* تحدثت في كتابك "الفكر العربي وصراع الأضداد" عن احتواء التوفيقية والصراع المحظور بين الأصولية والعلمانية، وكيف لم تنجح التوفيقية في حسم الصراع بين الإسلام والغرب· وحمّلت، بذلك، هذه النزعة مسؤولية التأخر الفكري وحالة اللاحسم في الحياة العربية· فما البدائل لتجاوز ذلك، ليس على المستوى النظري فحسب، بل على المستوى العملي كذلك؟ وهل هذه هي التوفيقية الكلاسيكية في الفلسفة الإسلامية؟ أو تمثل إشكالية أخرى؟·
- بداية أود الإيضاح أن "كتاب الفكر العربي وصراع الأضداد" يمثل أحد كتب مشروعي الفكر الثاني، وهو "نقد الفكر" إلى جانب المشروع الأول المتمثل في "نقد الواقع"، حيث أرى أن يسير البعدان جنباً إلى جنب، لأن الاقتصار على نقد الفكر دون ربطه بنقد الواقع يجعل منه تعاملاً مغلقاً مع نصوص ثابتة انفصلت عن زمانها ومكانها، وذلك ما وقع فيه الجابري في بعض نتائجه وما حذر منه مفكر وباحث متعمق مثل سيد ياسين·
وهناك كتابان آخران في مشروعي الثاني لنقد الفكر لا بد من الإلماح إليهما لإكمال الإحالة المرجعية، وهما كتاب "تحولات الفكر والسياسة 1980"، وكتاب "مساءلة الهزيمة 2001"· أما فيما يتعلق بالمحتوى الإشكالي لسؤالك فأود تلخيص إجابتي في النقاط التالية:
1 - ثمة تناقضات وصراعات حقيقية ذات استمرارية تاريخية في مجتمعات المنطقة لا يمكن حلها جميعها بالصيغ التوفيقية· ثمة تعارضات قابلة للتوفيق وأخرى لا بد لها من حسم أو مواجهة أو حتى صراع للوصول إلى حلها تاريخياً· هذا قانون في حياة جميع الأمم ولا مهرب لنا منه· وواقع الصراعات في المنطقة العربية "الجزائر كمثال بين أمثلة أخرى" لم تُجد معها الصيغ التوفيقية· والصراع فرض نفسه· أليس من الأفضل مواجهة واقع الصراع فكرياً - قبل استفحاله - بدل الوقوع في التناقض المفجع: بين بنية ذهنية (فوقية) توحي بالاتفاق والوفاق، وبنية تحتية مجتمعية تعاني التصدع والانشقاق؟ فهذا تلفيق لا توفيق· إذن البدائل العملية التي تسأل عنها لابد أن تتحلى بالمصارحة والشجاعة وتعترف بالاختلاف والتناقض لترى كيف يمكن حله، بدلا من فرض الصيغ التوفيقية مسبقاً كي تنهار بعد قليل طبقاً لمنطق الجدل التاريخي· هل ما حدث بعد 11 سبتمبر 2001 في العالم العربي والإسلامي يمكن معالجة جذوره وجدلياته بالتوفيقية؟ وأرى أن هذا "الحدث" قد فجّر مختلف الاحتمالات التي لخصتها في مضامين كتابي "الفكر العربي وصراع الأضداد" وعلى الأخص ظاهرة " الحسم المؤجل بين الإسلام والغرب" حيث تضمن الكتاب مختلف "الاستحقاقات" المؤجلة في هذا السياق، حيث لابد في النهاية من الاستجابة التاريخية لكل استحقاق من مستلزمات التطور والعصر، ولكن هل يمكن أن يتم ذلك بالصيغ التوفيقية المخادعة؟ أو بحسم فكري وحضاري أمين مع النفس قبل كل شيء؟
2 - وبناءً عليه فإن الظاهرة التوفيقية السائدة تمثل تعبيراً عن حالة اللاحسم في المنطقة العربية والإسلامية إلى اليوم· ولكن عندما يفرض الحسم منطقه فلا بد من التحول من النهج التوفيقي إلى النهج الجدلي·
وهنا يجب أن أكون واضحاً، فعندما أقول النهج الجدلي لا أعني المنهج الماركسي المادي فحسب، وإنما أقصد الجدلية الفلسفية كما بدأت لدى هيجل دون أن أنفي مدارسها التاريخية والاقتصادية الأخرى· لكني بالتأكيد غير ملتزم بالمنهج الماركسي، وهذا ما أرجو ملاحظته لدى قراءة "الفكر العربي وصراع الأضداد"·
