رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 23-29 جمادي الآخر 1423 هـ الموافق 31 أغسطس 6 سبتمبر2002
العدد 1542

“بيوت الحشمة” الإيرانية

 

جان ميشال كاديو - ترجمة : أمل البنعلي

بعد أكثر من عقدين من حكم الجماهير الخالعة بالكرباج، يفكر النظام الإسلامي في إيران على نحو لا يمكن تصوره· إذ يحاول، في مواجهة ظاهرة الدعارة المنتشرة في الشوارع، تسريب خطط لإنشاء “بيوت حشمة” بموافقة حكومية·

وقد رفض المحافظون، المسيطرون على المحاكم والأجهزة الأمنية، هذه المقترحات بشدة، بوصفها بعيدة كل البعد عن الأخلاقية· وبتشكيكهم فيها لن يكتب لها التطبيق·

ورغم ذلك تبقى حقيقة أنه بنشر هذه المخططات في الصحافة، وتحولها إلى حديث سائقي سيارات الأجرة وركابهم ورواد محلات الوجبات السريعة في طهران، قد تم تحطيم واحد من أقوى المحرمات الإسلامية·

ويستفيد واضعو الاقتراح من تقليد استثنائي عند الطائفة الشيعية، التي تشكل النسبة الأكبر في البلاد، وهو ما يعرف “بالزواج الموقت”، أو الصيغة (أي السماح للرجل بالزواج من امرأة باتفاق متبادل ولفترة موقتة من الزمن، عبر قراءة آية من القرآن الكريم· وعندما ينتهي التعاقد الشفهي، الذي قد لا يأخذ أكثر من دقائق معدودة، لا يتحمل الرجل أي مسؤولية إلا في حالة  الانجاب، وهذا العرف الممارس في إيران كان ولا يزال موضع خلاف)·

وبناء على المقترحات، يكون أمام العاهرات، اللاتي تلتقطهن الشرطة الدينية أو الأجهزة الأمنية الأخرى في الشوارع، خياران، إما التخلي عن مهنتهن بمساعدة الرعاية الاجتماعية، أو القبول بأن يوضعوا في “بيوت الحشمة” الحكومية، حيث يمكنهن التعاقد على زيجات موقتة مع زبائنهن· ويتوجب على الزبائن أن يدفعوا مهرا عوضا عن الرسوم· وبمقدورهم تحديد مدة “الزواج بالتعاقد”· وتفتح هذه البيوت فقط للذكور الذين تثبت بطاقاتهم الشخصية أنهم عزاب، أو أرامل، أو متزوجون من نساء أقعدهن مرض جسدي أو عقلي·

ولقد تم رصد عدد من الفنادق في طهران التي من الممكن استخدامها لهذا الغرض· وبينما خجلت الصحافة الناطقة بالفارسية من ذكر الوزارات التي تقف وراء هذه المخططات، أبلغت وكيلة وزارة الداخلية للشؤون الاجتماعية، السيدة أشرف بوجوردي، الـ BBC، بأن دائرتها قد أسهمت في وضع المقترحات، قائلة إن: “الكثير من الناس يعتقدون أن الكلام عن هذه الأمور هو أمر محرم، إلا أن هذه القضايا جزء من الواقع الاجتماعي، والتظاهر بعدم رؤيتها، لا يساهم في حل المشكلة”·

ويشير التفاقم السريع للمشكلة، حيث بلغ عدد النساء العاملات في الشوارع 300.000 حتى الآن، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية المتردية في إيران، إلى أن لهذه المقترحات مؤيديها المترددين·

وقد عبر رئيس مركز الإمام الخميني للبحوث، الذي يحمل اسم مؤسس الجمهورية الإيرانية المبجل، عن تأييده لهذه المخططات· ففي مقابلة أجرتها معه صحيفة الاعتماد اليومية، قال محمد موسوي بوجنردي: “إنه من المهم إنشاء بيوت الحشمة هذه، بسبب الحاجة الملحة لها”·

ولا تعتبر الدعارة المرخصة من قبل الدولة، أمرا جديداً في إيران· ففي عهد الشاه الموالي للغرب، وعندما كانت البلاد تعج بالخبراء الأمريكيين، كانت منطقة شهرانو في العاصمة طهران، تضم المئات من بيوت الدعارة التي كانت تعمل علانية وبموجب القانون· وبعد الثورة مارس البعض ضغوطا من أجل إبقاء المواخير، بحجة أن إغلاقها ليس إلا إخفاء للمشاكل·

غير أن خطب رجال الدين المحافظين اللاذعة ضد النظام السابق، التي جعلت من التأثير غير الأخلاقي للغرب قضية مركزية، تسببت في تنظيف تلك المنطقة·

وقد أظهرت سلسلة من القضايا التي تورط فيها مشاهير في الأشهر الأخيرة، عجز العقوبات الإسلامية الصادرة من محاكم الثورة في العقدين الماضيين، عن القضاء على أقدم مهنة في العالم·

وكان قد حكم على ثمانية من أعضاء الفريق الإيراني لكرة القدم بالجلد 180 مرة، بعد تجريمهم بصور وجدت خلال حملة قامت بها الشرطة على بيت للدعارة في العاصمة· وفي حادثة أخرى، في بلدة كراج النائية في طهران، تم الحكم على قاض من قضاة محاكم الثورة، بالسجن لمدة 10 سنوات ونصف السنة لعمله كسمسار رذيلة، وقيامه بإغواء الزبائن بفتيات صغيرات من بينهن فتاة لا تتجاوز 17 عاما من عمرها احتجزت رغما عنها·

إلا أن الدعارة بالنسبة للمحافظين الذين يسيطرون على السلطة القضائية، تبقى موضوعا محرما· وفي تصريح لها علقت وزارة العدل على المقترحات المنشورة في الصحف قائلة: “إنها تتعارض مع القيم الأخلاقية والعائلية”، نافية بشدة أي دور لها في التخطيط لذلك، مشيرة إلى “أن السلطة القضائية تعتبر هذا الاقتراح غير جدير بالاهتمام، وتنبه من يقوم بالترويج لمثل هذه الأفكار، إلى ضرورة أن يتوقف عن إزعاج الرأي العام”·

وفي الوقت الذي تتزايد فيه ضغوط المحافظين على الحكومة الإصلاحية للرئيس المعتدل محمد خاتمي فإن قضية الدعارة ستستخدم كذريعة أخرى من قبل المتشددين الإسلاميين للهجوم على الحكومة·

وكانت القيادة العليا لتشكيلات حرس الثورة قد ذكرت، في هجوم علني على الإصلاحيين في أوائل هذا الشهر، أن كسر محرمات الدعارة، واعتماد الإثارة ضد النظام الإسلامي هو تحرير للخطايا الكبيرة· وقد عبر القادة عن سخطهم قائلين: “إنه في خلال الأشهر القليلة المنصرمة، تجاوز هؤلاء الأشخاص كل الحدود بتأييدهم للفتنة في الشوارع، وبمناقشتهم للدعارة، وبالتآمر للفوز بالانتخابات المقبلة، مستغلين بذلك الاستياء الشعبي بشعارات مثل: “الحرية للبنات والأولاد”·

لذلك، يبدو مصير “بيوت الحشمة” المقترحة، مرتبطا بشكل وثيق مع مصير حكومة خاتمي·

“ميدل إيست تايمز”

 

 

طباعة  

فرصة سلام كبيرة أمام السودان
 
أنقرة: دروس الأزمة السياسية
 
جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي