رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2-8 جمادى الآخر 1423هــ الموافق 10-16 أغسطس 2002
العدد 1539

حرب قاسية وراء غمامة القنابل الدخانية في الصحافة
واشنطن تضبط التسديد على صدام·· ولعبة المفتشين لن تسمح له بالفرار

تقول الأسطورة إن السيف الذي كان مصلتاً فوق رأس ديموقليطس كان معلقاً بشعرة حصان واحدة·

غير أن ماهو معلّق فوق رأس صدام هو أقل خطراً، فهو الرجل الذي أعلنت عليه القوة الرئيسية في العالم الحرب· وفي الواقع فإن “الفتوى” التي أصدرها جورج بوش بحقه شخصية، فالغاية المعلنة لجورج بوش هي تجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل، لكنها تشمل أيضاً تغيير النظام في بغداد، ولو كان صدام حسين شركة مساهمة لكان عليك أن تبيع أسهمك فيه·

لكنها مجابهة تجري بأبطأ وتيرة، فقد كشف بوش نواياه، لكن لا وسائله ولا التوقيت· ولم تظهر بوادر تدل علي حملة عسكرية أمريكية تتخذ مواقعها على حدود العراق، فالرئيس بوش لم يفعل الكثير لتحضير الرأي العام الأمريكي، ناهيك عن الرأي العام العالمي من أجل حرب كبيرة جديدة· وكل هذا يوحي أن مثل هذه الحرب بعيدة، وربما في وقت من سنة 2003 في فترة تسبق بصورة ملائمة الانتخابات الرئاسية في أمريكا عام 2004، وهذا تخمين معقول·

 

المفاجأة غير مستبعدة

التكهن هو كل ما يمكن الآن، فإذا كان غير مرجّح، فإن هجوماً مفاجئاً أو محاولة انقلاب من دون أي تعبئة دبلوماسية على الإطلاق لا يمكن استبعاد واحد منهما·

فالولايات المتحدة تنشر دوماً أكثر من 50 ألف جندي على مسافة الرمي من العراق، وهذه الوحدات يمكن تعزيزها سرّاً أو إعادة “تركيزها” من دون لفت كثير من الانتباه· وفي هذا تكمن الجاذبية المحتملة لهجوم مفاجئ يشارك فيه على سبيل المثال 50 ألف جندي غربي مسلحين جيداً يمكن نشرهم انطلاقاً من المعاقل الموجودة “وحاملات الطائرات” في حين يستمدون الدعم المادي الأساسي من الإمدادات المخزنة أصلاً في الكويت وقطر·

في الأسابيع الماضية، كانت التسريبات المحسوبة المختلطة ربما عن قصد بالمعلومات المزيَّفة تحدث حمًّى من التكهنات· لكنها كلها أظهرت حقاً أن المخططين العسكريين في واشنطن ولندن درسوا فعلاً ستة أنماط خطط على الأقل لإطاحة صدام حسين·

إحدى الخطط، التي ناقشتها الصحافة الأمريكية قبل شهر، تقضي بهجوم منسَّق ثلاث جبهات، الشمال والجنوب والغرب بمشاركة 250 ألف جندي أمريكي وقوات بريطانية، ويقال إن خطة أخرى تشمل مشاركة عناصر محلية من النظام العراقي تتحمل ثقل مهمة القتال مدعومة بحملة جوية أمريكية كثيفة وببضعة آلاف فقط من القوات الحليفة - معظمها قوات خاصة - على الأرض· وفي خطة أخرى أيضاً، يركز هجوم أمريكي أولاً على بغداد ومراكز القيادة الأخرى في محاولة لقطع رأس النظام والحؤول دون انتقاله إلى الهجوم المضاد بالأسلحة غير التقليدية·

تكهنات رائعة· لكن الواقع الرسمي هو أن شيئاً لم يتقرّر بعد والواقع الرسمي قد يكون حقيقياً· ففي تركيا، لخّص نائب وزير الدفاع الأمريكي بول وولفوفيتش الأمور بهذه الطريقة· والرئيس بوش يعتقد أن نظاماً مثل نظام العراق، معادياً لأمريكا ويساند الإرهاب، ومصمماً على زيادة أسلحته غير التقليدية، ليس خطراً يمكن لأمريكا احتماله أو التعايش معه إلى مالا نهاية·

وقد قال وولفوفيتش: “إن حل هذه المشكلة يتضمن نطاقاً واسعاً من القرارات التي لا يستطيع أحد غير الرئيس اتخاذها، وهو لم يتخذها بعد”·

ربماَّ· لكن صدام ليس مراقباً كسولاً لعملية اتخاذ القرار والاستعدادت في أمريكا، وإمكانية شن هجوم أمريكي الآن تطبع كل شيء يفعله في الداخل والخارج·

 

استرضاء الجيش

في الداخل، أخذ صدام يعزز موقعه بوساطة مكافأة أنصاره وإخضاع بقية العراق· وعلى الرغم من أن عائدات العراق من تهريب النفط تقلصت، فإن رواتب العسكريين ارتفعت وأعطي الضباط سيارات جديدة، وبالنسبة إلى السياسة الخارجية، لابدّ لصدام حسين أن يعرف أنه لايمكنه الانتصار حالما تشن الولايات المتحدة هجوماً شاملاً عليه، وغايته الرئيسية في الدبلوماسية هي بناء على ذلك لعب بالوقت أملاً في أن يحدث حدث خارجي يجعل المشروع كله نظرياً·

هذا ليس أملا عقيماً، ذلك أن بقاء صدام حسين حتى الآن يرجع في كثير منه إلى حقيقة مفادها أنه في حين تكون النجاة هي الشيء الوحيد الذي يهمه، فإن إزالته هي واحد من أشياء كثيرة يهتم بها أعداؤه، والأحداث المعرقلة تعودنا أن تأتي دائماً، وأحدها هو الانتفاضة الفلسطينية التي ألهبت عواطف المسلمين ضد الحماة الأمريكيين لإسرائيل وقلّصت حرية المناورة لدى الدولة العظمى· وفي داخل الولايات المتحدة، يبدو أن ممارسات الشركات الكبرى أدت إلى تغيير جدول الأعمال السياسي وإلى تصعيب أن يفوز بوش بالمساندة في مغامرة خارجية جديدة محفوفة بالمخاطر·

إن صدام حسين هو معلّم في انتهاز هذه الفرص·

فعلى نحو ما فعل عقب غزوه دولة الكويت عام 1990، فقد حسن مظهره الآن باعتباره بطل الفلسطينيين، فالعراق يدفع الآن 25 ألف دولار لعائلة كل انتحاري فلسطيني و 10 آلاف دولار للمصابين الآخرين في الانتفاضة·

لقد أنشأ صدام قوة خاصة، هي جيش القدس، لتحرير القدس، وهو يقول دائماً إن هذه القوة ستزحف نحو المدنية المقدسة حالما يفتح واحد من البلدان العربية حدوده لها·

ومثل هذه الشعارات القديمة يؤثر كثيراً في الشارع العربي، حيث يلقى صدام إعجاباً لوقفته أمام أمريكا والصهيونية· أما الدول العربية فإن الخوف من الرأي العام فيها يزيد ابتعادها عن التعاون علانية مع أي هجوم أمريكي، فحتى العاهل الأردني الملك عبد الله، شعر بالحاجة إلى أن يقول في لندن وواشنطن هذا الأسبوع (الماضي) إن حرباً على العراق يمكن أن تغرق المنطقة في الفوضى، ومعظم شعب الأردن فلسطينيون·

 

ترميم العلاقات مع الجيران

غير أن جاذبية صدام حسين لا تقفز فوق رؤوس حكام الدول العربية الأخرى، فقد عمل في الآونة الأخيرة على إصلاح العلاقات العامة مع الحكام أنفسهم·

ففي عام 1990، ردّ الرئيس جورج بوش (الأب) على غزو صدام لدولة الكويت بأن أنشأ بطريقة منهجية تحالفاً إقليمياً ضد العراق، وصدام حسين يعمل الآن على إحباط جهود الرئيس جورج بوش (الابن) للقيام بالغرض نفسه·

وقد حققت نجاحاً بارزاً مع سوريا، ففي عام 1991، انضم الرئيس السوري (الراحل) حافظ الأسد إلى التحالف العسكري بقيادة أمريكا ضد العراق، لكن خلافاً لأبيه، لايجد رئيس سوريا حالياً بشار الأسد نفسه مثقلاً بالعداوة التي خلفها الانشقاق التاريخي في حزب البعث، بين جناحيه السوري والعراقي، وقد أحدث تغييراً جارفاً في العلاقات مع العراق·

سوريا تجني مكاسب عظيمة من تهريب النفط العراقي بطريق الشاحنات وعبر الأنابيب معاً· والحدود بين البلدين مفتوحة للتجارة، والعراق كان حريصاً على توجيه كثير من مشروعات الحكومة نحو سوريا، وفي المقابل، قيدت سوريا كثيراً أنشطة الجماعات العراقية المعارضة المقيمة في دمشق، واستناداً إلى تقرير أخير لصحيفة إسرائيلية، فتحت سوريا أراضيها لعبور شحنات الأسلحة إلى العراق·

في معظم الثمانينات، كان العراق في حال حرب، مع إيران، لكن العلاقات مع العدو التقليدي طرأت عليها علامات تحسن· فقد منع صدام حسين أنشطة جماعة “مجاهدي خلق” وهي جيش إيراني منشق يتحرش بالنظام في طهران، ثم انتقل نحو تصفية القضايا البارزة مثل مصير أسرى الحرب الباقية من أيام الحرب بين البلدين·

يصعب تصوّر إعجاب الإيرانيين بصدام حسين، وإحدى الجماعات العراقية المعارضة الرئيسية، وهي المجلس الأعلى للثورة الإيرانية، المقيمة في طهران، ربما تشارك الأسبوع المقبل في اجتماعات للجماعات المعارضة في واشنطن بدعوة من الحكومة الأمريكية· وإيران لن تفكر في مساندة العراق، لكن باعتبار أنه زميل لها في ما يسميه جورج بوش “محور الشر”، فليس لها أي مصلحة في أن ترى زميليها العراق وكوريا الشمالية، يؤخذان كلاَّ على انفراد·

وحتى المملكة العربية السعودية، وهي واحد من أقرب حلفاء الولايات المتحدة، فقد نزلت قليلاً عند غزل صدام، أو على الأقل عند الإغراءات التجارية المصاحبة له· وكان فتح منفذ عرعر الحدودي بين البلدين في الآونة الأخيرة سبباً لزيادة متوقعة للتجارة بين البلدين التي تجري حتى الآن عبر الأردن، والعراقيون يحاولون إقناع السعوديين بتوقيع اتفاق للتجارة الحرة مثل الذي وقعه العراق مع دول عربية أخرى· والعراق اعترف بدولة الكويت التي كان يزعم أنها محافظته التاسعة عشرة، وبدأ بإجراءات إعادة الأرشيف الوطني (الكويتي) الذي استولى عليه خلال احتلال عام 1990·

أهمية هذه المناورات لا ينبغي المبالغة فيها· فعند مستوى معين، ينبغي الموازنة بين محاولات صدام لكسب الأصدقاء والتأثير في الناس الذين خاض الحروب ضدهم، وبين الثقل السياسي والاقتصادي الذي يمكن أن يحوزه الرئيس جورج بوش عندما يحين الوقت· وفي هذا النزاع غير المتكافئ، كما في النزاع العسكري، يكون الفوز من نصيب القوة العظمى· لكن صدام لا يتمتع بأفضلية واحدة فقط· ذلك أن رغبته في صد الأمريكيين تتفق مع الرأي العام العربي الأوسع· فرغبة أمريكا في إزاحته تؤدي الى غير ما تشتهي·

