رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8-14 رجب 1423هـ الموافق 14-20 سبتمبر 2002
العدد 1544

هل الولايات المتحدة أعلى من القانون الدولي؟

بقلم: عبد الهادي خلف

من الثالث حتى العاشر من سبتمبر استضافت الأمم المتحدة الاجتماع الأول للدول التي شاركت في إنشاء المحكمة الجنائية الدولية الجديدة·

هذا الحدث يتسم بأهمية تاريخية، لأنه يؤتي ثمار خمسين سنة من النضال لتأسيس محكمة ذات سلطات قضائية عالمية لمحاكمة الأشخاص المتهمين بارتكاب المذابح وجرائم الحرب والجرائم الأخرى ضد الإنسانية·

قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة للمرة الأولى إقامة مثل هذه المحكمة في ديسمبر من عام 1948· ثم أدت خمسة عقود من المداولات إلى تبني إعلان روما المؤلف من 106 صفحات وتأسيس المحكمة الجنائية الدولية في يوليو من عام 1998· وحتى الآن، صادقت على المعاهدة ثمانون دولة من أصل 139 دولة موقعة، فصارت أعضاء في اجتماع الدول المؤسسة الذي انعقد في نيويورك· وهكذا تكون هذه الدول وافقت على سلطة المحكمة الجنائية الدولية في الجرائم المرتكبة بحق الإنسانية على أراضيها فصارت غير قادرة على التحقيق أو المحاكمة بنفسها·

كان العمل بالنسبة إلى مشروع الأمم المتحدة هذا يجري بصورة هادئة تقنياً وإدارياً لإقامة المحكمة الجنائية الدولية بسرعة وكفاءة· ومن المتوقع أن تبدأ المحكمة العمل في أواسط العام 2003، ومن المقرر انتخاب المدعي العام وقضاتها الـ 18 في هذا الخريف·

وبإقامة مقرها في لاهاي، تصبح المحكمة الجنائية الدولية هيئة دائمة ذات تعويض لممارسة سلطتها على الأشخاص المطلوبين لارتكابهم أفظع الجرائم·

وعلّة وجود المحكمة هي أن المجتمع الدولي يريد أن يُظهر أنه لن يتسامح بعد الآن مع الأعمال الوحشية من دون تقديم مرتكبيها للمحاسبة ولملاقاة القصاص العادل للجميع من رؤساء الدول، حتى القادة العسكريين وصولاً إلى أدنى الجنود مرتبة·

اعترت نشطاء حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم فرحة بهذه التطورات· بل منظمة العفو الدولية ذهبت إلى وصفها بأنها “ثورة في المواقف القانونية والأخلاقية إزاء أسوأ الجرائم في العالم”·

بالنسبة إليها، كان إنشاء المحكمة الجنائية الدولية رداً على إخفاق المجتمع الدولي في إحضار أي مرتكب للمذابح، والجرائم بحق الإنسانية أو جرائم الحرب إلى العدالة منذ محاكمات نورمبرغ وطوكيو التي أعقبت الحرب العالمية الثانية·

إن قائمة المرتكبين المزعومين للجرائم المرتكبة بحق الإنسانية منذ ذلك الوقت والذين فروا من العدالة طويلة· وفي حالات تتصل بأشخاص مثل أوستو بينوشيه ورئيس أندونيسيا السابق سوهارتو، أظهرت النظم القضائية الوطنية أنها غير ملائمة لاتهام الزعماء السابقين·

وهناك دروس مستقاة من مآس إنسانية في منطقتنا أيضاً· ويعتبر تقرير كاهانا عن المجازر بحق المدنيين في المخيمين الفلسطينين في لبنان عام 1982 شهادة على ممانعة الدول لإظهار أبطال حروبها باعتبارهم مجرمي حروب·

وفي حالة أخرى، لم تقبل الحكومة الإسرائيلية حتى مجرد الاعتراف بمسؤوليتها عن مذبحة المدنيين في قانا بجنوب لبنان أو اعتبار المذبحة جريمة حرب على الرغم من إدانتها من جانب لجنة تقصي الحقائق الدولية، إن المسؤولية الأكبر تقع على وزير الخارجية الإسرائيلي حالياً شيمون بيريس الذي كان رئيساً للوزراء في ذلك الوقت، ومازال يتمتع بالامتيازات المقرونة بكونه حامل جائزة نوبل للسلام·

