رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 8-14 رجب 1423هـ الموافق 14-20 سبتمبر 2002
العدد 1544

ما الذي سقط في 11 سبتمبر:؟
وهم الصراع الحضاري أم رأس ثقافة الإرهاب؟

كتب المحرر الثقافي:

أي ثقافة تقودنا نحو العماء وأيّ وعي يدفعنا نحو الهاوية، لقد أصبح التعصب الديني هو مقياس الإيمان وغايته، وكلما زاد ذلك التعصب توهمنا ازدياد الإيمان، هنالك خلل عميق في فهم الدين الإسلامي وتفسيره قاد نحو كارثة 11 سبتمبر، ولن يبرحنا الخطر وستتكرر الكار ثة إن لم نجتث المسببات ونواجه حقيقتنا بشجاعة·

من المحزن أن تتم الجريمة البشعة بأيد عربية مسلمة ويتم تبرير تلك الجريمة بطريقة أو بأخرى، لقد ساهم الغرب في مسيرة التطور الإنساني ومنحها النماء والبناء وأضاف إلى التطور الحضاري، أما أبرز ما منحه العرب والمسلمون للعالم فهو الهدم والتدمير ذلك ما سوف يسجله التاريخ لنا على جداريات الحضارة الإنسانية·

انطلاق الانفجار

يقول د· هشام شرابي في كتابه النقد الحضاري لواقع المجتمع العربي “إن الثورة الحقيقية تكمن في الصراع اليومي لتحقيق الجزئي والممكن والقريب، تحقيق الحريات الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة·

الثورة الحقيقية ليست الركض المستحيل، وراء الكلي والشامل والبعيد”، لم يكن صعبا تتبع زِرْ انطلاق الانفجار في 11 سبتمبر، فاليد التي جهزت تلك الحمم الشريرة لم تتجسد في عصرنا الراهن لكنها نتاج عصور متتالية من الجهل والاستبداد خطهما سيف التاريخ العربي والإسلامي، ولعدم وجود المثال التعددي انسحب الفكر العربي عبر تاريخه السياسي إلى سلطة الفرد الأوحد مما أدى إلى تضخم تلك السلطة الفردانية وتوهم حكومة الفرد الأوحد أن بيدها حل كل معضلة بفكرة واحدة وأن بين يديها فقط الانتصار الحاسم على كافة المشكلات وبضربة واحدة، وبالطبع سوف تنكسر تلك الضربة الواحدة ولن يتبدل من واقع السوء شيئا سوى التغير نحو واقع أسوأ، ومن جهة أخرى تهمش المعركة الحقيقية من أجل الإنسان ويتمّ تغييب الممكن والقريب ليصبح بعيداً ومحالاً·

الخطر المؤجل

إن أفضل دفاع للعرب والمسلمين عن أنفسهم هو إدانة الجريمة ومرتكبيها بشكل قاطع وواضح والمساهمة في اقتلاع جذور جماعات الإرهاب والعمل الجاد للتأكيد على سماحة الدين الإسلامي وفصله عن الفكر الدموي·

ولكن ما حصل في الواقع هو العكس تماما فلقد أكد الرئيس بوش منذ البداية على فصل الدين الإسلامي عن مرتكبي الجريمة المسلمين، بينما تطوع غالبية الكتاب المسلمين وساهم الكثير من المثقفين ورجال الدين في زج الدين الإسلامي ليكون جزءا في الصراع ولم يتم إدانة الجريمة بقدر ما تم التحايل لتبريرها بشكل أو بآخر، ومن الواضح أن الجذور الشيطانية قد سوّرتْ وطوّقتْ ولكن من المؤكد أنه لم يتم اقتلاعها من مكامنها بعد، وفي ذلك خطر آخر مؤجل·

المؤامرة!!

