رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 23-29 جمادي الآخر 1423 هـ الموافق 31 أغسطس 6 سبتمبر2002
العدد 1542

مشروعه "لم يهدف إلى وضع العرب أمام طريق مسدود ولم يصفهم بالتخلف الذي لا مفر منه"
جابر الأنصاري: أرفض فكرة صراع الحضارات لأن البشر لايتقاتلون لأسباب حضارية إنما لأسباب مصلحية

·   تغافل الأنظمة العربية الحاكمة عن الشعوب يؤدي بها إلى انهيارات خطيرة

·    رصدت ظاهرة القوة العظمى الواحدة قبل هنتنغتون بأكثر من خمس سنوات

·   لماذا نحن العرب معلقون بين أفضل المبادئ وأسوأ الأوضاع؟!!

·   المشكلة ليست في الإنسان العربي بل في الظروف التي يعيشها

·   يقلقني أن تكون دعوة المفكر العربي للديمقراطية مسألة موسمية

·    العلاقة بين المثقفين والقيادة البحرينية ممتازة الآن.. ويعدني أن أكون اليوم حقيقة وطنية

·    لماذا سقط العرب في امتحان مابعد الاستقلال بعدما ضحوا بكل شي في أثناء الاستعمار؟!

·   لابد من تطور مجتمعاتنا وتنميتها بالتعليم ومحو الأمية وتحرير المرأة والتطور الديمقراطي

 

حاوره: كمال الذيب * - مجلة العلوم الاجتماعية

أكد المفكر والمثقف البحريني د· محمد جابر الأنصاري ضرورة تحديث المجتمع العربي وتطوره إلى مجتمع مدني حديث يتصف بالتنمية وتحرير المرأة والديمقراطية ومكافحة الفقر، وقال إن الإنسان العربي ذكي وطيب بل ومبدع·

وتساءل الأنصاري: لماذا سقط العرب في امتحان ما بعد الاستقلال، بعدما خاضوا معارك الاستقلال بشجاعة وتضحية وكرامة والاستعمار على رؤوسهم؟!

وأضاف أن ظاهرة القوة العظمى الوحيدة في العالم هو الذي تنبه لها قبل هنتنغتون بأكثر من خمس سنوات وتحديداً في عام 1988·

وأشار المفكر البحريني في الحوار الذي نشرته مجلة العلوم الاجتماعية في عددها الثاني  (المجلد 30) 2002 إلى أنه لايؤمن بمسألة صراع الحضارات بل يؤمن بصراع المصالح، وقال إن الحضارات لاتتصادم استراتيجيا ولا سياسياً·

وفيما يلي إعادة لنص الحوار تعميما للفائدة:

 

* هل يمكن في البداية إعطاء فكرة عن طبيعة مشروعكم الفكري؟

- لقد وجدت أن البنى المجتمعية العربية - في تشكلاتها المواربة والمخادعة بين مكونات التاريخ المقيم ومظاهر التحديث الوافد - مازالت أبعد ما تكون، في وعينا، عن دائرة الضوء والتشخيص المعرفي، برغم أنها أقوى ما تكون في تقرير مصائرنا العامة، وفي إعادة تشكيل سلطاتنا الحكومية العربية، ومؤسساتنا البرلمانية، وأحزابنا وتنظيماتنا السياسية، كذلك مسلكنا الاجتماعي العام، والوعي الفوقي الناجم عنها في مستوى البنية الذهنية، والخطاب الفكري، والخطاب العام السائد سياسياً ودينياً·· إلخ·

هذا إضافة إلى تأثيرها في مدى قابلية مجتمعاتنا ودولنا للتأثر بالمخططات الخارجية وتسهيل الأهداف "التآمرية" ضدنا· فمن "هناك" في حقيقة الأمر تنفذ "المؤامرة" في التحليل النهائي، وليس من··· "هنا له"· أقصد أن المسؤول عن ذلك هو هشاشتنا الذاتية (الجمعية) وليس "شطارة" المتآمرين ضدنا··· فحسب·

وسواء بقيت المجتمعات العربية في ظل أنظمتها السياسية التقليدية، أو انتقلت إلى الأنظمة الراديكالية "الثورية" بمختلف تصنيفاتها، فإن "المعطيات" المجتمعية ذاتها تطل برأسها وتبقى هي المعوّل عليه في أساسيات التعامل السياسي· خذ مثلاً "الرابطة القرابية" ومدى تأثيرها في مختلف المستويات· هل ترى أنها تغيرت في مفعولها، ومدى التعويل عليها، من نظام وراثي إلى نظام آخر "جمهوري ثوري" جاء في البداية نقيضاً ضده؟ لا أقصد فقط على مستوى التوريث السياسي في قمة الأنظمة، فهذا ما أصبح واضحاً تماماً في تلك النظم "الراديكالية"، وإنما أيضاً على مختلف المستويات الحزبية "الثورية" منها وغير الثورية، وكذلك المستويات الإدارية والتجارية والاجتماعية والجامعية ··· إلخ·