3 - بناء عليه فإن التوفيقية المحدثة تتشابه شكلاً مع التوفيقية الكلاسيكية في الإسلام وتشترك معها في بعض الخصائص· لكنها ليست في عمقها الفلسفي وصلابتها العلمية، فضلاً عن ضعفها الأساسي كما قلت، كونها أيديولوجية اللاحسم· في حين أن التوفيقية الكلاسيكية في الإسلام كانت نتاج الجدل الحضاري الحقيقي وتمثل خلاصتها وثمراته في كثير من جوانبها، وإن لم تخل بعض روافدها من القصور المرادف للفكر التوفيقي في كل زمان ومكان·
* طرحت فكرة صدام الحضارات في كتابك "العالم والعرب سنة 2000"، فهل ما زلت على آرائك السابقة بعد ما شهدهُ العالم في السنوات الأخيرة من انفراد القوة العظمى الواحدة بسياسة شؤون العالم؟
- هذه "الظاهرة الجديدة" رصدتها قبل هنتنغتون بأكثر من خمس سنوات· لكني لم أستنتج منها فكرة صراع الحضارات لأنها فكرة لا أؤمن بها· قلت في كتابي "العالم والعرب سنة 2000" (الصادر عن دار الآداب 1988)، إنه في القرن الحادي والعشرين سيتحول صراع القوى الدولية من صراع داخلي بين قوى الحضارة الغربية إلى صراع استراتيجي ومصلحي (كما هو دائماً) بين قوى من حضارات مختلفة·
فقد ذكرت تحديداً - وهذا تحليل نشر في خاتمة ذلك الكتاب في مايو 1988، في حين نشر هنتنغتون نصه في صيف عام 1993، أي بعد ذلك بخمس سنوات· فتحت عنوان: "نهاية العصر الأبيض" قلت: إلا أن الجديد جديد القرن الحادي والعشرين، هو أنه للمرة الأولى منذ ثلاثة قرون لن تكون جميع القوى الرئيسة في قمة التوازن العالمي منتمية إلى الجنس الأوروبي الأبيض أو إلى الحضارة الأوروبية الغربية· فمنذ تآكل الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية الصينية في القرن السابع عشر··· لم يبق من قوى رئيسة فاعلة ومؤثرة في المسرح الدولي غير تلك القوى الأوروبية البيضاء وحضارتها الغربية، وإذا أخذنا في الاعتبار أن روسيا جغرافياً وتاريخياً جزء لا يتجزأ من أوروبا··· فإن القرن الحادي العشرين سيكون قرن تعددية القوى البشرية وتوازنها ونهاية عصر سيادة الرجل الأبيض ونرجسيته الحضارية الغربية التي عدَّت أوروبا مركز العالم والحضارة· وسيكون للقوة الآسيوية الشرقية (اليابان والصين ومحيطهما البشري الواسع) دور أساسي في صياغة وجه القرن الجديد المقبل··· على العرب أن يدركوا أبعاد هذا التحول ومعانيه ويعرفوا كيف يتعاملون معه··· فللمرة الأولى في تاريخ العالم الحديث، تقوم قوة حضارية اقتصادية تقانية - استراتيجية غير مرتبطة بميول الحضارة الغربية ونزعاتها وانحيازاتها وجذورها اليهودية - المسيحية، وغير مرتبطة بأي عداء تاريخي أو ذكريات مريرة أو حرب عقيدية ضد الإسلام والعرب، وغير مدينة لإسرائيل والصهيونية العالمية بأي "دين" تاريخي··· ولا تقوم بينها وبين إسرائيل أي مصلحة استراتيجية عضوية، كما هي الحال بين إسرائيل والغرب الرأسمالي، والقوة الأمريكية بصفة خاصة··· هذا التحول الاستراتيجي الخطر هل يستوعبه العقل الاستراتيجي العربي؟ - (يراجع كتابنا "العالم والعرب سنة 2000" دار الآداب، بيروت 1988)·
هذا ما كتبته نصاً في مايو عام 1988· ولا أعتقد أن توصيف هنتنغتون لمضمون الفكرة الأساسية، أعني بروز قوى كبرى خارج إطار الحضارة الغربية، يتجاوز إطار الفكرة التي طرحتها· والفارق في التفسير يكمن بين رؤية عربية إسلامية ورؤية غربية أمريكية إلى التحول التاريخي النوعي ذاته، مع الفارق الزمني بيني وبين هنتنغتون كما ذكرت· أما نسبة الفكرة إليه فهذا تحصيل حاصل لأنه كتبها في هارفرد وعممها الإعلام الأمريكي والغربي، بدعم من اليمين المحافظ··· إلخ وبقية المقارنة لا تخفى على أي لبيب بين موقعي وموقعه!
