انقسمت جوهانسبيرغ ما بين “سانتون” مكان انعقاد اجتماعات الوفود الحكومية و”نازرك” مكان انعقاد منتدى المجتمع المدني و”أبونتو فيلج” والتي ضمت معارض الشركات المهتمة بقضايا التنمية المستدامة ذات الطابع التجاري· قمة جوهانسبيرغ أو القمة العالمية حول التنمية المستدامة عقدت في الفترة من 26 أغسطس- 4 سبتمبر 2002 لمناقشة خطة عمل تتبعها الحكومات فيما يتعلق بالتنمية المستدامة وهي خطة كان يتعين ان تقوم على أساس أجندة 21 التي تم اعتمادها في ريو دي جانيرو أو قمة الأرض التي عقدت في عام 1992، وغطت وسائل الإعلام العالمية والعربية الاجتماعات الحكومية التي دارت حول خطة العمل ولكن الكثير من وسائل الإعلام لم تأبه كثيرا بمنتدى المجتمع المدني الذي عقد على هامش هذه القمة في الفترة من 23 أغسطس - 4 سبتمبر· فبالرغم من أن الأمم المتحدة في جميع المؤتمرات التي تنظمها تولي منظمات المجتمع المدني وخاصة المنظمات غير الحكومية أهمية خاصة وتؤمن بضرورة قيام تلك المنظمات في التأثير على القرارات التي تتخذها الحكومات فإن ما يحدث على أرض الواقع شيء مختلف، فعادة ما تخصص الدولة المضيفة لأي تجمع دولي، سواء بقصد أو بغير قصد، مكاناً للمجتمع المدني يبعد كثيراً عن مكان انعقاد المؤتمر الحكومي وبالتالي يصبح التواصل بين ممثلي الحكومات ومنظمات المجتمع المدني صعبا للغاية، وتأتي إجراءات الأمن لتزيد الأمر تعقيدا على تلك المنظمات وخير مثال ما حدث في جوهانسبيرغ فالمسافة بين سانتون ونازرك تتراوح ما بين الساعة والساعتين وفقا لزحمة المرور وهناك أيام معينة على ممثلي تلك المنظمات الحصول على بطاقات دخول خاصة وعليهم الانتظار في الطابور ما بين ثلاث وأربع ساعات للحصول عليها كما أنه يحدد عدد معين يتم توزيعه ومن لم يكن محظوظا فعليه المحاولة يوماً آخر وإضاعة أربع ساعات أخرى، لذا اتخذت غالبية المنظمات قرار البقاء في نازرك والمشاركة في الأنشطة المختلفة مثل ورش العمل والمحاضرات والتي تتناول جميع قضايا التنمية المستدامة خاصة المسائل التي تختلف بشأنها الحكومات· إلا أن التواصل لم ينقطع بين سانتون ونازرك فهناك عدد معين من ممثلي المنظمات غير الحكومية تتواجد بشكل دائم في سانتون وتنقل كل ما يحدث هناك إلى نازرك وخاصة موقف كل دولة أو مجموعة·
في اللغة التي تتناولها المنظمات غير الحكومية كثيرا ما كان يثار موضوع دول الجنوب ودول الشمال وأن الأخيرة تستغل موارد الجنوب دون أن تساهم في عملية التنمية في تلك الدول كما كان يطرح موضوع الدعم الذي توفره دول الشمال لمزارعيها حتى تحمي منتجات دولها من صادرات الجنوب وبذلك يكون من الصعب على دول الجنوب أن تبيع منتوجاتها في دول الشمال في الوقت الذي تقيم شركات دول الشمال مشاريعها في دول الجنوب بكل يسر·
قضايا كثيرة أخرى تثيرها منظمات دول الجنوب وهي قضية تتضمنها خطة عمل جوهانسبيرغ وتتعلق بمسؤولية الشركات القانونية وخاصة الشركات النفطية أو المنتجة لمواد خطرة ، فهذه الشركات عندما تقيم مشروعاً في دول الجنوب لا تلتزم بشروط السلامة والأمن مما يعرض العاملين فيها للخطر كما أنه في حال وقوع حادث لا تقوم تلك الشركات بتعويض العمال بشكل منصف كما حدث في مصنع بوبال في الهند·
هناك الكثير من المنظمات بما فيها منظمات في الولايات المتحدة الأمريكية ترى أن الشركات الكبرى تمارس نوعاً من التمييز العنصري ضد السود والملونين فهي تقيم مصانعها الخاصة بإنتاج المواد السامة التي يقطنها هؤلاء الأشخاص كما أنها تردم نفاياتها في مناطقهم مما يعرضهم للإصابة بالأمراض السرطانية·
كان هناك هجوم مستمر على سياسات الولايات المتحدة الأمريكية بما في ذلك من قبل منظمات أوروبية وأمريكية فهذه المنظمات تؤكد أن الولايات المتحدة تعرقل أي نص لا يخدم مصالحها وقد كان العداء واضحا ضدها عندما حضر وزير خارجيتها السيد باول لإلقاء كلمة دولته فقد ثار ضده ممثلو المنظمات غير الحكومية ولم يتمكن من الحديث إلا بعد اعتقال البعض وطرد البعض الآخر·
كان هناك شعور لدى غالبية المنظمات غير الحكومية أن ما يطرح في هذه القمة هو اللغة نفسها التي طرحت في اجتماعات منظمة التجارة العالمية التي عقدت في الدوحة· موضوع حقوق الإنسان كان من المواضيع الشائكة التي اختلفت حولها الحكومات فبعد أن كان هناك إشارات كثيرة في النص الرسمي إلى مسألة حقوق الإنسان أزيلت جميعها ما عدا إشارة واحدة·
المسيرات والسياسة في جنوب أفريقيا
كان واضحاً الانقسام بين التكتلات السياسية في جنوب أفريقيا وهو موضوع ربما لم يكن يثير اهتمام الكثير من المنظمات غير الحكومية إلا أنها وجدت نفسها معنية بفهم ما يجري بين هذه التكتلات المختلفة· فعندما تم الإعلان عن مسيرة للمنظمات غير الحكومية اتضح ان هناك ثلاث مسيرات جميعها يبدأ من المكان نفسه أي أستاد جوهانسبيرغ في منطقة الكساندرا إحدى أفقر المناطق في جوهانسبيرغ لتنتهي في سانتون مكان انعقاد المؤتمر الحكومي· فقد دعت ثلاث جهات إلى ثلاث مسيرات الأولى دعت لها المجموعة المسؤولة عن تنظيم منتدى المجتمع المدني والثانية الحركة الاجتماعية اندبا(Indba) والثالثة حركة من ليس لهم أراض (Landless People) وجرت الكثير من المحاولات لتوحيد المسيرات الثلاث إلا أن كل فريق أصر على الخروج بمسيرة منفصلة· فقد اتهمت الحركتين الأخيرتين أن المجموعة الأولى تمثل ائتلاف المؤتمر الوطني (Alliance National Congress) (ANC) الذي يحكم البلاد وهو أيضا الائتلاف الذي يضم في عضويته نيلسون مانديلا· وترى الحركتان الأخيرتان أن الائتلاف قد خان المبادئ التي ناضل من أجلها جميع من عانى من سياسة الفصل العنصري فما زال الكثير من الجنوب أفريقيين يعانون من الفقر والبطالة والتشرد لعدم حصولهم على أراض (مساكن) ومن وجهة نظرهم أيضا أن الائتلاف الحاكم قد خان الجميع عندما وقع على اتفاقية الشراكة بين الدول الأفريقية والدول المتقدمة (NEPAD) إلا أن هذه الأمور لم تكن بهذا الوضوح بالنسبة إلى الكثير من المنظمات غير الحكومية وقررت كل منظمة الانضمام إلى إحدى المسيرات وذلك وفقا لقناعات كل واحدة منها إلا أنه كان من الملفت للنظر استقطاب حركة الاندبا لأعداد كبير من المنظمات خاصة التي تمثل السكان الأصليين (Indigenous People) من الدول الأفريقية والآسيوية وأمريكا اللاتينية·
في المسيرة التي دعت لها المجموعة المسؤولة عن تنظيم المنتدى تجمع المشاركون في المسيرة في أستاد جوهانسبيرغ الرياضي في منطقة الكساندرا وألقيت مجموعة من الكلمات بدأها رئيس جنوب أفريقيا تابو ميبيكي بين فيها أن اختيار الكساندرا له مدلول رمزي لدى الجنوب أفريقيين فبالرغم من التقدم الاقتصادي والاجتماعي الذي أحرزته جنوب أفريقيا فإن هناك مناطق ما زالت تعاني من الفقر والبطالة ونقص الرعاية الصحية كما أكد على مجموعة من المبادئ ذات الصلة بالتنمية المستدامة التي يتعين على الدول إعطاءها أهمية خاصة ومن ضمن خطابه أيضا أبدى تعاطفا مع الفلسطينيين وتحدث عن حقهم في دولة مستقلة وحقهم المشروع في النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي·
ثم بدأت المسيرة التي استغرقت أربع ساعات من الأستاد إلى شوارع الكساندرا الضيقة إلى شوارع جوهانسبيرغ الفسيحة وصولا إلى مقر انعقاد المؤتمر الحكومي تحت حراسة مشددة حيث تم تسليم عريضة إلى ممثل الأمم المتحدة تتضمن مطالب جميع المنظمات المشاركة في القمة·
سارت جميع المسيرات في اليوم نفسه ولكن في أوقات متفرقة وطرقات مختلفة وقد انضمت مسيرة الاندبا ومن ليس لهم أراض عند نقطة النهاية· أما بالنسبة إلى المنظمات الفلسطينية فقد رأت أن تشارك في جميع المسيرات وعدم تفضيل فريق على الآخر، خاصة أن هناك تعاطفاً كبيراً من الجنوب أفريقيين مع القضية الفلسطينية وتوجد لجان تضامن دائمة لهذه القضية·