إذن هناك "قاعدة مجتمعية عريضة" في القاع السوسيولوجي العربي لمختلف مجتمعاتنا العربية، تعيد إنتاج العلاقات المجتمعية من هذه القاعدة إلى القمة التي لا يمكن إلا أن تتأثر بها وتخضع لاعتباراتها، الأمر الذي يتطلب تطوير هذه "القاعدة" قبل الانقلاب على "القمة"· ولكن النزعة "الانقلابية" التي سادت منذ نكبة فلسطين عام 1948 ركزت على حتمية تغيير "القمة"، قمة النظام السياسي بحسبان ذلك وسيلة الخلاص الأولى، غير مدركة أن التغيير الحقيقي لا يمكن أن يتأتى إلا بتطوير "القاعدة" وتغييرها في نهاية المطاف، فكما تكونوا يول عليكم، وا& لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، غير أن خطابنا الثوري الحزبي والأيديولوجي بصفة عامة ظل منذ ذلك الوقت إلى أن لا يلامس طبيعة تلك "القاعدة" المجتمعية العريضة، المتخلفة حقيقةً في مستوياتها الحضارية والمدنية والذهنية، إلا بمفردات: "الشعب" و "الجماهير" و "الأمة" التي ينبغي أن يكال لها المديح وتبقى شبه مقدسة فوق مستوى النقد··· هكذا على سبيل المثال التعميم الاختزالي التبسيطي المخل··· وبنظرة رومانسية مثالية حالمة منفصمة عن الواقع - من كتابات ميشيل عفلق إلى نداءات أسامة بن لادن - دون أن تتاح في تاريخ الفكر العربي وقفة معرفية تشخّص علمياً وموضوعياً هذه "الكتل الجماهيرية" الهلامية وتقول لنا ما طبيعة نسيجها المجتمعي في القاع السوسيولوجي، ولماذا "تهدر" في بداية كل أزمة ثم تختفي مثل فص الملح - منذ نكبة فلسطين الأولى إلى حرب أفغانستان الأخيرة - فأين هي هذه الجماهير  التي قيل لنا إنها ستقضي على "الانفصال" في الجمهورية العربية المتحدة عام 1961، ثم ستثأر لهزيمة 1967، ثم ستدعم انتفاضة الأقصى (أين الجماهير؟ وأين الشعب العربي؟) ثم تتصدى للحرب على أفغانستان؟

ثم أين هي على صعيد آخر: الطبقات البروليتارية في مجتمعاتنا التي قالت لنا أدبيات الأحزاب الشيوعية واليسارية العربية إنها ستقيم نظامها "الاشتراكي" المعبر عن مصالحها؟ لا أطرح كل هذه الأسئلة إحراجاً لأحد، فهذا يؤلمنا جميعاً، وإذا رميت أصابني سهمي كما قال الشاعر العربي القديم، لكني أرى ضرورة قوله للتنبيه إلى أن التشخيص الفكري السياسي الخاطئ للبنية المجتمعية وللقاعدة الاجتماعية العريضة يؤدي إلى نتائج كارثية وانتحارية في مواقف القيادات من رسمية وشعبية· مثل هذا التشخيص الخاطئ أدى إلى تصفية الناصرية، وتراجع اليسار، وبدء تراجع التيارات الإسلامية اليوم· ويتعين علينا أن نقول بالمثل إن تغافل مختلف الأنظمة العربية الحاكمة عن طبيعة القاعدة المجتمعية العريضة  التي تجلس فوق قمتها دون  رؤية واضحة لطبيعتها ومشكلاتها وتحولاتها يمكن أن يؤدي بها إلى انهيارات خطرة، كما انهار نظام الشاه الذي تغافل عن حقيقة القاعدة العريضة من تحته تاركاً الفساد ينخر في بنيانه، هذا بين أمثلة عدة أخرى في كثير من بلدان العالم الثالث، كما كان يسمى·

 

