رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 30 جمادي الآخر 7 رجب 1423 هـ الموافق 7-13 سبتمبر2002
العدد 1543

ظروف الجريمة الغامضة تطرح سؤالا:
ما دور النظام العراقي في مقتل الشاعر البريكان؟

كتب المحرر الثقافي:

ما زالت ظروف مقتل الشاعر العراقي محمود البريكان تتفاعل على صفحات الصحف، إدانة لطرف، أو تبرئة لطرف آخر، عبر كتابات وبيانات ورسائل من عائلة القتيل وأصدقائه وشعراء منطقته في جنوب العراق· لتزيد تلك الحادثة غموضا·

ومما أبقى جريمة القتل تلك حية في أذهان الأوساط الأدبية، ومتجددة، بغية الوصول الى حقيقتها، أن الشاعر البريكان يعد من رواد الحركة الشعرية الحديثة، إذ كان ثالث مفتتحي آفاق قصيدة التفعيلة منذ ما يقارب النصف قرن، حينما بدأ مع زميليه بدر شاكر السياب، ونازك الملائكة في تلك الفترة بخلق انقلاب شعري كبير، كسر قيود ديوان العرب، بجرأة مبدعة، لم يعتدها الشعر العربي·

بالإضافة الى منزلة البريكان الأدبية، مما أبقى ملف جريمة القتل مفتوحا، أن الشاعر قد عرف بعزلته الحديدية، وزهده عن النشر في الصحف والمجلات العربية، أو نشر كتاباته الشعرية والأدبية في إصدار، رغم الإغراءات المادية الكبيرة التي عرضتها عليه دور النشر العربية المعروفة، مما دعا البعض الى ربط دوافع الجريمة الى غايات أخرى (غير السرقة)، تنصب في طمع الجاني بسرقة الكنز الأدبي الذي يخفيه الشاعر، والذي تصف قيمته بعض المصادر بـ “ما لا يقدر بثمن”· وكان قد أسر الشاعر الى أحد أصدقائه الشعراء المعروفين في أوائل السبعينات أنه مطمئن الى استحالة الوصول إليه، بعد أن أخفاه في أحد صناديق الأمانات في أحد بنوك البصرة· ومما يؤكد تلك الشكوك هو اختفاء حقيبتين مليئتين بكتابات الشاعر ليلة مقتله·

تشير بعض المصادر الأدبية الى أن شعراء البصرة قد ساهموا في تسخين الأجواء وإثارة الشكوك في مقتل البريكان، من خلال المقالات التي تتناول بعض الأطراف، ومنها مطلقة الشاعر (عدالة العيداني)، وغيرها، إلا أن أحدا - بالطبع - لم يتجرأ على اتهام السلطة العراقية ودورها الخفي في تلك الجريمة، بالرغم من كشف تمثيلية القتل ومعرفة الجاني (المباشر)، الذي أطلقت السلطات العراقية سراحه من أحد السجون قبل تنفيذه الجريمة بشهر ونصف! ويؤكد بعض الشعراء العراقيين (في المنفى) من انزعاج السلطة العراقية من صمت الشاعر البريكان، وتجاهله لدعواتها، ومهرجاناتها، والذي يعد وفق تصنيفاتها شخصا معارضا بصمته، واحتقاره لأعلى رموز القيادة فيها·

وردا على الاتهامات التي أصابت مطلقة الشاعر من كتاب وشعراء البصرة، نشرت (الشاعرة) عدالة العيداني منذ أسابيع رسالة في إحدى الصحف، ذكرت فيها ظروف مقتل البريكان، موجهة خطابها الى هؤلاء الشعراء: “لقد أدانكم البريكان في حياته وأعطاكم ظهره وها هو يدينكم بعد موته لأنكم تتعاضدون مع قاتله المجرم (لؤي) وتسيئون لعائلة الفقيد وبالذات لأم أولاده زميلتكم الشاعرة عدالة العيداني بتضليلكم للحقيقة فإني أم أولاده وإنكم لا تستطيعون إنكار أو تضليل الحقيقة ولكوني وقبل أن أكون شاعرة وزميلة لكم فأنا يا أدباء البصرة إنسانة وليس من حقكم الإساءة لي”·

وكانت العيداني قد اعتبرت ربط صلة القرابة بينها وبين القاتل (ابن شقيقتها)، وإدانتها في ذلك، إساءة بالغة في حقها وحق عائلتها· ومن جانب آخر تكشف العيداني دورا آخر لأحد أقارب الشاعر (لم تفصح عن اسمه ولا عن درجة قرابته من البريكان) بسرقته لجميع كتابات الشعر الغزيرة (الحقيبتين)، وإنكاره ذلك، حيث أكدت: “اعلموا أني أختصر عليكم الكثير من الزمن والهدر في التفكير والحيرة بأن قصائد البريكان عند شخص يمت بصلة القرابة للشاعر قام بسرقتها في اليوم التالي من وقوع الجريمة ولدينا أدلة وإثباتات وشهود على ذلك”·

وكتبت العيداني تفاصيل الليلة الأخيرة تحت عنوان “وهاكم سردا للقصة من البداية” شارحة قصة مبيت ولديها في مسكنها في تلك الليلة، وتخطيط ابن اختها للسطو على بيت البريكان، لعلمه أنه وحيد مما يسهل تنفيذ الجريمة (والسرقة!)· مؤكدة أن دافع الجريمة كان السرقة فقط·

وتضيف “ماذا أفعل أيها السادة إن إقطابا ثلاثة ضدي (القطب الأول) أهلي وأختي لأنني سلمت القاتل لينال جزاءه (والقطب الثاني) أعمام أولادي لأن القاتل ابن أختي (والقطب الثالث) الشعراء والأدباء وجريدة البصرة لإدانتهم لي كون القاتل ابن أختي”·

وكانت قد صدرت بعض التصريحات الصحافية من عائلة وأقرباء الشاعر في السعودية (شقيق البريكان الشاعر والمحامي عبدالله البريكان) الى أن العائلة (في السعودية) سوف تطالب بإعادة فتح ملف التحقيق لعدم اطمئنانهم الى الأحكام الصادرة، والى الغموض الكبير الذي يلف مقتل الشاعر (خصوصا وأن المال المسروق زهيد لا يدفع الى ارتكاب جريمة قتل، بالإضافة الى ملابسات أخرى ما زالت مختفية بتعمد!)

ومن المعروف أن أصول الشاعر محمود البريكان تعود الى أسرة عربية عريقة تقيم في المملكة العربية السعودية ودول خليجية أخرى، إلا أن الشاعر أصر على الإقامة في الزبير حيث ولد، ولم يعد مع أفراد عائلته الى موطنهم الأصلي في السعودية، وقد أكمل تعليمه الابتدائي في الزبير، ثم واصل الثانوي في ثانوية البصرة، والتحق بكلية الحقوق في جامعة بغداد، لكن ظروف الأربعينات والخميسنات دعته الى قطع دراسته ليعمل في أحد المصارف ثم يتجه الى التعليم، وفي عام 1953 انتقل للعمل في الكويت الى نهاية 1959 ثم عاد الى بغداد ليواصل تعليمه الجامعي في كلية الحقوق، وظل يزاول مهنته المحببة الى نفسه (التعليم)، الى أن تقاعد في بداية التسعينات·

طباعة  

وتد
 
شعر
 
إصدارات
 
المرصد الثقافي