شاعرنا الكبير فهد بورسلي لم يُنصف في حياته ولا مماته، اللهم إلا من ديوان يتيم أعدته ابنته وسمية عام 1978م، وساعدها في ذلك بعض رجالات عائلة بورسلي وهي من الأسرة العريقة الممتدة عمقاً، وتعتبر من أوائل الأسر الكويتية القليلة التي قدمت إلى الكويت في بدايات نشأة الإمارة·
وقد قامت وزارة الإعلام بطباعة الديوان، وكانت الطباعة في الوزارة - آنذاك - متواضعة جداً حيث لم يمضِ على إنشاء مطبعة الحكومة سوى عامين فقط لذلك طبع الكتاب وأخرج بشكل متواضع جداً، ليس في طباعته وإخراجه فحسب بل تجميعه وتحقيقه وتحليله لم يأتِ بمستوى المكانة التي أحرزها الشاعر الشعبي الكبير باستثناء المقدمة التي كتبها المرحوم المؤرخ أحمد البشر الرومي، حيث ضمنها جوانب كثيرة عن حياة الشاعر وشعره وتفاعله مع قضايا مجتمعه - آنذاك - ومعطياته، وعدا ذلك فالمؤلفة لم تلامس شفافية الشاعر ولا مكانته الشعرية والاجتماعية·
كما أن المؤلفة وهي القريبة من الشاعر الكبير، لم تشر فيما كتبت إلى أهم نقطتين في حياة الشاعر وهما دخوله المستشفى والسجن!! علماً أن أجمل قصائد الشاعر هي تلك التي نظمها في المستشفى فترة تلقيه العلاج وهي فترة مليئة بالشكوى والعتاب والمعاناة من قصور الأهل والأحبة والأصحاب المقلين في زياراتهم للشاعر في أثناء فترة رقاده في المستشفى، وكذلك فترة قضاء تنفيذه حكمه في السجن· لم تذكر المؤلفة أي تفاصيل عن الأسباب التي أدت إلى دخوله المستشفى أو السجن بالرغم من أنهما منعطفان مهمان في حياة الشاعر، ولا ريب من ذكر التفاصيل هنا·
تقول المؤلفة: إن والدها الشاعر فهد بورسلي ولد في عام 1918م وتوفي في 25 إبريل 1960م، وإن أول ديوان له صدر عام 1955م وأعيد طبعه عدة مرات، بينما عثرنا على ديوان له قام الشاعر ذاته بنشره عام 1964م، يعني بعد وفاته بأربع سنوات!! وقد أطلق عليه اسم (مقتطفات من ديوان بورسلي) لصاحبه شاعر الكويت فهد بورسلي، وأرخه في 1964م، وطبع في مطبعة مقهوي بالكويت، وقد كتب مقدمته الشاعر ذاته، قال فيها :
(هذه بضع من قصائدي وجدتها من بين مسودات شعري مبيضة فراق لي أن أطبعها في كراس صغير ليطلع عليها محبو هذا النوع من الشعر، بدلاً من أن أدعها بين الأوراق حتى يحين طبع ديواني الكبير، وإني لأرجو أن تنال رضى القراء الكرام·
والآن وقد تم طبع الكراس فإنني أضعه بين يدي القارئ، فإن وجد فيه، رغبته فذلك مبتغاي وإن لم يجد فيه ذلك أستميحه العذر وأرجو أن أرضيه في المستقبل)·
هذه هي مقدمة الديوان الصادر في عام 1964م كما كتبها الشاعر فهد بورسلي دون أي تدخل منا·
وهنا لا يفوتنا أن ننشر إحدى هذه القصائد المبيضة حيث لم تنشر من قبل، وقد عثرنا عليها في أرشيفنا الخاص، وهي بخط يد الشاعر ذاته، نظمها عام 1953م·
يستعرض فيها الشاعر بورسلي، كثرة العمالة الوافدة إلى الكويت بحجة العمل، وخصوصاً الأجانب، حيث أصبحت الكويت في عام 1953م بعد اكتشاف النفط فيها بلد جذب للعمالة الأجنبية·