* قلت إن هذه التشكلات المجتمعية العربية مستمدة من التاريخ "المقيم"· ألا يعني ذلك أنه لا فكاك من هذا "العبء التاريخي" - كما سميته في كتاب تكوين العرب السياسي - ما دام "العبء" مقيما كل هذه القرون؟ ثم ألا يقدم المفكر في هذه الحالة تبريرات جاهزة للسلطة - ربما دون قصد - لتفسير التخلف السياسي والاجتماعي؟

- هذا السؤال مهم، وينبغي تفادي أي لبس بشأن "الإشكالية" التي يشير إليها، إن من يخادع الناس بشأن واقعهم هو الذي يخدم السلطات الفاسدة لأنه يعطيهم وعياً مغلوطاً يؤدي إلى استمرار تحكم تلك السلطات فيهم· من جانب آخر لا يتعلق ما أطرحه في مشروعي الفكري (لتشخيص البنية المجتمعية العربية العامة ونقدها ونسيجها، وطبيعتها، وشبكة علاقتها)··· بحتمية موروثة في هذه "البُنية"· أرجو أن أكون واضحاً تماماً· لا أتحدث عن "جينات" مجتمعية في صميم التكوين العربي لا فكاك منها· هذا تصور خاطئ لكل من يقع فيه، ويتنافى مع طبيعة العلم والروح العلمية ونسبية الحقيقة·

أتحدث في مشروعي عن تشكلات مجتمعية زمنية، مثل القبائل والعشائر والعوائل الممتدة والكتل الطائفية الدينية والمذهبية والأثنية·· فهذه كلها ستبقى ما دامت البنية المجتمعية العامة لم تتطور إلى مجتمع مدني ووطني حديث بالتنمية الشاملة المستديمة وبالتعليم النظامي ومحو الأمية، وتحرير المرأة والتطوير الديمقراطي الحصيف، ومكافحة الفقر والجهل والخرافة·· إلخ·

هذا ما أتحدث عنه على وجه التحديد، وكل نقد معارض أو مؤازر يجب أن ينطلق من هنا لا من منطلقات مثالية تتهرب من هذه الحقائق، بدعوى التمسك بالمبادئ القومية أو الدينية·

هذه المبادئ نلحق بها أبلغ الضرر بتهربنا من تشخيص الأوضاع والحقائق التي تحول دون اقترابها من الواقع· وجوهر مشروعي كما نبه إلى ذلك الدكتور عبد الحميد الأنصاري عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية في جامعة قطر يتلخص في محاولة فهم طبيعة الأسباب والمعوقات التي حالت بيننا وبين تحقيق تلك الغايات والمبادئ، وليس في البحث عن أسباب تعجيزية كما توهم الذين يبحثون عن وصفات وحلول سحرية انتظروها على يد اليسار وينتظرونها اليوم على يد الأصولية وسيبقون منتظرين للأسف طويلاً··· بعبارة أخرى: لماذا وصلت الأمم الأخرى، وبخاصة الأمم الشرقية التي كانت متخلفة مثلنا ولم نصل نحن العرب كما تساءل المؤرخ المرحوم شاكر مصطفى·

وأنا أتساءل لماذا نحن معلقون بين أفضل المبادئ (التي نعلن انتماءنا إليها) وأسوأ الأوضاع (التي نعيشها في الواقع)· بين أفضل المبادئ وأسوأ الأوضاع أين هي الحلقة المفقودة؟ إنها تهربنا من التحديق في طبيعة العوائق المجتمعية والأعباء التاريخية التي تفصل - في هوة عميقة ومزمنة - بين مبادئنا "الأفضل" وأوضاعنا "الأسوأ"· نريد أن نقفز هكذا بتأثير العقلية السحرية من الأسوأ إلى الأفضل بشعارات أشبه بالتعويذات·