ولكن هذا لا يغير من حقيقة أني سبقته إليها بخمس سنوات، وما زلت أهديها إلى خطابنا الفكري والأكاديمي وإعلامنا العربي··· إن كان لديه شيء من الثقة بنفسه وبرجاله· وتلاحظ أنني منذ ذلك الوقت (قبل 14 سنة) دعوت العقل الاستراتيجي العربي إلى إدراك مغزى ظهور القوى العظمى الجديدة في الشرق الآسيوي مثل اليابان والصين·
والنتيجة؟ النتيجة أن إسرائيل هي التي تنسج اليوم خيوط تحالفها العسكري والتقاني مع تلك القوى بدءاً من الهند!
* ولكن لماذا لا توافق هنتنغتون على فكرة صدام الحضارات؟
- ما أؤمن به - كما يؤمن كثيرون - أن الصراع في التاريخ والعالم هو صراع مصالح بالدرجة الأولى· والمسألة أن هذا الصراع قد تحول أخيراً من كونه بين قوى داخل إطارات الحضارة الغربية وحدها، إلى صراع بين قوى من حضارات مختلفة· أما الحضارات ذاتها، من حيث هي حضارات، فلا تتصادم استراتيجياً وسياسياً، وإنما هي قصة تفاعل تاريخي طويل الأمد بآليات لا تخضع لمنطق الصراع السياسي وحده·
* ولماذا لا تتصارع الحضارات في رأيك؟
- لسببين أساسيين، الأول: أن البشر لا يتقاتلون لأسباب حضارية وإنما لأسباب مصلحية وسيكولوجية، فهل الصراع المزمن في إيرلندا الشمالية مثلاً صراع بين حضارتين؟ والسبب الثاني: ينطلق من مضمون السؤال التالي ومغزاه: ماذا بقي من حضارات التاريخ لمصادمة حضارة العصر؟ هذا يتطلب شرحاً مسهباً، لا يسعه هذا المجال، لكنه يستحق التأمل!
ولأوضح بإيجاز: أن الأديان والعقائد تبقى في نفوس المؤمنين بها وكذلك الثقافات تستمر على ألسنة الناطقين بلغاتها - حيث اللغة وعاء ثقافة لا مجرد وسيلة تعبير - أما الحضارات في نسيجها المتكامل كما تجلت في التاريخ فإنها تفقد وحدتها العضوية، ومن ثم لا يمكن حسبانها كائناً حياً متنامياً إذا تجاوزها التقدم الحضاري في العالم· وباكتمال الحضارة الحديثة ونضجها فإن "تقانات" الحضارة الصينية، مثلاً، لم تعد عنصراً حضارياً حياً، كما أن مادة العلوم الطبيعية والرياضية في الحضارة العربية الإسلامية خرجت من ثقافة العصر لتدخل تاريخ العلوم··· وهكذا· أما الإسلام والثقافة العربية· فهما قوى حية بالتأكيد، لكن من منظور الدين والثقافة لا من منظور الحضارة· فلا حضارة حية وقائمة بشكل متكامل اليوم إلا الحضارة الحديثة· ولا أقول الحضارة الغربية!··· فاليابان والصين تندرجان اليوم في إطار هذه الحضارة، ولذلك لحقتا بمنتدى الأقوياء في العالم· وما لم يستوعب الوعي العربي الإسلامي أن هذه حضارة عالمية حديثة أسهم في جذورها المسلمون من قبل، وهم مدعوون للإسهام فيها وتصحيح مسارها من جديد، فإننا سوف نبقى سيكولوجياًَ، ومن ثم واقعياً في حالة حرب مع العالم، وليس مع الغرب فحسب!
