كون هاليمان*
ترجمة أمل البنعلي
دائما ما يمهد الطريق إلى الكارثة في الشرق الأوسط في العام 1095 أدى الهوس الديني للبابا Urban إلى إطلاق الحملات الصليبية· وفي العام 1915، تسببت عجرفة ونستون تشرشل بحمام الدم في Galnpoli في الحرب العالمية الأولى، تأخذ الأوهام منحى قاتلا في تلك البقاع، ومرة أخرى· تكاد الأوهام أن توقع الشرق الأوسط في الكارثة·
وأول هذه الأوهام هي “رؤية” بوش للسلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين· وهي رؤية منسجمة مع عالم الرئيس غير المعقد “حدد الهدف -انطلق” المكون من الطيبين والأشرار·
وبما أن الفلسطينيين هم “الأشرار”، فإن الرسالة واضحة: طور الديمقراطية (ولكن انتخب الأشخاص الذين نوافق عليهم)، ابتدع رأسمالية السوق الحرة، أوقف أي مقاومة لاحتلال ال35 عاما، وتوقف عن خلق المشاكل، إذا نجح الفلسطينيون في كل ذلك وهم يخضعون للاحتلال، عندها ربما يحصلون على دولة “موقتة” ذات حدود “موقتة”- إذا وافقت إسرائيل·
حكومة شارون، على الجانب الآخر· عندها “الطيبون”، ولها أن تستمر ببناء المستوطنات واحتلال المناطق إلى أن ينهي الفلسطينيون المهام المذكورة أعلاه، هل يأخذ أحد هذا الكلام على محمل الجد؟
إن أرييل شارون مهووس بالأوهام لقد خيل إليه دائما بأنه عندما يجمع بين العنف واختيار الرؤساء الذين يستطيع التلاعب بهم سيحصل على ما يريده· واستنادا إلى توني كوردسمان من مركز الدراسات الاستراتيجية، فـإن شارون كان من مؤيدي العملية الإسرائيلية التي حولت الأموال إلى حماس في نهاية السبعينات، كطريقة لضعضعة منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية· ولكنا نعلم إلى ماذا انتهى الأمر·
ثم اجتاح لبنان في العام 1982 للقضاء على “الإرهاب”، وقتل 17.500 لبناني وفلسطيني ونصب بشير الجميل رئيسا، وقد اغتيل الجميل مباشرة، ووجدت إسرائيل نفسها في خضم حرب دامت 18عاما، ومرة أخرى يستخدم شارون القوة في الضفة الغربية وغزة ويحاول اختيار من يقود الفلسطينيين·
ومن آخر أوهام شارون، أن يملأ المناطق المحتلة بالمهاجرين اليهود القادمين من فرنسا، والأرجنتين والولايات المتحدة وروسيا، كي لايرغم على إزالة أي مستوطنة، فاستنادا إلى شارون “نتساريم في غزة هي مثل تل أبيب”· ونتساريم هي مستوطنة صغيرة مكونة من 50 عائلة تقيم في المناطق المحتلة، بينما تل أبيب هي من أكبر المدن الإسرائيلية·
إنه ضرب من الخيال المحض، أن يقوم الملايين من اليهود بالهجرة الى إسرائيل والعيش في الضفة الغربية، وبناء على دراسة قامت بها حركة السلام الآن الإسرائيلية أبدى 60 في المئة من المستوطنين استعدادهم للعودة الى إسرائيل، إذا ما قامت الحكومة الإسرائيلية بإعطائهم الحوافز نفسها التي تعطيهم إياها مقابل سكنهم في الضفة الغربية، وهي: تخفيض ضريبة الدخل، ودعم التعليم، وتقدر حركة السلام الآن بأن عملية “إعادة الانتقال” ستكلف 700 مليون دولار، بينما تكلف عملية دعم المستوطنين واحتلال الضفة الغربية 1.4 مليار سنويا·
وهناك أوهام على الجانب الفلسطيني أيضا، وأكثرها سطوعا، الاعتقاد بأن الانتحاريين سيخرجون الإسرائيليين من الأراضي المحتلة، بينما نجح المفجرون في الواقع في تهيئة الأجواء لشارون وتقوية مناصري الاحتلال في تل أبيب·
هذه الأوهام تدمر حياة كل من الفلسطينيين والإسرائيليين· فالفلسطينيون محتجزون في ما يشبه السجن القومي، باقتصاد مدمر ووفيات بلغت الـ 2000 منذ شهر سبتمبر عام 2000، وربما لا يعيش الإسرائيليون في سجن إلا أن عبء الإمبراطورية قد أنضب خزينتهم، وأدى الى انخفاض كبير في الخدمات الاجتماعية، والى تصاعد نسبة التضخم ونسبة العاطلين عن العمل، ووفاة أكثر من 550 شخصا·
إلا أنه، وفي بعض الأحيان يخلق الوهم وضوحا· فبينما يميل الأمريكيون الى التفكير بإسرائيل على أنها شارون والفلسطينيون على أنهم المفجرون الانتحاريون، يبدو الواقع أكثر تعقيدا· لقد استدعى شارون الاحتياط، لكن عليه أن يستمر دون الـ 466 من الاحتياط الذين يرفضون الخدمة في المناطق المحتلة، وتوعدت حماس بدورة جديدة من المفجرين الانتحاريين، ولكن سيكون عليها تنفيذ ذلك في مقابل نداء وجهه 55 من القادة الفلسطينيين دعوا فيه الى وقف التفجيرات في إسرائيل·
هناك أناس ذوو نوايا حسنة في كلا الجانبين، لم يعم بصيرتهم الوهم القائل إن العنف قادر على حل كل شيء، حاليا هم على الهامش، إلا أن أعدادهم أكثر مما كانت عليه في الشهر الماضي، وستزداد أعدادهم أكثر في الشهر المقبل· وتتزايد أعدادهم لأن “رؤيتهم” هي السبيل الوحيد للتخلص من الوهم·
*عميد في جامعة كاليفورنيا - سانتاكروز ومحلل سياسي لـ Foreign Poticy in Focus·