كثيرون تصوروا أن مشروعي يضع العرب أمام طريق مسدود وينسب إليهم التخلف بوصفه حتمية لا مفر منها· هذا أبعد ما يكون عن الحقيقة· ما أريد التنبيه إليه وبصوت عال هو ضرورة أن يقف فكرنا المعرفي - قبل الأيديولوجي - أمام هذه العوائق التي مازالت تحول بين مجتمعاتنا وبين التقدم والديمقراطية والمجتمع المدني الحر· وعندما يشخص فكرنا المعرفي، بنهج مقنع، هذه العوائق ويبين طرق معالجتها، فيتعين على فكرنا الأيديولوجي أن يتبعه وأن يسترشد به· ما حدث هو العكس، فالفكر الأيديولوجي مارس الدكتاتورية الشعارية على المفكرين المعرفيين وحاول كتم أصواتهم إذا حاولوا التنبيه إلى قصوره المعرفي ورفضوا الانسياق وراء شعاراته الحزبية المستمدة في الأغلب من المؤثرات الأيديولوجية الخارجية التي لايعني لها الواقع العربي شيئاً· لقد عانى عالم الاجتماع العربي المرحوم علي الوردي، بكل ما عرف عنه من استقلال فكري في دراسة الخصوصيات العربية، الأمرّين مع الشيوعيين العراقيين واليسار العربي بصفة عامة، لأنه كان يقول ببساطة علمية متناهية إن النظام العشائري في العراق وغيره من البلاد العربية، هو علمياً غير النظام الإقطاعي في أوروبا حسب التعريف الماركسي الأيديولوجي له· من يعود إلى دراسة تلك المعارك الفكرية بين علي الوردي والشيوعيين العراقيين تتملكه الدهشة لخطورة قول الحقيقة البسيطة بين "المثقفين" العرب··· ولم تكن مشكلة الوردي مع أولئك فقط، فقد تم منع كتبه في العراق في السنوات الأخيرة من حياته، وأصبحت الآن تنشر خارج وطنه، وصار كثيرون يتساءلون من هو علي الوردي؟!

ومن تجربتي بعد ما نشرت فإن قول الحقيقة البسيطة المجردة في مجتمعاتنا كما يراها الإنسان أخطر بكثير من ترديد الشعارات واجترار التصورات والخرافات والمثاليات، أو كما قال أبو العلاء المعري من قديم:

            إذا قلت المحال رفعت صوتي

                              وإن قلت الصحيح أطلت همسي!

 

* إذن فالمشكلة كما تراها ليست في الجوهر العربي وإنما هي في الظروف المجتمعية والتاريخية التي أحاطت به!

 - تماماً··· لا توجد مشكلة بالنسبة للإنسان العربي بوصفه فرداً، إنه ذكي وطيب وقابل للتعلم والتكيّف والتطور· فلننظر كيف تفوق المبدعون العرب في الغرب كأطباء وعلماء ومفكرين ورجال أعمال··· إلخ·

ولكن المشكلة تبدأ عندما يتعامل العربي مع العربي الآخر، سواء في وطنه أو في الوطن العربي، أو في الخارج· المشكلة  مشكلة "مجموع" عربي؛ مشكلة "علاقات جمعية" بين العرب· هنا إخفاقهم الأكبر حتى الآن· من جامعة الدول العربية إلى أصغر مدرسة أو بلدية أو جمعية في مناطقهم النائية، تجد فاعلية "الفريق " العربي وروحه شبه مفقودة· نحتاج إلى التأمل طويلاً في أزمة "المجموع العربي" وفي طبيعة النسيج المجتمعي العربي وفي شبكة علاقاته، لماذا نسيجنا الجمعي لا يحتضن بشكل صحي وفعال الفرد العربي في داخله؟ لماذا يكبته ويرهبه ويشله؟

ولماذا هو "هذا النسيج" بهذه الصورة من عدم الفاعلية: رؤساء ومرؤوسين، حاكمين ومحكومين، أعني آلية العلاقة المتبادلة بين الجانبين، القائد والمقود· وكذلك شبكة التعامل بين فئات المحكومين والمرؤوسين أنفسهم، مثل جمعيات، وفئات، وأحزاب، وجماهير، ومعارضة، وفي النهاية للأسف مثل شلل صغيرة متقزمة تنتهي إليها هذه الواجهات (في عصر الكيانات والتجمعات والتكتلات الكبرى)·

لماذا هي في الحالتين غير طبيعية وغير صحية وغير منتجة، وتؤدي في معظم الحالات إلى التصادم والتصارع والجمود، ومن ثم إلى التراجع والسقوط كما نرى في حياتنا العربية بصفة عامة؟ سواء حكمنا بأنظمة تقليدية أو راديكالية، بأنظمة شبه ديمقراطية أو مغرقة في الدكتاتورية؟ الآخرون يتآمرون علينا؟ حسن··· هؤلاء ليسوا ملائكة وإنما هم أصحاب مصالح· المشكلة لماذا تبقى أوضاعنا العامة وتشكيلاتنا المجتمعية هشة إلى درجة التأثر المصيري بالمؤامرة ومخططاتها؟

لقد خاض العرب معارك الاستقلال بشجاعة وتضحية وكرامة· وكانوا قابلين للتطور والتقدم، والاستعمار على رؤوسهم· فلماذا سقطوا في امتحان ما بعد الاستقلال؟ في امتحان الحكم الوطني؟ في امتحان "الجهاد الأكبر"··· الذي هو حكم النفس، وجهاد النفس، من أجل بناء النفس من جديد؟

