نبيل عناني
هل يتيح اتفاق (ماشاكوس) بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان فرصة للسودان لكي ينعم بالسلام وإنهاء الحرب التي خلفت نحو مليوني قتيل وأربعة ملايين لاجئ ومشرد ومفقود؟
هذه الحرب حرمت السودان الغني بمياهه ومساحته الشاسعة وثرواته من أي فرصة حقيقية للتنمية ووضعته على رأس قائمة الدول الأكثر فقرا في العالم·
وتتساءل القوى السياسية السودانية هل سيلقى هذا الاتفاق مصير اتفاقية “أديس أبابا) التي وقعت عام 1972 وسقطت عام 1983 حين أقر الرئيس السوداني الأسبق “جعفر النميري” قوانين الشريعة الإسلامية والتي ما زالت مستمرة حتى الآن·
والاتفاق ينص في خطوطه العريضة على: أن وحدة السودان القائمة على الحكم الديمقراطي والمساواة والاحترام والعدالة لجميع سكان السودان هي أولوية الطرفين، شعب جنوب السودان لهم حق السيطرة وحكم شؤونهم في منطقتهم والمشاركة بمساواة في الحكومة القومية، لشعب جنوب السودان حق تقرير المصير وأشياء أخرى من خلال استفتاء لتحديد وضعهم المستقبلي بعد انتهاء الفترة الانتقالية، تولي المناصب العامة ومن بينها الرئاسة والتمتع بكل الحقوق والواجبات، تقوم على أساس المواطنة وليس على أساس الدين أو المعتقدات أو العادات، التوزيع المتساوي للموارد وتقاسم الثروة بين الولايات والأقاليم·
ويشتمل الاتفاق على فترتين إحداهما تمهيدية تستمر ستة شهور يتم خلالها وضع دستور للبلاد وإقامة آلية لتنفيذ ومراقبة اتفاق السلام، والثانية انتقالية تمتد الى ست سنوات يجري في نهايتها استفتاء تقرير المصير·
وقد لعبت الإدارة الأمريكية دورا رئيسيا في ظهور هذا الاتفاق عبر رعايتها لمفاوضات سرية تمت على غرار (أوسلو) ليس لمكافأة الحكومة السودانية على إمدادها بمعلومات عن تنظيم القاعدة وزعيمها (أسامة بن لادن) والذي كان يعيش فترة في السودان، بل أيضا استجابة لضغوط الشركات الأمريكية التي تطالب بالسماح لها في الاستثمار في مجال البترول في السودان والذي ينتج حاليا 250 ألف برميل يوميا ومرشح للزيادة الى أربعة ملايين برميل· وقد تباينت ردود الفعل بين مرحب ومتحفظ·
فشركاء (جون قرنق) زعيم الحركة الشعبية لتحرير السودان في (التجمع الوطني) يعتبرون الاتفاق غير مكتمل وجزئيا وأنه انفصال مؤجل وقد تخطى أزمة السودان السياسية وهي أزمة تضم كل الفصائل السياسية والأعراق ويرون أن المشكلة يجب أن تحل في إطار الأزمة الوطنية وليست مشكلة إقليمية وقد رحب التجمع بالتوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار وحقن الدماء السودانية من الجانبين·
أما حزب المؤتمر الشعبي بقيادة “حسن الترابي” فتحفظاتهم تنصب حول قضية علاقة الدين بالدولة وأحكام الشريعة الإسلامية المنصوص عليها في دستور 1998 الذي يعتبر لاغيا بموجب الاتفاق·
أما مصر وليبيا فقد أعلن العقيد (معمر القذافي) ترحيب بلاده بالاتفاق مشيرا الى أنه (لا يجب أن نكون سودانيون أكثر من السودانيين أنفسهم)·
ولكن القيادة المصرية قد أبدت تحفظها على الاتفاق حيث تعتبر الشأن السوداني أحد ثوابت أمنها القومي·
وتأتي تحفظات القاهرة في الآتي:
* إن مصر تسعى للتكامل مع السودان المستقر وإن انفصال الجنوب عن السودان يعني تهديد التكامل الإقليمي لوادي النيل ومقدمة لاضطراب كامل وتشجيع مناطق أخرى على الانفصال في شرق السودان أو جبال النوبة أو منطقة إيبي، قد يؤدي الى تقسيم جديد لمياه النهر مما يضر بها·
* إن مذكرة التفاهم في حقيقة الأمر نوع من اقتسام السلطة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية وهو أمر لا تقبله مصر·
*