في حال التزام الدول الصناعية بقرارات القمة!! من سيلزم الشركات متعددة الجنسية والحدود الجغرافية؟ وهل ستضع القمة آلية لتطبيق قراراتها؟
العالم بعد عشرة أعوام من قمة ريو دي جانيرو في حال أكثر سوءاً ماذا يا ترى ستكون عليه الحال في العام 2012؟
كتب سعـود العـنزي:
افتتحت يوم الاثنين الماضي القمة العالمية حول التنمية المستدامة في جوهانسبرغ كبرى مدن جنوب إفريقيا· وتسعى القمة، التي تستغرق عشرة أيام، الى تقييم الإنجازات التي حققها العالم والعراقيل التي تعترض طريق التنمية المستدامة منذ القمة العالمية حول البيئة والتنمية في عام 1992 في ريو دي جانيرو بالبرازيل ووضع خطة وتصور لما يمكن إنجازه خلال السنوات الخمسين من هذا القرن على صعيد التخلص من الفقر وحماية البيئة والتعجيل بالتنمية في دول العالم المتخلفة دون أن تكون التنمية هذه على حساب تدمير البيئة والقضاء على موارد الأرض·
يشارك في مؤتمر جوهانسبرغ أكثر من أربعين الف شخص من بينهم أكثرمن مئة رئيس دولة أو حكومة وعدد غفير من أعضاء جمعيات المجتمع المدني من كل أقطار العالم· بل إن أعضاء الجمعيات المهتمة بالبيئة وتلك المناهضة للعولمة والجمعيات الإنسانية الأخرى بدؤوا بسلسلة من التظاهرات والاحتجاج السلمية قبيل بدء المؤتمر· وتلعب مؤسسات المجتمع المدني دوراً مهماً في مثل هذه المؤتمرات العالمية كجماعات ضغط على الحكومات والمؤسسات والشركات العالمية لتدفعها نحو أخذ قرارات لصالح برامجها الاجتماعية والسياسية· هذا وقد ووجهت معظم تلك الاحتجاجات بقمع قوات الشرطة لها في جنوب إفريقيا خشية تطورها بشكل يعيق انعقاد المؤتمر كما حصل في مدينة سياتل قبل أربعة أعوام·
هذا وقد انتقد كثير من المشاركين والمراقبين والمهتمين عدم حضور الرئيس الأمريكي جورج بوش على رأس الوفد الأمريكي واكتفائه بإرسال وزير خارجيته كولن باول رئيسا للوفد· الانتقادات جاءت لكون الولايات المتحدة الأمريكية أكثر دول العالم تأثيراً في موضوع المؤتمر· فهي الدولة الأكثر استهلاكاً للوقود الأحفوري (النفط بشكل خاص) وهي الدولة الأكثر تطوراً اقتصادياً ناهيك عن مكانتها السياسية والعسكرية كقطب وحيد يقود العالم· لهذا فإن عدم حضور الرئيس الأمريكي قد أعطى انطباعاً سلبيا بأن موضوع القمة الذي يعد شأناً دوليا وعالمياً ليس ضمن أولوليات الإدارة الأمريكية· بل إن الكثيرين يخشون انعكاس موقف أمريكا من الموضوعات المطروحة على بساط البحث على قرارات القمة والتي حتماً سيكون على الدول الصناعية الالتزام بها إن أريد لها أن تتحقق·
خشية المراقبين تأتي من تجربة السنوات اللاحقة لقمة ريو دي جانيرو التي ساءت أحوال البيئة خلالها نتيجة لمماطلة الشركات العالمية الكبرى والدول الصناعية في التزامها بتخفيض نسبة الكربون والمواد الضارة بالبيئة وكذلك فشل هذه الدول في تنفيذ ما جاء في قمة كيوتو في اليابان في العام 1997 التي يفترض أنها ألزمت الموقعين عليها بخفض انبعاثات الغازات الضارة بالبيئة بمعدل يزيد عن خمسة في المئة كي تصل الآثار الضارة بالمناخ إلى معدلات “يمكن تحملها”·
يقول خبراء البيئة المشاركون في قمة الأرض إن نصف أنهار العالم تقريباً انخفضت مستوياتها أو إنها ملوثة لدرجة لا يمكن استخدامها للاستهلاك الآدمي· وإن سبعة أنهار أساسية لم تعد تصل مياهها الى البحر، وإن مايقارب 500 بحيرة لم يعد لها وجود في الصين لوحدها· وكما يقرر البنك الدولي فإنه بحلول العام 2025 سيرتفع مجموع الدول التي ستعاني من الأمن المائي من 29 دولة إلى 48 أي ما يعادل مليارا ونصف المليار من سكان العالم تقريباً بعد أن كان الرقم بحدود 436 مليون إنسان العام 1995· وأنه بعد ثلاثين عاماً، إن لم تتخذ إجراءات عاجلة وفورية، سيعاني نصف سكان الكوكب من نقص المياه·