هناك حقيقة لا شك فيها، كما يقول الأمريكيون، أن القادة العرب يقسون على صدام حسين سرا أكثر مما يجرؤون علانية· غير أن حذرهم الرسمي يمكن أن يتحدث بلا نهاية· ففي عام 1990، كانوا يخشون مما يمكن أن يفعله صدام حسين ثانية لو تركوه يبتلع الكويت· وهذه المرة، يبدو أشد خوفا من ردة الفعل المحتملة المعادية للأمريكيين في شوارعهم· وقد كانت معارضتهم لحرب جديدة واضحة ولا لبس فيها في قمة بيروت في مارس الماضي·

 

العرب مستاؤون

هل يمكن تغيير قناعة العرب؟ إن فحوى إحدى الرسائل التي تلقاها الأمريكيون بصوت عال وبوضوح يقول إن ردة الفعل يمكن أن تكون مختلفة لو كانت الهجمة الأمريكية مسبوقة بتدخل أمريكي لمصلحة العرب في النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي·

في مقابل ذلك، كانت خطبة بوش بشأن السياسة الخاصة بفلسطين في يونيو الماضي نقيضة لذلك· فقد دعا الى قيام دولة فلسطينية· لكن بالدعوة أيضا الى إزاحة ياسر عرفات، وإعطاء الحكومة الإسرائيلية موافقة ضمنية على إعادة احتلال الضفة الغربية كلها، انحاز جورج بوش تماما الى أرييل شارون المكروه كثيرا في العالم العربي· لكن يبقى من غير المستحيل (أن تغير الولايات المتحدة موقفها) حالما تنتهي الانتخابات النصفية للكونغرس في نوفمبر، وهكذا ينعطف جورج بوش الى الناحية الأخرى، أي بعقد مؤتمر دولي حول الشرق الأوسط·

 

الاعتبارات الدولية

أحد الأصوات التي تحض جورج بوش على السير في هذا الاتجاه هو رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير· فخلافا لمعظم القادة الأوروبيين، يبدو رئيس وزراء بريطانيا خائفا بقدر خوف بوش من متاعب عراق نووي·

وبريطانيا ستنحاز حتما تقريبا الى القتال بجانب أمريكا· لكن بلير يقول لحزبه “العمال” دائما إن أي قرار لم يتخذ بعد، فقبل اتخاذه، يبدو مصمما على الضغط من أجل خطوات سياسية لتحضير العالم والعرب لا الرأي العام البريطاني وحده·

من غير المرجح أن يتضمن هذا طلب موافقة مجلس الأمن الدولي· فعلى الرغم من اعتبار الرئيس الفرنسي جاك شيراك والمستشار الألماني غيرهارد شرودر هذه الخطوة جوهرية، يصر البريطانيون والأمريكيون على أن انتهاك العراق لشروط وقف النار المصادق عليه من الأمم المتحدة عام 1991 يعطي هؤلاء السلطة المطلوبة للعمل العسكري· ومن جهة أخرى، يريد بلير إعطاء صدام حسين فرصة أخيرة لتلافي الحرب بالسماح للمفتشين الدوليين بالعودة بعدما طردوا عام 1998·

 

لعبة “المفتشين”

هل يبدو ذلك معقولا؟ ليس أكيدا أن بوش يفكر بهذه الطريقة· ذلك أن وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد قال إنه بعد أربع سنوات تحرر فيها العراق من المراقبة، كان هناك متسع من الوقت لصدام حتى يخفي أسلحة التدمير الشامل حيث لا يستطيع أن يجدها حتى أكثر المفتشين نباهة· وفوق ذلك، ليست الغاية المعلنة لجورج بوش هي إرجاع المفتشين الى العراق، إنما إطاحة صدام أيضا، فآخر ما يرغب فيه أشد الصقور شراسة في الإدارة الأمريكية، هو أن يساعد الدكتاتور على الفرار بقبول عودة المفتشين·

وحتى لو لم يعط فرصة أخيرة للسماح للمفتشين بالعودة، فإن هذه القضية تمثل فرصة أخرى لصدام حتى يلعب من أجل الوقت· فمنذ مارس، التقى المسؤولون العراقيون كوفي عنان وهيئة التفتيش ثلاث مرات لمناقشة عودة المفتشين· والاجتماع الأخير لم يجر بصورة جيدة· وهذا يعني أن العراق قد لا يسمح أبدا للمفتشين بالعودة· والأكثر ترجيحا أن صدام سيبدي استعدادا أكثر للتعاون فقط عندما يرى الهجوم وشيكا·

وعند هذه النقطة، سيأمل صدام بتأخير آخر في حين يكون أعضاء مجلس الأمن يتجادلون بشأن شروطه· وربما يلجأ صدام الى إجراء “أقصى” بأن يعرض التنحي ويسلم الرئاسة الى ابنه الأصغر قصي·

 

هل سيقاتلون؟

ماذا لو وصلت الأمور الى الحرب على الرغم من مناورات صدام؟ على الورق، ما زال العراق يملك واحدا من أقوى الجيوش في الشرق الأوسط، فقد قاتل بعناد ثماني سنين ضد الإيرانيين، والجيش النظامي يضم 17 فرقة تملك آلاف الدبابات وقوات “النخبة” أي الحرس الجمهوري تنشر ست فرق بينها ثلاث مدرعة· لكن العراق لا يملك قوات جوية ذات مغزى، أما عدد الرجال والدبابات فيقرب من المبالغة نظرا الى نقص قطع الغيار والمعدات التي كانت أصلا قديمة جدا عندما غزا الكويت عام 1990·

عندما بدأت القوات البرية بقيادة الأمريكيين تتقدم في ذلك الوقت لطرد العراقيين، لم يظهر الجنود العراقيون الذين أنهكهم القصف والجوع لعدة أسابيع مقاومة إلا في ما ندر· ومذ ذاك، اتسعت الفجوة التكنولوجية· وفي نهاية ديسمبر، أمر صدام بعض قواته بالتحرك غربا لإظهار التضامن مع الفلسطينيين· وقد نجح أساسا في عرض الأوضاع البائسة لقواته، ذلك أنها قضت ثلاثة أسابيع حتى تنشر فرقة واحدة·

وحتى لو اختار القتال، لن يشكل الجيش العراقي على الأرجح عقبة ضد قوة أمريكية غازية· وفي أي صراع مباشر بين قوتين تقليديتين، ينبغي تكوين قوة أمريكية صغيرة قادرة على تحطيم الجيش العراقي بسرعة، وربما في بضعة أسابيع، وربما تستطيع قوة من 100 ألف جندي من الحرس الجمهوري وقوات النخبة أن تصمد وأن تقاتل، بدلا من أن تهرب أو أن تلوذ بالفرار، لكنها ستعرض نفسها لهجمات جوية مدمرة·

فوق ذلك، قد يختار كثير من العراقيين أن لا يقاتلوا· وقد يكون الجندي العادي أشد شراسة في الدفاع عن أرضه منه في الدفاع عن موقعه في الكويت· لكن هل يبذل نفسه لمنع الهزيمة المؤكدة لدكتاتور ميؤوس منه؟ وحتى الحرس الجمهوري الذي لا يشك أحد في ولائه الآن يعرف ما حدث في أفغانستان، وربما يتضعضع إذا عرف أن الأمريكيين مصممون على إطاحة صدام·

والمقاومة الأقوى ستصدر من المتورطين في القمع الداخلي مثل الحرس الجمهوري “الخاص” الذي يقوده قصي، ومن قوة أخرى معروفة باسم “فدائيي صدام” التي يخشى أفرادها على حياتهم عند تصفية الحسابات في ما بعد·