وفي خضم الدعم والتعاطف الكبيرين مع القضية الفلسطينية يتصدر الأحداث نشاط مشترك بين الحكومتين الأردنية والإسرائيلية فبناء على الإعلان الموجود في برنامج الأنشطة الموازية للقمة والنشاط هذا يعرض مشروعا مشتركا أردنيا- إسرائيليا في حوض البحر الميت، وقد ناقشت المجموعة العربية التي تضم الوفود الحكومية هذا النشاط وكلفت عدداً من أعضاء المجموعة بالاتصال بالوفد الأردني لثنيه عن إقامة نشاط كهذا فالوقت غير مناسب ليس فقط في ظل الأوضاع المتدهورة في الأراضي الفلسطينية ولكن كونه يعتبر مكسباً ودعاية كبيرتين لإسرائيل إلا أن الوفد الأردني أصر على موقفه فيما فسر على أنه “أوامر عليا للاستمرار في المشروع”· وقد أعربت المنظمات غير الحكومية العربية عن استيائها من خطوة كهذه وقررت مجموعة من أعضاء هذه الجمعيات حضور هذا النشاط لمعرفة ما يدور فيه وفعلا تم حضور النشاط الذي تحدث فيه الجانب الأردني ممثلا في باسم عوض الله وزير التخطيط ود· حازم الناصر وزير الري والسيد محمد ناصر العالم ومن الجانب الإسرائيلي وزير التعاون الإقليمي وقد تحدث الأردنيون عن أهمية مشروع إنقاذ البحر الميت المهدد بالنضوب بالإضافة إلى إنقاذ معالم أثرية إسلامية ومسيحية ويهودية وتطرق إلى أمور فنية كثيرة وأشار إلى أن السلطة الفلسطينية معنية بالأمر أيضا وختم حديثه بأن الموضوع فني بحت وأنه غير مسموح بطرح الأسئلة السياسية وهو تنبيه لممثلي المنظمات العربية بعدم إثارة الموضوع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن هذا لم يمنع من التساؤل بأي حق يتحدث الأردنيون بالنيابة عن السلطة الفلسطينية أو فيما إذا كانت إسرائيل التي هي لليهود فقط تهتم بالآثار الإسلامية أو المسيحية كما أن المتحدثين الأردنيين لم يشيروا إلى مأزق البحر الميت الذي تدهور وضعه بشكل كبير بسبب الاستخدام الجائر من قبل إسرائيل خاصة فيما يتعلق باستخراج الأملاح·
أحد أهم القضايا التي دار حولها الكثير من المناقشات على الأقل بالنسبة إلى الدول المنتجة للنفط هي قضية الطاقة المتجددة، فالنص الرسمي للمؤتمر يدعو إلى تشجيع إيجاد بدائل للطاقه المنتجة من "الوقود الأحفوري" أي النفط وهو الأمر الذي اعترضت عليه الدول المنتجة للنفط، ولكن هل تحفظ الدول المنتجة للنفط سيغير من الأمر شيئاً؟ الكثير من الشركات تعمل على إنتاج بدائل من غير النفط وقد كان معروضا أمام مكان انعقاد المؤتمر الحكومي سيارتان تعملان بالهيدروجين، وقد يرى البعض أن هذه عملية مكلفة ومن الصعب تعميمها ولكن الدول المتقدمة تعمل على توفير الدعم للشركات التي تعمل على إيجاد بدائل حتى عام 2020 فهل تبدأ الكويت باتخاذ إجراءات منذ الآن لمواجهة اليوم الذي يصبح فيه النفط أرخص سلعة لإنتاج الطاقة؟ وبعد عشرين عاما عند انعقاد قمة للتنمية المستدامة هل ستطالب الجمعيات الكويتية بالحصول على المياه الصالحة للشرب والكهرباء والعمل والمسكن كما تفعل منظمات المجتمع المدني في دول الجنوب الأخرى؟
وهل تعي الحكومة الكويتية أهمية موضوع الحكم الرشيد “Good Governance” الوارد في النص الرسمي والذي يتضمن من جملة أمور أخرى بأن السياسات البيئية والاقتصادية والاجتماعية الصحيحة بالاضافة إلى مؤسسات ديمقراطية تلبي حاجات الأفراد إلى جانب تطبيق حكم القانون وإجراءات محاربة الفساد والمساواة بين الجنسين هي دعائم التنمية المستدامة·
فهل تعي الحكومة أن ظاهرة تجاوز القوانين بدءاً من قانون المرور إلى قانون النظافة إلى التعدي على أملاك الدولة سواء من قبل أفراد أو مسؤولين في الدولة وكذلك اختيار الوزراء على أساس قبلي وطائفي وانتشار الوساطة والتمييز ضد المرأة خاصة فيما يتعلق بحرمانها من حقوقها السياسية هي أمور تتنافى مع تحقيق التنمية المستدامة·