أما على سبيل المثال التبريري يمكننا تتبع مقالتين في جريدة الشرق الأوسط، إحداهما لفهمي هويدي والأخرى لـعبدالرحمن الراشد، مازال الأول يتوهم حرباً على أفكار الإسلام وأرصدتهم منطلقاً من عنصر المؤامرة وليس ما تقتضيه الضرورة بالفعل للقضاء على منابع الإرهاب، بينما الآخر يُرجع وقوع أحداث 11 سبتمبر ويلقي باللوم على عدم تفهم أجهزة الاستخبارات العسكرية الأمريكية للتهديدات الإرهابية···!  وربما نجد رداً مقنعا على المقالتين عند د· أحمد بشارة في مقالته بجريدة “القبس” “العرب والمسلمون ·· حساب عام على أحداث سبتمبر” حيث يوضع بدقة المسار الخاطئ ويحاول قدر الإمكان تصحيحه “حولنا معركة المتطرفين والإرهابين مع العالم، والغرب خصوصا، إلى معركة العرب والمسلمين فقبلنا التخاصم والمشادة مع العالم نيابة عن عصابة بن لادن وأتباعه ولربما بما فاق حساباتهم، فصار همّ الكثيرين من السياسين والكتاب والمنظمات ورجال الدين وخطباء المساجد البحث عن المبررات للأعمال الإرهابية وفكرها المتخلف، فساهم هؤلاء من حيث لايدرون في خلط الأوراق وتبديد المصالح”·

سقوط الوهم الحضاري

لا يمكننا أن نعتبر كارثة 11 سبتمبر نتاجا طبيعيا لصراع حضاري يمتد على النقيض في جهة الغرب ممثلة في الولايات المتحدة، وفي جهة الشرق  ممثلة بالعرب والمسلمين ولا يمكننا بأي حال من الأحوال ومهما بالغنا في تقدير قوتنا أن نكون ندا للعملاق الغربي في صراع عادل، وإن يكن على افتراض أن ذلك ممكنا فليس من المقبول حتى على سبل الافتراض أن يتخذ ذلك الصراع المنحى الدموي والشكل الأعنف للتطرف، وفي حالة اتخاذه سبيل العنف والدم طريقا للتعبير عن طبيعة الاختلاف وبديلا عن مدّ جسور الحوار يكفّ عن كونه صراعا حضاريا ولذلك لا يمكننا أن نعتبر ما جرى صراعا أو نتيجة لصراع حضاريّ·

صراع ثقافي

ونحن حتى على المستوى الثقافي لسنا مؤهلين للوقوف في وجه الثقافة الغربية ولسنا قادرين بكل أسف حتى على التواصل معها ولم نبذل على الأقل محاولة جادة لفهمها، وبالتالي فصلت الذهنية والوعي العربي الإسلامي عن بقية العالم ومن ارتكب وخطط ونفذ أحداث 11 سبتمبر هو الأكثر جهلاً بالثقافة الغربية والأشد كرها لها، وإن يكن قد ولد في مدنها وترعرع في خيرها· لذلك يبدو أن الثقافة الفرانكوفونية مرشحة للوقوف أمام الثقافة الأنجلوسسكونية في صراع يبدو على الأقل أكثر تكافؤا وإقناعا حيث تبدو الثقافة العربية الإسلامية أمامها مجرد ذاكرة خاوية تهرب باستمرار نحو معين الماضي الذي شارف على النضوب·

إن استمرارنا في العوم في مضيق مستنقع الجمود الفكري والنكوص المستمر نحو الوراء والرجوع بفقدان الوعي وتغييب دور العقل سيساهم مرة أخرى بإشعال فتيل تدمير ذاتي آخر·

بن لادن وقيمة الإنسان

لقد دمر زلزال 11 سبتمبر المباني ولكنه ثبت المبادىء والقيم في القلوب المؤمنة بالحرية والديمقراطية ولم تسقط تحت أنقضا الرماد سوى رؤوس الشر والإرهاب التي شوهت تحت أنقاض سماحة الدين الإسلامي في ذهن الآخر وشوهتْ ما تبقّى من قيم ومبادئ للإنسان العربي في مرآة الوعي العالمي·

إن الخسارة الحقيقية لابن لادن وأتباعه ومؤيديه هي عدم معرفتهم لقيمة الإنسان، وعدم استطاعتهم تلمس جهات الحرية الحقيقية، وعدم قدرتهم في يوم من الأيام على فهم حقيقة الحياة، وهذا بالتحديد هو النصر الحقيقي - قيمة الإنسان، الحرية، الوعي الذي تتفهمه جيداً الولايات المتحدة وهو الذي انتصر في النهاية ولم يسقط في ركام 11 سبتمبر·

طباعة  

أخبار ثقافية
 
شعر