هذا ما يجب أن يجيب عنه، علمياً معرفياً، وليس بكائياً، الفكر العربي ليمد الخطاب العربي العام بالوعي اللازم والتصحيح اللازم·

أحياناً نتصور  المشكلة في الإمبريالية والصهيونية والمؤامرات الخارجية· أحياناً ننسبها إلى الأنظمة المستبدة الفاسدة، أحياناً نقول إنه التغريب والعلمانية· أحياناً نرى أنها الماضوية والرجعية والموروث المحنط؟ أليس جديرا أن نتمعن في طبيعة "المعدة" المجتمعية الكبرى التي مازالت تربكها مختلف تلك العناصر، فلا تستطيع امتصاص ما فيها من عناصر قوة - على اختلافها - وتكوين العصارة المفيدة منها ونبذ الزوائد الضارة؟

في التجربة الآسيوية مطلع القرن العشرين كانت "المعدة" اليابانية تمتص كل شيء وتحوله إلى عصارة مفيدة، في حين أن الصين كانت ترتبك من كل جديد وموروث، إلى أن حسمت أمرها بالنهج الذي اختارته فانعتقت من الدوامة· العرب في حاجة إلى حسم تاريخي يناسبهم كهذا الحسم· فهم ما زالوا في حالة اللاحسم، مترددين في دفع استحقاق التاريخ  (ولنقل في دفع استحقاق بقائهم في العصر الحديث بكل تحولاته)·

هلا توصلنا إلى تشخيص متكامل يحدد لكل عامل دوره، دون مبالغة أو تضخيم، ودون تبسيط واخترال·

 

* مثّل كتاب "نقد العقل العربي" بأجزائه للدكتور محمد عابد الجابري محوراً لتجاذب فكري شديد بين مؤيد ومعارض· ما رأيك بصراحة في "ظاهرة" هذا الكتاب؟

- في المجال الأكاديمي، وعلى مستويات البحث العلمي الرصين، يجب أن نكون صرحاء ونبتعد عن المجاملات التي درجنا عليها في حياتنا العربية· مع احترامي للدكتور محمد عابد الجابري، ولما حاوله من تجديد في الفكر العربي، فأعتقد بأمانة أن مستوى كتاباته في المرحلة الأخيرة، وترفعه غير المحمود عن تقبّل النقد العلمي من جانب نظرائه المفكرين العرب، وبعضهم كان بدايةً من أخلص المتفهمين لطروحاته والمدافعين عنه، ومنهم جورج طرابيشي الذي كتب نقداً لنقد الجابري للعقل العربي صار في تقديري، أعني نقد طرابيشي، هو ما يجب أن يقرأ من جانب المثقفين العرب والباحثين العرب الجادين بموازاة "نقد" الجابري، لأن نقد طرابيشي يمثل بجدارة الصوت الآخر في جدلية تجديد الفكر العربي، هذا لوكانت حياتنا الثقافية العربية تعتمد المقاييس الموضوعية والارتقاء فوق مستوى العلاقات الشللية والإيديولوجية والتعصب الديني الذي تجاوزه العصر، وكذلك اعتبارات  العلاقات العامة في تقويم العلم والفكر والثقافة، هذه الاعتبارات التي نبّه إلى ضرورة تجاوزها مفكر عربي رصين آخر هو الدكتور فهمي جدعان الذي ينبغي أن يستمع إليه المثقفون العرب إذا أرادوا حقاً الانتقال من الأيديولوجيا إلى الإبستمولوجيا (علم التأسيس المعرفي)·

عندما يقول الجابري باستخفاف: "لا أقرأ جورج طرابيشي···" (مجلة الوطن العربي، بتاريخ 1998/12/18 في مقابلة أجراها معه محمد بركات) فإنه يتشبّه للأسف بأي مستبد سلطة يريد إقصاء الصوت الآخر وتجاوزه والقضاء على صاحبه· وهذا أكثر من "زلة لسان" لأنه امتداد لموقف سابق للجابري في دعم الدكتاتورية على الصعيد العربي (في فتنة احتلال الكويت وتدمير العراق عام 1990 - 1991)، على الرغم من كون الجابري محسوباً على الاتجاه الداعي إلى تأصيل الديمقراطية في المجتمعات العربية· أليس ما يدعو إلى القلق حقاً أن تكون دعوة المفكر العربي للديمقراطية مسألة "موسمية" تتوقف على مدى تقبّل الأسواق "الجماهيرية" والمحافل الأيديولوجية لها، وإلا فلتوضع على الرف، إذا كان "مزاج" الشارع في موسم آخر متقبلاً ومصفقاً لغيرها من الأصناف السياسية؟

وبرغم هذا فنحن لا نحاسب الجابري على هذه الزلة السياسية، لكنني لا أستطيع أن أفهم تهربه بوصفه عالماً ومفكراً من المواجهة العلمية لنخبة من نقاده الجادين (كونه "ناقد" العقل!)··· من محمود أمين العالم، إلى طيب تيزيني، إلى فهمي جدعان وصولاً إلى ناقده المنهجي جورج طرابيشي· فبهذا "الترفع" البدائي أضاع الجابري على العقل العربي الذي انكب على دراسته فرصة ثمينة لإغناء ذاته من الداخل، لو تحلى بتواضع العلماء، وانصاع لأدب الحوار كما يتعين على أي منشغل بالفكر أن يكون، وعمل على دعم وجهة نظره بمزيد من الإيضاح العلمي والشواهد البحثية ليس من أجل ناقديه بالضرورة ولكن احتراما للأجيال العربية وللمثقفين العرب الدين احترموه ويريدون معرفة رده العلمي، لا الانفعالي، على كل الطروحات المعارضة له، ومن بينهم صاحب هذه المداخلة· ولكن يجب أن أسجل للأمانة إني لم أستطع الدخول في أي حوار موضوعي مع الدكتور الجابري برغم حرصي على ذلك، فقد كان يجيب باقتضاب شديد أو ينفعل لدى مواجهته بأي إشكالية فكرية ناجمة عن منهجه في البحث أو التنظير· ويعد ذلك تعريضاً به أو نقداً لذاته·

 

* هذه وجهة نظرك في الجابري· ولكن ما تقويمك العلمي لنتاجه الفكري؟

- ذلك بالتأكيد هو الأهم· ويمكنني إحالتك وإحالة الباحثين والقراء الذين يهمهم الأمر إلى كتابي الأخير الصادر قبل أشهر، وهو كتاب "مساءلة الهزيمة"، حيث تناولت فكره بالتحليل والتقويم، وما كنت سأقدم على إبداء وجهة نظري في مسلكه مع ناقديه، لو لم أقم قبل ذلك بنقده علمياً· ولكننا للأسف سنبقى في "حوار الطرشان" إلى أن يقرر الجابري أن يجيب بموضوعية ومحبة وتواضع على ناقديه في طروحاتهم وليس في أشخاصهم وأديانهم ومذاهبهم ومواقعهم الجغرافية مشرقاً أو مغرباً··!

تقويمي العلمي لفكر الجابري في نقده للعقل العربي يتمثل في التالي:

على الرغم من الذيوع الذي حققه كتابه "نقد العقل العربي" بين جمهور القراء وعامة المثقفين، فإنّ أهم إسهاماته البحثية الفكرية تتمثل في كتابه الأسبق "العصبية والدولة في فكر ابن خلدون" ففي هذا الكتاب كان الجابري رائداً في نهجه وتحليله، حيث مثل إعادة نظر مهمة في سوسيولوجيا التاريخ والحاضر في واقع العرب من منطلق ابن خلدون، بنظرة معاصرة لا تفتقر إلى التجديد والابتكار· ودون التقليل من أهمية كتابه الأكثر ذيوعاً "نقد العقل العربي" بأجزائه المتعددة ولا من الجهد البحثي والفكري الذي بذله فيه، فإن "نقد العقل العربي" أشبه ما يكون ببناء معماري فسيح له واجهة زخرفية جذابة وأروقة تبهر المقبلين إليه لكنه من الداخل لا يضم إلا القليل من الغرف الصالحة للسكن· أعني أن مقدماته وتحليلاته جذابة وشائقة، أما نتائجه الحقيقية فهي موضع نظر، ويتصف بعضها بالهشاشة المعرفية والتنظيرية التي لا تمثل بناء يذكر في الفكر العربي· وهي إذا اجتذبت المثقفين العرب غير المختصين في الفلسفة الإسلامية، فإنها لا تمثل في الأغلب جديداً للمختصين فيها، إلا بإعادة الصياغة واختراع المصطلحات التي يجيد الجابري عرضها، وهي التي تفسّر في تقديرنا ظاهرة شيوعه بين عامة المثقفين غير المختصين وغير المتعمقين في أصول الفلسفة الإسلامية والفكر العربي·

