رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 30 جمادي الآخر 7 رجب 1423 هـ الموافق 7-13 سبتمبر2002
العدد 1543

كوفي عنان صمت عن مجازر رواندا وسكت عن فظائع “حادث” جنين

  بقلم عبدالهادي خلف

في الأول من أغسطس، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان التقرير الذي طال انتظاره بشأن جنين· وهذا التقرير الذي كانت غايته تقديم الحقائق فقط حول “الحادث”، لم يسع الى استخلاص استنتاجات بشأن ما حصل خلال أسبوع من إبريل حين أطلق الجيش الإسرائيلي سعاره القاتل في المخيم وهو يطوقه بحصار حديدي·

وعلى نحو ما كان متوقعا، رحبت الحكومة الإسرائيلية بحرارة بهذا التقرير لأنه برأها من سوء الفهم ولم يعط مصداقية للادعاءات الفلسطينية قائلة إن مجزرة حصلت في المخيم· وقد رأى فيه كثير من المحللين العرب تبرئة أخرى لإسرائيل تتوج أربعة أشهر كاملة من شلل الأمم المتحدة خلال إعادة الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية·

كان التقرير نتيجة مناورات دبلوماسية أعقبت إخفاق مجلس الأمن في الاتفاق على قرار ينتقد الأعمال العسكرية الإسرائيلية· ومقابل صمت المجلس، وافقت إسرائيل على السماح للأمم المتحدة بإرسال لجنة لتقصي الحقائق حتى تحقق في ما حصل داخل المخيم المقفل· وعين كوفي عنان فريقا من 20 عضوا يقودهم الرئيس الفنلندي السابق مارتي أهتيساري لهذه الغاية·

بعد أيام من المكاتبات الحادة، وعلى الرغم من موافقتها على الرضوخ لقائمة متزايدة من الشروط الإسرائيلية المسبقة، استنتجت الأمم المتحدة أن الحكومة الإسرائيلية لن تتعاون مع لجنة تقصي الحقائق التي اجتمع أفرادها في جنيف· وخلال هذه المدة، كتب عنان أن الأمم المتحدة “بذلت كل جهد لاستيعاب مخاوف إسرائيل”·

بفعل إحباطهم من العرقلة الأمريكية والإسرائيلية، نقل الفلسطينيون قضيتهم الى الجمعية العامة للأمم المتحدة التي دعت الأمين العام على استحياء الى تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات ذات الصلة بالأحداث الأخيرة في المخيم من دون انتظار تعاون إسرائيل·

كان الهجوم الإسرائيلي على مخيم جنين جزءا من عملية السور الواقي التي بدأت في 29 مارس، وفيها أعادت القوات الإسرائيلية احتلال ست من مدن رئيسية في الضفة الغربية والقرى ومخيمات اللاجئين المحيطة بها·

يؤكد التقرير أن الأعمال العسكرية الإسرائيلية “تميزت بحظر التجول القاسي والقيود القاسية علي المدنيين، وعلى حظر موقت لتحركات العناصر الدولية بما في ذلك أفراد هيئات الإغاثة أحيانا، وكذلك مراقبي حقوق الإنسان والصحافيين، وفي كثير من الأحيان، لم يكن عمال الإغاثة الإنسانية قادرين على بلوغ ذوي الحاجة”·

لم يجد التقرير أدلة كافية لإعطاء مصداقية للادعاءات الفلسطينية القائلة إن القوات الإسرائيلية ارتكبت مجزرة على الرغم من أن “مصادر موثوقا فيها أفادت عن فظائع مرتكبة في المخيم وعن وجود أدلة واضحة عن جرائم حرب”· وهذا التقرير يقول أيضا “إنه قد يكون محتملا وقوع مجزرة أو جريمة حرب ضد الإنسانية في مخيم جنين للاجئين”·

وعلى الرغم من أن التقرير أكد أنه لا ينوي تجريم أي جهة فقد استنتج ما يلي: “في المحصلة، ارتكبت قوات الاحتلال الإسرائيلية من دون أي شك انتهاكات صارخة للقانون الإنساني الدولي· ومن دون شك، ارتكبت إسرائيل وهي الدولة المحتلة جرائم حرب، بما في ذلك انتهاكات صارخة لمعاهدة جنيف الرابعة في مدن فلسطينية عدة بما في ذلك في مخيم جنين· وهذه الجرائم تشمل القتل العمد والمعاملة اللاإنسانية والاعتقال غير القانوني لأشخاص يتمتعون بالحماية والتدمير المكثف للأملاك وكل ذلك غير مبرر عسكريا وتم تنفيذه خلافا للقوانين”·