إن التركيز على المعنويات المنخفضة للجيش العراقي مريح· لكنه بقدر معين يجانب الحقيقة قليلا· فالخطر الأكبر هو أن لا تصاب الولايات المتحدة بالهزيمة في معركة تقليدية، ولا أن تتورط في حرب مثل حرب فيتنام· فقد يلجأ صدام عندما يدرك أن ليس لديه ما يخسره الى الضرب بأسلحة التدمير الشامل·

على رغم حصوله عليها، لم يستعملها صدام في حرب تحرير دولة الكويت لأنه فكر بصورة صحيحة أنه قد يخسر الحرب لكنه يبقى في السلطة· لكن في حرب العراق وإيران، لم يتردد صدام في استعمال هذه الأسلحة حالما عبر الإيرانيون الحدود· وإذا استعملها مرة أخرى ضد القوات الأمريكية فماذا يمكن أن يفعل الأمريكيون؟ وكما حصل في عام 1991، قد يضرب إسرائيل أيضا، وقد يضع هذه المرة رؤوسا كيميائية أو بيولوجية على صواريخ “سكود” أو يلجأ الى تهريب “قنبلة قذرة” عبر الحدود·

 

وماذا بعد؟

في حرب غايتها تغيير نظام، ينبغي على الولايات المتحدة أن لا تخطط لتحقيق النصر العسكري وحده· إنما للنظام الذي سيعقب الحرب· ذلك أن جيران العراق يخافون أنه من دون قبضة صدام الحديدية يمكن أن يتفكك العراق الى دويلات كردية وشيعية وسنية· وهذا احتمال قائم· ذلك أن صدام سحق المعارضة الداخلية، والخارجية منقسمة·

منذ فترة، يستضيف الأمريكيون اجتماعات ومؤتمرات المعارضة لرسم مستقبل العراق· وقد دعيت الجماعات المتنازعة الى اجتماع مشترك لهيئات عدة أمريكية الأسبوع المقبل في واشنطن غايته تسوية بعض الخلافات التي فصلت الأكراد عن المؤتمر الوطني العراقي والمؤتمر عن حركة الوفاق، هذه الحركة التي تقف وراء محاولات انقلاب فاشلة عدة·

من جهتها، تقول فصائل المعارضة إن إدارة بوش نفسها تعاني كثيرا من النزاعات الداخلية، وفي هذا يقال إن وزارة الخارجية تتبع نهجا أكثر واقعية عن عراق ما بعد الحرب، وتتطلع الى إطاحة الدكتاتور، لكن بإحلال قيادة استبدادية تقليدية من النوع الموجود في الدول العربية· ويقال إن وزارة الفاع تتطلع الى شيء أعظم هو إقامة ديمقراطية غربية الطراز حتى تكون نموذجا يحتذى في العالم العربي·

يصعب القول أي نتيجة التفكك - أو الدولة الديمقراطية الحقيقية - تخيف جيران العراق أكثر· لكن التفكك هو الذي يتحدثون عنه أكثر· وأحد أسباب توقع بقاء العراق موحدا هو أن معظم جيرانه يريدونه موحدا· ذلك أن تركيا وسوريا وإيران تخاف سابقة نشوء كردستان مستقلة· والمملكة العربية السعودية لن تقبل لأسباب مشابهة أن ينضم شيعة العراق الى إيران·

فوق ذلك، إذا كان الأمريكيون هم من يطيح صدام، يمكن إذن أن يبقوا في العراق فترة حتى يحافظوا على وحدته على نحو ما فعلوا ببعض النجاح في أفغانستان· وفي العراق، خلافا لأفغانستان، ستكون المصالحة مسهلة بمدفوعات البترودولار، لكن أولا ينبغي أن يرحل صدام·

(الإيكونوميست)

طباعة  

جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي
 
تجاوز الأمر حد الغرابة
 
الوهم القاتل