وصنيعه في مجال الفكر يشبه صنيع أدونيس - مع المفتونين به من غير المختصين - في النقد الأدبي والإبداعي الفني والكتابي· والفارق أن أدونيس مبدع كبير في الشعر - وخصوصاً في مراحله الأولى قبل قصيدة النثر الفجة - أما في الكتابة النقدية والفكرية وعلى الأخص في تاريخ الفكر العربي فإنه تبسيطي واختزالي - مثل الجابري - ويمتلك مثله - قدرة على الإبهار والتأثير، وإن قفز فوق المعطيات الموضوعية للقضايا التي يطرحها· هذا وإن كان يقف على الضد منه في الأيديولوجية المذهبية التي تمثل نفقاً مسدوداً لكليهما·

ونرى أن سكوت الجابري عن الرد على المآخذ العلمية البحثية في النقد الموثق والمسهب لجورج طرابيشي بشأن مشروعه، وتجاهله المتعمد لهذا النقد، لا يمثل فحسب إشكالاً أخلاقياً في موقفه، وإنما يمثل أيضاً تهربا علمياً لا يليق بمفكر في مستواه، وهو ما ينسحب على موقفه من الاعتراضات العملية الأخرى على مشروعه التي صدرت عن عدد من المفكرين العرب الجادين في المغرب والمشرق·

أما سر ذيوع كتابه هذا، فمرده في تقديرنا - كما سبق - إلى قدرته على تبسيط القضايا الفلسفية والفكرية لجمهور عربي من عامة المثقفين والمتعلمين الذين لم يلمّوا بتاريخ الفلسفة العربية الإسلامية، أو وجدوا صعوبة في قراءة أصولها والدراسات البحثية الدقيقة بشأنها، فوجدوا في تبسيط الجابري لها غذاء ثقافياً سائغاً لهم ولمستواهم المعرفي، أوحى إليهم بأنهم قادرون على التعمق في فهم مادة فلسفية شائكة ظلت محجوبة عنهم في مرحلة تأسيسهم العلمي· وحيث إن مثقفي المشرق كانوا أكثر جهلاً بقضايا الفلسفة الإسلامية من نظرائهم في المغرب الأكثر انفتاحاً في عصرنا على الفلسفة، فقد كانوا أكثر افتتاناً بما جاء به الجابري من تنظيرات بشأنها، وذلك ما يفسّر محدودية انتشاره في منطقة المغرب العربي مقابل شيوعه في المشرق وعلى الأخص لدى الأوساط والداوئر التي يشايعها أيديولوجياً·

وبناءً عليه فإن ذيوع كتابه "نقد العقل العربي" لا يعود إلى قوته العلمية - وإن اتصف بحذق في العرض الفكري - وإنما إلى "الضعف" المعرفي لدى متلقيه من المثقفين العرب من ذوي الاختصاصات  الأخرى الذين ظلت الفلسفة العربية الإسلامية أضعف جوانب تأسيسهم التعليمي منذ الصغر، لما أحاط بدراسة الفلسفة وتدريسها في العالم العربي بصفة عامة من محاذير وموانع لا تزال قائمة، وعلى الأخص في العقود الأخيرة من سيادة النزعات النصية الحرفية التي صنعت أجيالاً على نقيضٍ من منطق العقل الناقد·

أما المختصون في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية فإن ما جاء به الجابري لم يكن جديداً عليهم إلا في بعض المفردات والمصطلحات· وعلى سبيل المثال فإن التقسيم التبسيطي والاختزالي الذي جاء به الجابري لخريطة الفكر العربي بين "بيان" و "برهان" و"عرفان" لم يكن سوى تسميات أخرى لما أطلق عليه من قبل "المنحى الفقهي" و "المنحى الفلسفي" و "المنحى الصوفي" في تاريخ الفلسفة الإسلامية منذ أمد بعيد· (انظر على سبيل المثال لا الحصر: كتاب تاريخ الفلسفة العربية لكمال اليازجي وأنطون كرم، بيروت، 1965)· هذا فضلاً عن وقوعه - نظير بعض مفكري الغرب في القرن التاسع عشر - في طروحات "عرقية"، بين غرب عقلاني ومشرق صوفي مناهض للعقل (جدعان - الطريق إلى المستقبل، ص 28)·

وكما لاحظ مفكر مشرقي طويل الباع في الفلسفة الإسلامية وهو طيب تيزيني، فإن الجابري قد أخرج المفكر المعتزلي والكاتب المعرفي البارز "الجاحظ" من المدرسة العقلية العلمية التي كان من أوائل مؤسسيها، ليلحقه بخفة بمدرسة البيان ضمن تعميماته الاختزالية (انظر: طيب تيزيني، من الاستشراق الغربي إلى الاستغراب المغربي)· ولا يفوتنا التنبّه هنا إلى أن الجابري قد أغفل كل المضمون الفكري والعقلي للأدب العربي، لمجرد كونه أدباً، برغم ما للأدب من أثر كبير في صياغة "عقل" أمة مثل الأمة العربية·