عندما أصدرت منظمة “هيومان رايتس ووتشش” تقريرها عن أحداث جنين في مايو، أعلنت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ماري روبنسون أن ذلك أثار مخاوف عظيمة من أن القوات الإسرائيلية انتهكت القانون الدولي واستعملت قوة مفرطة ضد السكان المدنيين وارتكبت جرائم حرب في مخيم جنين· ودعت المفوضة التي تنتهي ولايتها قريبا الدولة المسؤولة، إسرائيل، لإجراء تحقيق مستقل في الموقف وأن تحاسب الذين تجدهم متورطين في انتهاك القانون الإنساني الدولي·

وما حدث في جنين قد لا يرقى الى مذبحة، بل ربما كان مجرد “جرائم حرب” لكن هذا ليس مسألة خزعبلات قانونية·

إن الـ 497 فلسطينيا الذين قتلوا والـ 1447 الذين جرموا في مجرى إعادة احتلال الجيش الإسرائيلي للضفة الغربية هم بشر لا مجرد أرقام مجردة· وإذا أخذنا عدد الضحايا بالنسبة الى عدد السكان فإن القتلى الفلسطينيين يعادلون 70 ألف قتيل أمريكي بالإضافة الى نحو 200 ألف جريح·

اعترف عنان على الأقل أن هذا التقرير هو نتيجة تحقيق مكتبي يقوم على مصادر ثانية، ولا يشكل بديلا من تحقيق ميداني، لكن عيوبه الكثيرة ليست عائدة كلها الى حقيقة أن مؤلفيه حرموا من الوصول الى إسرائيل والأراضي الفلسطينية لتنفيذ العمل الميداني المطلوب·

هناك عيوب أخرى تعكس تصميم عنان الظاهر على تقديم رواية تلقي اللوم بالتساوي على مواجهة بين أقوى جيش في الشرق الأوسط وعلى السكان في مخيم صغير·

يوفر تقرير جنين لمنتقدي عنان أمثلة إضافية عن نهجه البيروقراطي· وهو يناسب نمط سيرته العملية ذلك أن التلميح لا يكفي للمواساة في من لقوا حتفهم في جنين، أو الذين نجوا حتى تستمر معاناتهم لعواقب الاجتياح الإسرائيلي المتجدد·

في نوفمبر الماضي، شرحت عضو مجلس الشيوخ الأمريكي سينثيا ماكيني أسباب اعتراضها على ترشيح الأمين العام للأمم المتحدة لجائزة نوبل· فقد قالت إن عنان والأمم المتحدة يلطخهما دم ملايين الموتى بسبب الدور الذي لعبه شخصيا في كثير من المآسي الإنسانية بما في ذلك رواندا وتيمور الشرقية·

خلال أولى المجازر، في رواندا، كان عنان رئيسا لقسم عمليات حفظ السلام في الأمم المتحدة، ومسؤولا شخصيا عن قوة حفظ السلام في رواندا· وتؤكد التحقيقات اللاحقة في المحنة أنه تلقى عام 1994 تحذيرات مسبقة مهمة عن خطط لارتكاب فظائع· ويقول منتقدوه، بمن فيهم ماكيني، إن عنان لزم الصمت خلال المئة يوم اللاحقة في حين كانت المجازر تحدث·

لقد قضت الأمم المتحدة خمس سنوات حتى تقدم حقائق تحقيقها في حقول القتل على سواحل البحيرات العظمى الإفريقية· واستنتج “التحقيق المستقل” في أعمال الأمم المتحدة خلال مذبحة عام 1994 في رواندا، الذي صدر في ديسمبر من عام 1994 أنه بين أشياء أخرى، أن “العمل الدولي الإلزامي ليس مقصورا على حالات المذابح”· وقد حث الأمم المتحدة والدول الأعضاء على أن تكون مستعدة لامتلاك الإرادة السياسية من أجل مواجهة الانتهاكات الكبرى التي لم تبلغ المستوى النهائي للمذبحة·

وكان ينبغي على الأمين العام للأمم المتحدة أن يتبع توصيات تقرير رواندا في تقريره عن جنين و”حادثها”·

الدايلي ستار اللبنانية

طباعة