* من خلال تجربتك بوصفك مثقفاً وأكاديمياً ومستشاراً، كيف تبدو العلاقة بين هذه المواقع الثلاثة، وهل يمكن في الوطن العربي أن يؤدي المثقف دوراً محورياً في رسم السياسات؟
- طالما سُؤلت هذا السؤال··· وكنت دائماً أقول إن كل تجربة بشأن العلاقة بين صاحب القرار ورجل الكلمة ينبغي أن تقوِّم على حدة ودون تعميم مطلق·
ولأبدأ بالقول: إذا كانت القطيعة بين السلطة والمثقف في تاريخنا العربي هي القاعدة، فإنه قد حان الوقت لتجسير الفجوة بينهما على أساس جديد إذا أردنا تجديداً لحياتنا ولحياتنا السياسية على وجه الخصوص· إن التخوف الشائع بأن يصبح المثقف تابعاً للسلطة، وهو أمر وارد، يجب ألا يجهض احتمالات الحوار والتعاون بين السلطة (المستنيرة والمصلحة) وبين المثقف من أجل المصلحة العامة وتطوير المجتمع إذا كانت ثمة فرصة تاريخية· هذا ما يجمع عليه اليوم معظم المثقفين في البحرين بعدما رأوا المبادرات التاريخية لقائد البلاد الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة والأبعاد الرحبة لمشروعه الوطني الإصلاحي· وفيما يتعلق بي شخصياً فيشرفني أن أكون من أوائل مثقفي البحرين الذين أسهموا بتواضع في بناء هذه العلاقة الصحية بين القيادة والمثقفين، والتي من أهم أسبابها استعداد الملك القائد للاستماع إلى مختلف الآراء الهادفة لمصلحة البلاد، وحرصه على توفير الحرية لها والتعامل معها تعاملاً دستورياً وقانونياً حتى في حالات الخطأ· فهذه هي الديمقراطية ·
لقد كان لي شرف رؤية هذا التوجه منذ بدايته قبل سنوات· ويسعدني أنه أصبح اليوم حقيقة وطنية في البحرين، وفي المقابل فإني حرصت على الاحتفاظ بموقعي بوصفي أكاديمياً وكاتباً ومفكراً مستقلاً، وهو ما لقيت التفهم والدعم من جانب القائد· وهذا دليل على نوعية العلاقة الجديدة بين القيادة والمثقفين في البحرين في ظل الملكية الدستورية المستنيرة، وذلك ما لم يكن متاحاً في الماضي، حيث لا يخفى أني استقلت من مناصب واعتذرت عن قبول مناصب أخرى طوال الحقبة السابقة· هذا توصيف للحالة التي تخصني، ولا أعمم حكمي هذا على الحالات الأخرى لمثقفين قريبين من دائرة القرار، فعلى كل واحد من هؤلاء إيضاح موقفه· وتجربتي على كل حال ما زالت مفتوحة للتجربة ولحكم التاريخ وقبل كل شيء لتقويم صاحب القرار· وللحقيقة فليس أحرص على نجاح مثل هذه التجربة من رأس الدولة في البحرين وقائد مسيرتها الديمقراطية الذي أفسح المجال لمثقفين كُثر ليسهموا في تقدمها بقناعة وبكرامة، وبصورة لا مثيل لها ولا سابق في تاريخ البحرين· ولا أعتقد أن كثيرين من الحكام مؤهلون لمثل هذه التجربة الفكرية ذات الأبعاد والمضامين الديمقراطية والحضارية·
* إلى جانب مؤلفاتك الأكاديمية والفكرية، تقوم بنشر مقالات في الصحافة· ألا تعتقد أن الكتابة الصحفية الآنية تؤدي بالمفكر إلى الوقوع أحياناً في التبسيط والابتعاد عن حياده العلمي؟
- منذ كنت في السادسة عشرة من العمر وأنا أكتب صحافة· لم أؤمن قط بفلسفة الأبراج العاجية الأكاديمية المنعزلة والابتعاد عن هموم الناس· من طبيعتي عندما أكتشف فكرة أو ملاحظة، وإن كانت علمية أو في غاية التعقيد، أن أسارع إلى أقرب إنسان أستطيع الوصول إليه، لأحدثه عن تلك الفكرة! لا أستطيع مقاومة فرح المشاركة في المعرفة· وأحزن إن لم أستطع الوصول إليه· تستطيع زوجتي أن تحدثك عن "معاناتها" بهذا الشأن بحكم كونها الأقرب إليّ!