إن الغائب الأكبر عن الاجتماع الدول المشاركة في تأسيس المحكمة الجنائية الدولية هو الولايات المتحدة طبعاً، فقد انسحبت من هذا المشروع الدولي الفريد والتاريخي خلال المراحل الأولى للعمل على مشروع إعلان روما، بعدما أخفقت في الحصول على حصانة شاملة للجنود الأمريكيين إزاء تفويض المحكمة الدولية·

في يوليو الماضي، أصدر مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1422 الذي يمنح جنود السلام بمن في ذلك الجنود الأمريكيون حصانة إزاء المحكمة الجنائية الدولية على أساس سنوي قابل للتجديد· وقد كان ذلك، أقل بكثير مما كانت تتمناه إدارة بوش· ففي البداية حاولت أن تحصل على استثناء كامل للجنود الأمريكيين من تفويض المحكمة الدولية· وعندما أخفقت، شنت حملة دبلوماسية لإبرام اتفاقات ثنائية مع مختلف البلدان حتى لا تسلم إلى المحكمة الجنائية الدولية أي مواطن أمريكي يمكن أن يكون مطلوباً في المستقبل·

ولتحقيق ذلك، لجأت إدارة بوش إلى تكتيكات إخضاعية كثيرة، بما في ذلك التهديد بوقف المعونة العسكرية للبلدان التي ترفض الإذعان، وهذا الضغط مرشّح للازدياد في المستقبل، حتى يرقى إلى التهديد بوقف القروض وأشكال التعاون الأخرى· لكن لا تعود جميع النجاحات إلى التكتيكات الإخضاعية·

ففي الخامس من أغسطس، أدخلت الولايات المتحدة إلى البند 98 في اتفاق مبرم مع إسرائيل، يمنع وفقه كل طرف تسليم مواطني الطرف الآخر، بنداً يختص بتسليم الأشخاص إلى المحكمة الجنائية الدولية· وتسعى إسرائيل إلى تنازلات إضافية، بما في ذلك أن لا تنظر المحكمة الجنائية الدولية في بناء المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة باعتباره جريمة حرب·

وفي حين حصلت إدارة بوش على تعاون حفنة من البلدان·

فهي مازالت تواجه اعتراضاً قوياً من لاعبين دوليين أقوياء، فقد دعت المفوضة العليا للشؤون الإنسانية في الأمم المتحدة سابقاً، الإيطالية إيما بونينو، دعت الاتحاد الأوروبي للقيام بعمل مشترك حازم وقوي لمعارضة الخطوات الأمريكية، وإلاّ واجهت المحكمة الجنائية، حسب ما تؤكد، ضعفاً خطيراً·

ووصف وليام بايس، الذي يترأس ائتلافاً لأكثر من ألف منظمة غير حكومية، تهديدات الحكومة الأمريكية والأعمال القسرية الأخرى باعتبارها “جزءاً من جهد متعدد الاتجاهات لزعزعة العدالة الدولية والقانون الدولي وعمليات حفظ السلام الدولية”، ودفعت الحملة الأمريكية الهجومية منظمة “هيومان رايتس ووتش” إلى أن تكتب إلى الأطراف التي وقعت إعلان روما تحضها على الوقوف في وجه التهديدات بوقف المعونة العسكرية إذا رفضت الرضوخ لمطلب الامتناع عن تسليم مواطنين أمريكيين إلى المحكمة الجنائية الدولية·

منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، كانت الولايات المتحدة تحشد الدعم لـ “الحرب على الإرهاب”· وقد شعر معظم الناس حول العالم بتعاطف مع توق الأمريكيين العاديين إلى إحضار مرتكبي  المذبحة إلى العدالة·

لكن إدارة بوش تعمل وكأن الولايات المتحدة هي وحدها صاحبة المصيبة في العالم· ومدعومة بالقدرة العسكرية والتهديد بمعاقبة بلدان أخرى لاترضخ لمطالبها، فهي تحيي الفكرة العنصرية الكولونيالية عن وجود طبقتين من الناس، ففي الطبقة العليا هناك الأمريكيون الذين لايمكن محاسبتهم على أي “ضرر جانبي” ربما يلحقونه بأولئك الذين في الطبقة الدنيا· على هذه الخلفية، يكتسب الاجتماع في نيويورك أهمية رمزية إضافية باعتباره دلالة على أن المجتمع الدولي يملك القدرة على تجميع قوة كافية للصمود أمام الضغوط من أمة بمثل قوة الولايات المتحدة· 

  أكاديمي بحريني يحاضر في علم اجتماع التنمية لدى جامعة لوند في السويد

عن ديلي ستار اللبنانية

طباعة  

جذور الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي