رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 30 جمادي الآخر 7 رجب 1423 هـ الموافق 7-13 سبتمبر2002
العدد 1543

الإدارة الأمريكية: من يقنع من بالهجوم على العراق؟

أدت التصريحات النارية حول العراق التي أدلى بها زعماء أمريكيون إلى حدوث ردود فعل خائفة لدى الأصدقاء والخصوم في الخارج، وفي الداخل أيضا· والنقاش يتركز على قضية التفتيش الدولي عن أنشطة التسلح العراقية· فهل هذا يعتبر خطوة جوهرية قبل ترقب الحرب؟ أم هو مجرد تضليل لتضييع الوقت؟

لقد نجح الصقور في الإدارة الأمريكية حتما في إحداث نقاش ذي حدة متجددة بشأن كيفية التعامل مع العراق ودكتاتوره صدام حسين· لكن إذا أردنا إصدار حكم بناء على ما يقال في العلن على الأقل، لم يستطع هؤلاء حتى الآن إقناع كثير من حلفائهم بمساندة موقفهم القتالي· فقد كانت ردود الفعل الدولية على خطبتي نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد، اللذين جادلا في أهمية إطاحة صدام حسين، متشككة في أحسن الأحوال·

في الثالث من سبتمبر، كان الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان يبدو وكأنه يدحض الحجة التي وضعها صقور واشنطن، إن قرارا جديدا صادرا عن مجلس الأمن غير لازم للتفويض قانونيا بشن هجوم على العراق، لأن صدام حسين انتهك مرارا قرارات المجلس· وقال عنان: “مجلس الأمن هو المرجع النهائي في قراراته، وينبغي أن يكون هناك تفسير (من جانب أعضاء المجلس أنفسهم) لهذه القرارات· وأنا أتمنى أن تكون لهم كلمة قبل أن يحدث أي شيء)·

كان عنان يتحدث قبل اجتماعه بنائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز في قمة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة في جوهانسبرغ· وقد انتهز عزيز فرصة الاجتماع حتى يزيد تعكير المياه زاعما أن العراق مستعد للتعاون مع الأمم المتحدة ولأن يسمح بعودة المفتشين الى أراضيه، إنما بشرط اعتبار ذلك جزءا من تسوية “شاملة” مع واشنطن تشمل رفع العقوبات· غير أن قرارات الأمم المتحدة قاطعة ولا تقبل الشروط في مطالبتها العراق بالتخلي عن أسلحة التدمير الشامل· وقد قللت واشنطن فورا من أهمية تعليقات عزيز· وقال الناطق باسم الرئاسة الأمريكية آري فلايشر إن العراق يغير مواقفه بشأن ما إذا يسمح للمفتشين بالعودة بأكثر مما يغير صدام ملاجئه”·

هناك نقطتان أثارتا المخاوف الأولى هي إيحاء مفاده أن الإدارة الأمريكية قد تشن حربا من جانب واحد من دون أن تسعى إلى موافقة متجددة من مجلس الأمن الدولي - أي النقطة التي تحدث عنها عنان - وربما حتى من دون موافقة من الكونغرس الأمريكي (مع أن الإدارة تؤكد الآن أنها ستتشاور” مع الكونغرس، وأن تشارك في جلسات الاستماع في سبتمبر) النقطة الثانية هي أن تشيني ورامسفيلد كلاهما يؤكد بقوة ضرورة العمل الوقائي بإطاحة صدام حسين، سواء أوافق أم لم يوافق على طلب الأمم المتحدة أن يسمح بعودة المفتشين للتحقيق في تصنيع العراق أسلحة التدمير الشامل· وفي الواقع، ذهب تشيني إلى أبعد من ذلك، مجادلا بأن هناك “خطرا عظيما لأن تقدم (عمليات التفتيش) طمأنة زائفة”·

يبدو أن تعليقات تشيني أثارت فورا نوعا من ردة الفعل السريعة من وزير خارجية أمريكا كولن باول· فقد كان باول حريصا على البقاء في جلباب سياسة الإدارة، أي أن العراق يشكل خطرا حقيقيا وأن لا بد من القيام بشيء تجاهه، لكن لهجة تصريحه وجوهره مع هيئة الإذاعة البريطانية في وقت سابق من هذا الأسبوع كانا مختلفين بقوة عما قاله تشيني ورامسفيلد·

ففي مقابلته مع هيئة الإذاعة البريطانية، عرض باول المسألة على النحو التالي: لقد وافق على أن عمليات التفتيش قد لا تؤمن “طمأنة من نوع يمكن أن تكون له قيمة” لكنه قال إنها قد تكون مفيدة باعتبارها خطوة أولى وأضاف: “دعونا نرى المفتشين يعودون· لنرسلهم إلى العراق· فلماذا نبقيهم خارجه؟” وأشار باول إلى أنه يفضل السعي إلى مساندة دولية قدر الإمكان لأي عمل قد تقوم به الولايات المتحدة·

أعلنت كثرة من الحكومات الأجنبية اعتراضها على العمل العسكري· ففي 28 أغسطس أعربت الهند والصين - والأخيرة عضو دائم في مجلس الأمن - عن اعتراضهما· ثم أصدر الرئيس الباكستاني برويز مشرف تحذيرات من أن يؤدي ذلك الى متاعب في البلدان الإسلامية· وفي الشرق الأوسط نفسه، كانت الانتقادات أعلى بكثير· فقد قال يحيى المحمصاني، سفير الجامعة العربية لدى الأمم المتحدة، إن هجوما على العراق ينتهك ميثاق الأمم المتحدة· واستبعدت المملكة العربية السعودية، وهي حليف قديم لأمريكا، استعمال أي من قواعدها لمهاجمة العراق، وهذا موقف لم يتغير على الأقل حتى 27 أغسطس حين التقى بوش في مزرعته بتكساس سفير المملكة العربية السعودية·

في أواخر الشهر الماضي، زار وزير خارجية قطر، البلد الذي يؤوي قواعد عسكرية أمريكية قيل إنها مركز قيادة بديل في الحرب، العراق ليعبر عن معارضة العمل العسكري· وفي تحذير آخر من صديق مهم في المنطقة، قال الرئيس المصري حسني مبارك في خطاب ألقاه في 27 أغسطس إنه في حال حدوث هجوم أمريكي على العراق، “لن يكون حتى زعيم عربي واحد قادرا على ضبط غضب الجماهير”·

الخوف من الغضب الشعبي يفسر أسباب الاعتراض المعلن للقادة العرب الذين هم في السر أقل اعتراضا على العمل العسكري حسب ما يقول الأمريكيون· لكن حتى في أوروبا، ليس هناك غير بضع حكومات راغبة في مساندة الحرب علانية· فقد عبر الرئيس الفرنسي جاك شيراك عن مخاوفه من إضفاء شرعية على الاستعمال الوقائي والوحيد الجانب للقوة، ثم انتقد السفير الأمريكي لدى برلين المستشار الألماني غيرهارد شرويدر على تعليقاته القائلة إن خطط الحرب “مغامرة”، أما منافس شرويدر في الانتخابات المقبلة وهو أدموند شتويبر، فقد قال إن الحرب تحتاج إلى مساندة الأمم المتحدة·

في بريطانيا، أكثر الحلفاء دعما للولايات المتحدة، أخذ الوزراء الكبار ينأون بأنفسهم عن الخط الذي يدعو إليه تشيني ورامسفيلد· فقد كان وزير الخارجية جاك سترو يؤكد أن الحرب ليست غير محتومة، إذا أمكن إقناع صدام حسين بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالعودة إلى بلاده· وتقول بريطانيا إنها تنظر في الطلب من الأمم المتحدة أن تضع موعدا نهائيا دقيقا وصارما لإعادة المفتشين، الذين سحبتهم عام 1998 ثم منعهم العراق من العودة·

يصح القول طبعا أن يكون أسهل على الولايات المتحدة بكثير أن تحصل على المساندة الدولية بسياسة تقوم حصرا على إجبار صدام حسين على قبول أعمال التفتيش الدولية الاقتحامية· لكن أمريكا ترفض استبعاد الاجتياح حتى لو سمح للمفتشين بالعودة ولم يجدوا شيئا· ففي هذه الظروف، وحسب ما يقول شرويدر وآخرون، ليس هناك لصدام أي حافز للسماح بالتفتيش، الذي يعتبره مجرد خدعة للتجسس عليه· ومن جهة أخرى إذا أسقطت أمريكا تهديدها، فإن يديها تبقيان مغلولتين لو سمح صدام للمفتشين بالعودة، ولم يستطيعوا العثور على دليل على عبثه·

تخشى الإدارة الأمريكية، أن صدام قد ينجح، كما فعل في الماضي، في تضليل المفتشين، وبأنه بوساطة لعبة القط والفأر بشأن ما إذا يسمح لهم بالعودة، قد يؤخر خطط الحرب الأمريكية شهورا أو سنين، خاصة في ضوء صعوبة خوض القتال في الصيف العراقي، والى هذا يعزى كون كثير من كلام تشيني عن خطورة أسلحة التدمير الشامل مطبوعا بالخوف· فقد قال إن صدام “يقود نظاما شموليا اخترع مخادعة المجتمع الدولي علما” وتجادل أمريكا بأن صدام يملك أصلا أسلحة بيولوجية وكيميائية وبأنه يحاول تطوير أسلحة نووية وأنه يجب وقفه· وفي هذا الشأن، قارن رامسفيلد موقف بوش من العراق بتحذيرات ونستون تشرشل في ثلاثينات القرن العشرين من صعود ألمانيا النازية·

لكن على صقور الإدارة الأمريكية حتى في الداخل أن يقنعوا المشككين حتى في الرتب الرفيعة داخل الحزب الجمهوري· وكانت خطبة من رامسفيلد وخطبتان من تشيني آخر مساهمات في الجدال الداخلي، الذي كان معظمه على نحو غريب يحدث في صفحات الرأي في الصحف الأمريكية البارزة· ومن الأصوات التي ارتفعت تحض على الحذر تجاه العراق كان هناك جيمس بيكر وزير خارجية جورج بوش الأب، والعقل المدبر للمعركة القانونية في فلوريدا التي حملت الفوز إلى جورج بوش الابن بالرئاسة في عام ألفين· وقد حض بيكر، الذي أدى دورا كبيرا في بناء التحالف الدولي الذي ساند حرب أمريكا في الخليج ضد العراق عام 1991، الإدارة على الاضطلاع بعمل دبلوماسي مماثل·

كانت كلمات بيكر الناصحة بين أكثر التقييمات رزانة لمخاطر العمل العسكري الوحيد الجانب: النطاق الضخم للعملية، والالتزام الذي تتطلبه من الولايات المتحدة على مدة عشر سنوات من بناء أمة (أخرى) والكلفة المالية الضخمة، والمخاطر التي قد تصيب تحالفات قديمة في الشرق الأوسط وغيره·

في هذا الجدال، نادرا ما كان بوش يتحدث كثيرا، باستثناء الإصرار على سياسته بشأن تغيير النظام في العراق، مع التأكيد أنه رجل صبور لم يتخذ بعد القرارات النهائية بشأن العمل العسكري· وربما تكون البلاغة النارية الأخيرة لأكثر الصقور تشددا في الإدارة هي جزء من معركة لا لإقناع الناس والرأي العام الدولي فحسب، إنما من أجل بوش نفسه، لكن استنتاج تشيني يوحي بأن النوايا صارت محسومة: “مخاطر الانكفاء عن العمل هي أعظم بكثير من خطر العمل”·

(الايكونوميست)

طباعة  

بعد أن أصبحت مرتعا لحزب "الإخوان المسلمين" عاثوا فيها فسادا
مخالفات مالية كبيرة أطاحت بمسؤولي مكتبي "الشهيد" و"الإنماء الاجتماعي"

 
تداخل فيها السياسي بالاقتصادي بالبيئي··
قمة الأرض عمقت الخلافات·· فهل أربكت احتمالات ضرب أمريكا للعراق؟

 
تصدّعات في عالم الغرب
 
أربعة أسباب وراء انسحاب الخرطوم من المفاوضات
السودان يعلن وقف المفاوضات مع الحركة الشعبية

 
من يقف وراء كشف الفضائح لايهدف إلى الإصلاح بقدر الرغبة العارمة في القيادة
الصراع في الحزب الوطني المصري يفتح ملفات الفساد