نعم ثمة محاذير للمفكر والأكاديمي أن تجره الكتابة الصحفية إلى التبسيط وغيره· ولكن إلى متى تبقى صحافتنا ومنابر إعلامنا الأخرى في قطيعة مع الفكر الجاد الملامس لهموم الناس· وإلى متى سيبقى الناس في بلادنا كتلاً بلهاء تصفق للبرامج الهابطة؟ أو للسجال الاستعراضي والصراخ المتعمد في الفضائيات للإيحاء بأهميتها أو للإعلام الرسمي المستهلك· على المفكر أن يدفع ضريبة اقترابه من الناس - بالكتابة المتواصلة، وإلا بقي تمثالاً في متحف أكاديمي أو واجهة حكومية لامعة· وهما حالتان مرفوضتان مني منذ البداية· إذا لم تصل الأفكار إلى القوى والكتل الفاعلة في واقع المجتمع، فلن يكون هناك تطور· وسيظل المفكرون والمثقفون العرب، كما هم أفراداً منعزلين· إن التصور بأن المفكرين يغيرون التاريخ تصور ساذج ومغرق في تعظيم الذات· يتغير التاريخ عندما تتحول الأفكار إلى قوى مجتمعية وسياسية فاعلة وما عدا ذلك فحرث في البحر·
أتذكر في هذه اللحظة أبياتاً لعبد الوهاب البياتي يقول فيها:
أيها الحرف الذي علمني حب الحياة
آه··· لاتطفئ مصابيحك آه
إلى أن يقول عن هذا "الحرف":
وسلاح في يدي ضد الطواغيت وأعداء الحياة
ينبغي ألا يسقط هذا السلاح النبيل من يد أي كاتب يحترم نفسه ويتمسك بحقه بوصفه إنساناً·
* أخيراً·· البحرين التي كتبت عنها كثيراً·· كيف "تلخصها" فكرياً؟
- البحرين هي المتصل والمنفصل في دنيا العرب· إنها البلد العربي الوحيد، بوصفها جزيرة يحيط بها البحر من جميع الجهات· هي متصلة بالمصير العربي وجداناً وثقافة ورابطة· لكنها منفصلة عن البر العربي بمنطق الجغرافيا· هذا "المنطق" منحها استراحة حضارية سعيدة· (الدكتور هيكل قال عن مصر إنها تمتعت في وادي النيل بعزلة سعيدة بين صحراوين)· والفارق أن البحرين بوصفها أرخبيلاً منفصلاً عن اليابسة تمتعت ببعض الاستقرار في وجه الغزوات الرعوية البرية (العربية وغير العربية) التي لم تترك حاضرة عربية إلا ودمرتها بين فترة وأخرى· هذا ما ساعد البحرين على تطوير مجتمع أهلي متطور، ودولة مستقرة نسبياً، وتسامح إنساني وانفتاح فكري واجتماعي على معطيات حضارية متنوعة·
وهذه في الواقع أسس انطلاق مشروعها التحديثي نحو التجدد والديمقراطية في ظل الملكية الدستورية، الحامية للدستور والمرتبطة به قيماً ونظاماً واستمراراً·
هذه هي البحرين التي قال عنها مؤرخ بريطاني: إن فيها من البترول (فقط) ما يكفي لتزييت العقول!
أي دور متحضر للبترول!··· أن يكون تزييتا للعقول!
والبحرين من هذه الميزة تقترب اليوم من تقديم أو لنموذج خليجي وعربي لما بعد النفط، بالتنويع في مصادرها الاقتصادية، وبالإعداد المستمر لعناصرها البشرية الكفؤة·
وبسبب تواضع دخلها البترولي في جوار غني بالنفط، وصفتها بأنها "حالة مشرقية" في الخليج· وأعتقد أن الخليج في حاجة إلى مثل هذه "الحالة المشرقية" في قلبه، كي يعود إلى تفهم متبادل منشود بينه وبين مشرقه العربي··· ولكن المشرق أيضاً لن ينفذ مجدداً إلى الخليج إلا من خلال المرور ذهنياً ونفسياً عبر الحالة البحرينية·
لا أتحدث عن السياسة بل أتحدث عن الثقافة والفكر ومشاعر الناس البسطاء·
* باحث عربي من تونس يعمل في دولة البحرين في المجال
التربوي والإعلامي ورئيس تحرير مجلة "تيارات"·
جابر الأنصاري في سطور
* مفكر بحريني يكتب في قضايا الفكر والثقافة منذ 35 عاماً·
* ولد في البحرين عام 1939 - وكان والده من أوائل عمال النفط بها منذ 1934·
* طرح مشروعين فكريين في الثقافة العربية المعاصرة:
- مشروع دراسة البُنية الفوقية للمجتمع العربي (نقد الفكر)·
كما تمثل في كتابه المرجعي "الفكر العربي وصراع الأضداد: تشخيص حالة اللاحسم في الحياة العربية"، بالإضافة إلى كتابيه المكملين: "تحولات الفكر والسياسة" و "مساءلة الهزيمة"·
- مشروع دراسة البُنية المجتمعية التحتية على مستوى الواقع وما تفرزه من تأزم سياسي مزمن في الحياة العربية (نقد الواقع)، كما تمثل في مؤلفاته الثلاثة: (تكوين العرب السياسي)، و (التأزم السياسي عند العرب)، و (العرب والسياسة: أين الخلل؟) - وله أيضاً إسهامات في الصحافة والنقد الأدبي·
* مستشار ملك البحرين في الشؤون الثقافية والعلمية·
* كما يعمل حالياً عميداً لكلية الدراسات العليا في جامعة الخليج العربي وأستاذاً لدرسات الحضارة الإسلامية والفكر المعاصر، وقد نال درجة الدكتوراه من الجامعة الأمريكية ببيروت عام 1979·
* حاصل على جائزة سلطان العويس في الدراسات الإنسانية والمستقبلية، وجائزة الدولة التقديرية في البحرين، وجائزة منيف الرزاز للدراسات والفكر من رابطة الكتّاب الأردنيين· وهو عضو في أكاديمية المملكة المغربية·
أبرز مؤلفاته:
* العالم والعرب سنة 2000: نظرات مستقبلية في بروز القوى العالمية الجديدة· دار الآداب، بيروت 1988·
* التفاعل الثقافي بين المشرق والمغرب في آثار ابن سعيد المغربي وتحولات عصره· دار الغرب الإسلامي، بيروت 1992·
* تكوين العرب السياسي ومغزى الدولة القُطرية: مدخل إلى إعادة فهم الواقع العربي· مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، طبعة أولى 1994، طبعة ثانية 1995 طبعة ثالثة 2000·
* التأزم السياسي عند العرب وموقف الإسلام: مكونات الحالة المزمنة· المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1995، طبعة ثانية 1999·
* العرب والسياسة: أين الخلل؟ دار الساقي، لندن 1998، طبعة ثانية 2000·
* تحولات الفكر والسياسة في الشرق العربي: في خصوصية الجدلية العربية، ط 1، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 1980/ط2، دار دلمون للنشر، نيقوسيا، 1988·
* الفكر العربي وصراع الأضداد: تشخيص حالة اللاحسم في الحياة العربية والاحتواء التوفيقي للجدليات المحظورة· المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1996، طبعة ثانية 1998·
* رؤية قرآنية للمتغيرات الدولية وشواغل الفكر بين الإسلام والعصر· المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1997، طبعة ثانية 1999·
* النزاعات العربية الأهلية (مؤلف مشارك مع آخرين)· مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1997·
* مساءلة الهزيمة· المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001·
__________________________________
لمشاهدة الجزء الأول من خلال هذا الرابط