إن شاعرنا الكبير فهد بورسلي لم يُنصف رغم أنه شاعر متميز بشاعريته الاجتماعية وبشعره الشعبي حيث لحن وغنى له الكثيرون من محبي شعره وفنه الذي اشتهر بالسامري، فضلاً عن كون الشعر الشعبي قريباًَ دائماً من القلب ويلامس الوجدان، خصوصاً إذا صاحبه لحن شجي ورائع من فن السامري، وقد اشتهر شعره بشفافيته وطرافته·
حيث لا مس بشعره الكثير من القضايا الاجتماعية اليومية، ونظراً لسلاسة شعره فقد حفظه الكثير من الناس في صدورهم، والكثير من قصائده لحنت، وغنى له الكثير من الفنانين والفرق ألواناً كثيرة من فنون السامري·
* كهذه القصيدة التي يقول في مطلعها:
يالله تجبر خاطر المكسور
ما بات مرتاح ولا ليلة
* أو القصيدة التي يقول في مطلعها:
جزى البارحة جفني من النوم
جزى من غرابيل الزماني
صبرت أمس مع قبل أمس واليوم
وأشوف العشر تصفي ثماني
* وله أيضاً هذه القصيدة:
يا هلِ الشرق مروا بي على القيصرية
عضدوا لي وتلقون الأجر والثوابي
* وله قصيدة يقول في مطلعها:
لحاج الله يا نفس على الجايد تحديني
تحديني وقلبي ما حصل منه مقصودة
* وله أيضاً قصيدة مشهورة يقول في مطلعها:
يا روح روحي من يسلي الروح
بين السمر والبيض مقسومة
وله الكثير من القصائد الغزلية الرائعة، لكن له - أيضاً - الكثير جداً في مدح شيوخ وأبناء الأسرة الحاكمة في الكويت وغيرهم، ففي ديوانه الذي نشره عام 1964م والذي يحتوي على 65 صفحة وردت فيه أكثر من ست عشرة قصيدةَ مديحِ قالها في بعض حكام الكويت وأبنائهم·
* والقصيدة التالية قالها وهو في السجن وهي من أروع قصائده التي نظمها في السجن·
شجاني حمام لعا بالغصون
تكدرت من صوته المحزنا
حمام على ما مضى له ينوح
يذكر حزيناً عداه المنى
تمر الليالي بظلم وظلام
حليف الخطر والسهر والعنا
على غير ذنب تجور الليال
تساعد على البطش أيامنا
* إلى أن يقول:
علاجي سجن بوسطه سجون
مع كل جاني وهو ما جنى
يهون المرض والعذاب الشديد
ولا وحشة يومها عن سنه
وهذه القصيدة طويلة تتكون من سبعة وعشرين بيتاً يعبر فيها عن صور المرض وظلمات السجن والمعاناة المريرة في أيام الشاعر فهد بورسلي في أثناء سجنه·
(وقال القصيدة التالية عندما أدخل مصح الأمراضِ العقليةِ)
* وهذا جانب مجهول في حياة شاعرنا الكبير فهد بورسلي لم تكشف النقاب عنه مؤلفة الكتاب قال في مطلعها:
سقا الله عصراً مضى وانقضى
تساكب دموعي على ما مضى
زمان مضى بالفرح والسرور
هجرني من الناس بعد الرضى
وهي من القصائد الطويلة يشكو فيها الشاعر زمانه، أما القصيدة التالية فقد نظمها وهو (المصح) مخاطباً فيها مدير دائرة الصحة قبل استقلال الكويت نصف النصف قال في مطلعها:
يا نصف انصف بين عاجل أو مجنون
ما يهمك درب السنع والعداله
خليتو الخلان فيني يشكون
راعي العقل واللي إمصلع اهباله
* وهي أيضاً من القصائد الطويلة والرائعة·
مما تقدم تبين أن شاعرنا الكبير فهد بورسلي على الرغم من أنه غاب عن عالمنا في الستينات إلا أننا لم نقرأ عنه إلا القليل جداً من الدراسات أو الدواوين ولا تزال هناك جوانب كثيرة وغامضة في حياته ينبغي أن تعد له ندوة تلفزيونية أو إذاعية مع من عرفوه عن قرب قبل أن يطمس الزمن ما هو معلوم اليوم فقد لا يكون معلوماً غداً·