وبالنظر إلى "الأمية" الفلسفية السائدة في قطاعات واسعة من المثقفين العرب المعاصرين، فقد غاب عنهم أن أول مشروع جدير بالالتفات لدراسة العقل العربي في العصر الحديث قد تمثّل في مؤلفات الباحث المصري الرائد أحمد أمين الموسومة: "فجر الإسلام" و "ضحى الإسلام" و "ظهر الإسلام" بأجزائه المتعددة، وذلك منذ عام 1929، أي قبل أكثر من سبعين عاماً·

والفرق أن أحمد أمين كتب دراساته في العقل العربي بلغة علمية مباشرة ومجردة، في حين كتبها الجابري بأسلوب لا يخلو من جاذبية - تفكيراً وتعبيراً - وفي ذهنه مخاطبة المثقفين العرب المؤدلجين والحائرين منذ هزيمة 1967، وهم بانتظار من يعيد لهم تأسيس اقتناعاتهم الفكرية· واللافت للنظر أن الجابري يغفل ذكر أحمد أمين ولا يشير إلى دراساته التأسيسية السابقة بما لا يقل عن نصف قرن لظهور مشروعه، بما يطرح التساؤل عن مدى الالتزام بالوفاء العلمي بين أجيال المفكرين العرب·

ولم يقف تغافل الجابري عند حد إغماط حق المفكرين السابقين نظير أحمد أمين، فقد نقل عن فهمي جدعان - أحد المفكرين العرب المعاصرين - مادة أساسية "حذو النعل بالنعل" من كتابه "المحنة" بشأن محنة ابن حنبل والمعتزلة، ولم يشر إليه إلا إشارة جزئية عابرة لا تتناسب مع ما نقله عنه بما يخالف المتعارف عليه "في الدوائرالعلمية الجادة" حسب تعبير جدعان (انظر النص الكامل لشهادته في: "العلمانية والممانعة الإسلامية" لعلي العميم، ص 123 وما بعدها)·

وكان جدعان قد حذّر من الانبهار بأصحاب "مشاريع العقل العربي" التي صدرت في: "مجلدات مهيبة لكنها جاءت حافلة بالمسائل الخلافية وبالتأويلات الشاردة أو المبسترة··· وتلقفتها وسائل البث الإعلامي الأيديولوجي "الموازية" وسعت إلى توظيفها في غايات سياسية أو أيديولوجية" - جدعان، الطريق إلى المستقبل، ص 92·

ومن جانب آخر، لفت جدعان إلى أن: "وقائع السنوات الأخيرة، مثلاً قد أبانت عن أن ثلة مرموقة من كبار العقلانية ونقّاد العقل قد تخلّت تماماً عن جميع أسلحتها العقلانية، حيث كانت تفرض عليها هذه الوقائع وضع عقلانيتها موضع التنفيذ، فلم يكن إلا أن وضعتها بين قوسين وذهبت في الطريق المضاد لأحكام العقل···" - "جدعان، المصدر ذاته ص 58"، ملمحاً بذلك إلى ديماغوجية موقف الجابري من فتنة احتلال الكويت وتدمير العراق (1991-1990)·

 

________________________________

لمشاهدة بقية الموضوع من خلال هذا الرابط

طباعة  

من أهم معوقات عمل القطاع القيود المالية وقلة عدد المهندسين
د· الياسين: أعمال الصيانة والترميم لإعادة تأهيل مدارس الدولة ليست بالعمل السهل

 
بعد انتهاء “زيطة” العيد الـ 50 لثورة يوليو
لماذا لم يثأر اليسار من الثورة ومن جمال عبد الناصر؟

 
تواصلا مع ما يثار طرحه بشأن أوضاع “البلدي” و”البلدية”
لاري لـ الطليعة: إلغاء البلدي إجراء غير دستوري ·· ومبررات الدفاع عن وجوده عمل مشروع رغم كل ما يقال

 
مشروعه "لم يهدف إلى وضع العرب أمام طريق مسدود ولم يصفهم بالتخلف الذي لا مفر منه"
جابر الأنصاري: أرفض فكرة صراع الحضارات لأن البشر لايتقاتلون لأسباب حضارية إنما لأسباب مصلحية__يتبع للموضوع