتل الجماعي عبر الكتبة والخطباء الذين يقطّرون الحقد· وهذا يتصل في هذه الحالة مثلا، بشويعر (شاعر صغير) ومدرس بسيطة، وصحافي مغمور وناقد أدبي غير معروف لكن كاتبا غزير الإنتاج، إنه سيد قطب، الذي أعدمته حكومة جمال عبدالناصر عام 1966 خلال قمعها لحركة الإخوان المسلمين· فالفرضية المركزية في تفكير سيد قطب تقول إن العنف وحده هو الذي يعيد الطهارة المسلمة والشرف العربي، اللذين قضت عليهما (حسب اعتقاده) القوى المادية الغربية· وذلك يتصل أيضا بالشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي أسس في القرن الثامن عشر نسخة تطهرية ومتزمتة للمدرسة الإسلامية الأشد تعصبا، وحملت مذذاك لقب الوهابية·
إن الالتقاء القاتل بين مثالية سيد قطب، الذي دعا الشبان الى “أن يَقتلوا وأن يُقتلوا في سبيل الله” واستعداء محمد بن عبدالوهاب على المسلمين المعتدلين وغير المسلمين ليس سوى ثمرة المصادفة، لكنه ثمرة سياسية حكومية أيضا، فمنذ تأسيس الدولة السعودية، وبفضل عوائد نفطية ضخمة، ووجود مدارس وجامعات، استقدم كثير من المصريين حتى يكونوا معلمين، وكثير منهم كانوا أتباعا لسيد قطب· أما محصلة ذلك فمن المستحيل أن تكون تعليما ليبراليا·
لقد أوضح لنا المتخصصون أنفسهم أيضا أن العقائد العنيفة للإسلاميين الأصوليين هي على الرغم من خلفياتهم الإسلامية (التطهيرية) ذات غايات سياسية· وهكذا لا يكون الأمر متصلا بالروحانية بقدر اتصاله بقضية السلطة·
والمفارقة، أن هذه العقائد هي في الوقت نفسه أيديولوجيا معادية للحداثة، بقدر كونها في الجوهر حديثة مثل الفاشية، النازية أو اللينينية، عقائد لا يرى فيها الإسلاميون، المستنفدون معنويا حتما، بطريقة غير واعية إلا مبادئ عملهم (ذلك أن مؤسس حركة الإخوان المسلمين حسن البنا كان معجبا بموسوليني)·
لكن بقدر حداثة هذه السياسة المعادية للحداثة، فإن إسلاميي اليوم، وخصوصا السنة، يبقون حملة المعتقدات الدينية القديمة لمحمد بن عبدالوهاب: فهي تبدو جوهرية لأنها تضفي شرعية على نفي الحق في الحياة للمؤمنين بديانات أخرى· ومن دون الوهابية، لم يكن إسلاميو القاعدة الحديثون قادرين على الأرجح على إعلان حرب شاملة على المسيحيين واليهود، سواء كانوا مستعمرين أو غير مستعمرين، صهاينة أم غير صهاينة· فقد أعلنوا مسؤوليتهم عن الاعتداء الوحيد ضد هؤلاء بعد اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر: تفجير شاحنة أمام كنيس يهودي في جزيرة جربة حيث تقيم طائفة يهودية غير صهيونية بل مسالمة تعيش في دولة عربية·
لقد أشاع “المتخصصون” إذن فكرة خطأ وفرضوها، وهي تقول إن الأمر لا يتصل بديانة قروسطية، إسما بتحريف سياسي للحداثة· لكن بوساطة البريد الإلكتروني، والتكنولوجيا المتطورة، والمهندسين الدوليين، وأولئك الذين أعطوا الأوامر من بعد أو شخصيا بتنفيذ اعتداءات الحادي من سبتمبر، مثل كل المقاتلين “الجهاديين” في العالم، فإن هؤلاء هم عناصر متدينة، ذات دوافع قوية، ورجعيون وفي تطلعاتهم·
إنهم يتطلعون نحو قوة أو سلطة عسكرية أو شبه عسكرية قبل كل شيء، في حين أن قواعد السلوك الشخصي لديهم باعتبارهم يسعون الى فرض معتقداتهم على النساء وتحقيق أمانيهم وغرائزهم كما في فجر الإسلام، تؤكد ببساطة أن الإسلاميين حداثيون ومعاصرون في هوسهم الجنسي فقط، ومنه تعدد الزوجات الكثيف لدى الطالبان الذي كانت غايته خلق موانع جديدة باضطراد أمام القدرة الإغرائية الساحقة للنساء·
إن العبء الفكري عليهم يدفعهم الى الاعتقاد أن التاريخ انحرف عن مساره بفعل مؤامرات شريرة تؤدي الى تأخير لحظة تحقق الوعد الإلهي بسيادة الإسلام فوق كل الأرض والبشر· وإن هذا التأخير يسمح للمسيحيين ذوي الاقتدار، ولبعض اليهود أو الهندوس بتدنيس الأرض التي ينبغي أن يعيش عليها المسلمون بسلام· وفي اعتقادهم، كل محنة هي ناتجة من انتهاك لمبادئ الإسلام ومن ظلم يقع على المسلمين (في كشمير وفي فلسطين) ونتيجة قمع مادي للمسلمين الأشد ضعفا·
هكذا، ينبغي علينا الاستفادة من هذه العناصر من أجل بلورة تكتيكات واستراتيجيات الصراع والأهداف أيضا· إن الشكوك ذات الصلة بهوية العدو شجعت البلدان الإسلامية حتما على الموافقة على الحرب على الإرهاب في أفغانستان، بل على المشاركة فيها، هذه الحرب التي بفضلها انهارت قوة الطالبان بسرعة على رغم الجبال والثلوج الوشيكة وشهر رمضان·
وقد سمحت الشكوك أيضا لقوى الشرطة وعملاء الأمن في البلدان الإسلامية بالتعاون في ملاحقة وتوقيف أنصار القاعدة· وإذا كان هناك خجل في متابعة هذه الحملة في المملكة العربية السعودية، فإن الحملة كانت أكثر جدية في ماليزيا ومصر والجزائر وتونس وفي باكستان وحتى في ليبيا· ويمكن أن نضيف الى ذلك جهودا ثمينة بذلتها قوات الشرطة فور هجمات الحادي عشر من سبتمبر، في تفكيك شبكات الإسلاميين القائمة منذ سنوات في الولايات المتحدة وأوروبا والغرب وكثير من الأماكن حيث بقيت تعمل على رغم الاشتباه من دون أن تخاف شيئا·
نتيجة ذلك، تم كشف شبكات ناشطة وتفادي هجمات وشيكة أو ربما إفشالها في أماكن مختلفة مثل روما وسنغافورة أو سويداد دل استي في باراغواي· وفور الهجمات على نيويورك وواشنطن تشكل على الرغم من أحادية الجانب التي توصف بها إدارة بوش، تحالف دبلوماسي واستراتيجي ضم روسيا أيضا وشعبي الصين والهند مع حلفاء الأطلسي واليابان وبلدان أخرى·
في هذا الإطار خيضت الحرب في أفغانستان· وكان طبيعيا أن تبرد الحماسة مع عودة الأمن الى أفغانستان· لكن يبقي الأهم أن نبقى جميعا موحدين في الحرب على الإرهاب·
بقلم إدوارد لوتواك
(لوفيغارو)