قمة الأرض والتنمية المستدامة بأهدافها وبالمجتمعين في لجانها ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل قديم طويل لا يبدو أنه سينتهي قريباً· فمحور القمة ليس سوى شكل من أشكال الصراع بين الأغنياء والفقراء، أو الشمال والجنوب أو الدول الصناعية والدول النامية، أو دول المركز والأطراف···إلخ· إلا أن الطرف الأضعف هذه المرة يحاول إقناع الأقوى أن الأمر يعني الجميع وأنه إذا استمر الوضع هكذا فالكارثة ستعم الأرض، فهل ياترى سيقتنع من يرى في أسلوب تعامله مع البيئة والفقراء شكلاً من أشكال الحرية الاقتصادية وما ينتج عنه ليس سوى نتيجة طبيعية للتطور الدارويني حيث البقاء للأفضل والأقوى والأقدر على مواجهة الظروف المتغيرة للحياة؟·
القمة تطرح مشكلات محددة هذه المرة لكنها عاجزة حتى الآن عن وضع آليات ملزمة لتنفيذ القرارات التي ستتوصل إليها· مشكلة عدم توافر المياه الصالحة للشرب الآدمي يعاني منها أكثر من مليار إنسان، ويعاني أكثر من مليارين ونصف المليار من البشر عدم وجود مجار للصرف الصحي، ناهيك عمن يموتون جوعاً بسبب الجفاف والأمراض الفتاكة كالإيدز والملاريا والتيفوئيد والسل والكوليرا وغيرها من الأوبئة التي توقع العالم أنها انتهت إلى الأبد· هؤلاء البؤساء في شتى أصقاع الأرض يراد منهم أن يلحقوا بركب العالم المتقدم وإلا فهم من يجب أن يلام على تخلفهم·
يرى بعض المتابعين أن ما يدعو للتشاؤم من نتائج القمة إنما يعود إلى أنها تنعقد بعد أن استكملت، تقريباً، اتفاقية التجارة الدولية التي تفتح بقية دول العالم أمام الشركات عابرة القارات وأمام الدول الكبرى والولايات المتحدة على وجه التحديد· بعبارة أخرى، يرى هؤلاء المراقبون أنه حتى في حال موافقة الدول المجتمعة في جوهانسبرغ على مجموعة من الإجراءات والقرارات فمن يلزم الشركات التي لا جنسية لها وتتعدى قدراتها وإمكاناتها المالية والاقتصادية إمكانات دول بأكملها؟ من سيتمكن من فرض تلك القرارات على هذه الشركات؟ ومن سيعاقبها إن هي لم تطبق وتلتزم بتلك القرارات؟
لهذا يرى هؤلاء المراقبون أن المطلوب ليس موافقة الحكومات فحسب بل وضع آلية توافق عليها الشركات الكبرى وتشترك في تطبيقها منظمات المجتمع المدني والأمم المتحدة وجميع الدول المشاركة وهو أمر أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع الذي يعرفه الجميع·
المتفائلون يقولون إن التنمية المستدامة ممكنة فالدول الفقيرة ليست بحاجة إلى “إعادة اختراع العجل” وإنها ستقفز إلى مصاف الدول المتقدمة إذا ما قررت حرق المراحل والانتقال إلى آخر ما توصلت إلية الدول المتقدمة وإنها حتماً ستستفيد من تجارب تلك الدول ولن تقع في أخطائها التنموية· ويعلق آخرون بالقول إن هذا كلام يصلح للنقاش الأكاديمي لغير العارفين بحال الدول النامية التي تغرق بالديون وتعيش في كثير من الأحوال على المعونات المشروطة والانفتاح الاقتصادي أمام الشركات الكبرى وهي في كثير من الأحيان لا تملك حتى قرارها السياسي المستقل لا في شأنها الداخلي وحتماً ليس في الشؤون الدولية· ناهيك طبعاً عن ما ابتلت به معظم دول العالم الثالث من أنظمة سياسية فاسدة وإدارات تنخر فيها الرشوة والفساد الأمر الذي أحال كثيرا من الآمال والطموحات التنموية منذ فترات الاستقلال الوطني لهذه الدول إلى فشل ذريع ومجال لإثراء الفاسدين على حساب أوطانهم· بوجود هؤلاء لا يمكن لأي شكل من أشكال التنمية المستدامة أو الموقتة أن تتم· ويخشى بعض المراقبين من أن تتولى الدول الكبرى مهمة تغيير الأنظمة في دول العالم الثالث تمهيداً لقيام التنمية المستدامة أو بحجتها على الأقل·