رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 2-8 جمادى الآخر 1423هــ الموافق 10-16 أغسطس 2002
العدد 1539

“فهد جمال” يصوّر واقعا عراقيا معاشا
نظام بغداد يلف جسد الرافدين بـ “عباءات محترقة”

بقلم: حميد الأمين

إنها رحلة الحزن لملايين الأمهات العراقيات، فقد رسم “فهد جمال” مجموعة الكوارث والأحزان التي تنصب على أم عراقية، قفزت هكذا الى أم لم تتمتع بفترة فتوة أو أفراح عرس إنما وضعتها الأقدار المتسارعة على رأس الأسرة وأوكلت إليها كل المسؤولية في بلد يعجز أعتى الرجال عن القيام بواجباته فيه· كان “فهد جمال” هو الرواية ونحن الشهود، يرويها في أروقة التاريخ الذي تخلت معجزاته عن هذا البلد وتركته للأحزان، يخرج من مصيبة ليقع بأسوأ منها· إن الذي جفف دموعنا المنهمرة على مصير هذه العائلة التي هي ليست قطعا استثناء إنما هي كل عائلة اعتيادية في العراق تعرضت لمثل هذا المصير· هي التعابير التي صيغت بمقاطع شعرية تجعلنا نوقف ذاكرتنا قليلا عن كارثة هذه العائلة لنتمتع بشيء من العزف الجميل، لكننا سرعان ما ندرك أن هذا ليس مراثا صبغ بنبرة المواكب الحسينية التي تحمل جمال الخشوع والرهبة والاستشهاد، لكننا نعلم أن الاستشهاد ليس واردا في كل هذا العبث والموت المجاني·· الموت المقصود، موت أطفال القطة التي تأكلهم ليس بسبب خوفها عليهم إنما لحقدها عليهم ذلك الذي لم تبتدع الطبيعة شكلا قاسيا مثله·

لقد ضاعت ثورة 14 تموز ومعها ضاعت كل الآمال، لا بل إن الآمال انتقلت الى أحقاد ليس للرأي الآخر مكان حتى في نفوس أصحابه· إن رسم صورة الفتى حسين الذي أجبره قتلة والده ليكون ضمن تنظيم في جيش الطلائع المدرسي وإلا طرد من دراسته ولوحق في حياته، أثارت هذه اللوحة من بن “جاليري” فهد جمال أعمق الحزن في نفسي وربما في نفس القارئ تضاف الى اللوحات الأخرى التي قام فهد جمال بتوزيعها في الشوارع والحواري وعلى طريق بغداد - عمان ثم أطر بعضها ورفعها في الساحة الهاشمية تلك الساحة التي تحوي جميع أنواع طيف الناس من اللصوص الى القوادين الى رجال الشرطة الى نساء عديمات الحيلة ينشدن توفير اللقمة وإرسالها الى عائلاتهن، أضاف الى مصائب الأم أنها لم تستطع أن تحول دون أن يصبح ولدها الأصغر “سعد” شقيا وهي التي أرادت أن تفي بعهدها لوالدهم الراحل أن تجعل عيالها يسيرون على دربه، ولكن أي درب مستقبحة تبقت بعد أن حل الطوفان الذي يغرق الأرض عاما ويجدبها عاما آخر، أما أنبتها تلك الدرة المغروسة في باطن الأرض بحثت عنها أيادي منظمة اتحاد النساء التي لم تمارس عملها كمنظمة مهنية نقابية ترفع من شأن المرأة وتدافع عن حقوقها إنما قامت بتشويه حياة هذه البنت الغضة وأسلمتها الى وحوش السلطة يستبيحون عفتها، حين رفعت الأم صوتها مستنكرة أعلموها أن الاتهام جاهز·· هي الأم من باعت شرف ابنتها·

كيف يمكن لأم شقت عمرها لكي يبقى عيالها أحياء·· أم تؤمن بأن اليتامى الفقراء يجب أن تتركهم الدنيا آمنين مع فقرهم، أي محافظين على مبادئهم بسبب أن الدنيا سلبت منهم الكثير·· كيف لها أن ترى أن مصير عيالها الثلاثة ذهب بعيدا·· بعيدا جدا عما تريد·· عما أراد لهم والدهم الراحل· لم تكن دروب الحياة غير خطوط رملية تخط مساراتها الرياح وفي العواصف تنمحي كل الدروب فيضيع على الإنسان دربه· هكذا بدأت عندنا العاصفة ولم تهدأ، بل إن الرياح تشتد في كل يوم، ولعل الرياح القريبة المقبلة تساوي مثيلاتها التي هبت على قوم “عاد”مع فارق أننا من المؤمنين فيما أن الرياح العاتية تجمع الجاحدين والمؤمنين في أتون غضبها·

إن هذه الأم شبه الأمية آثرت الصمت القاهر بينما تعرض معارض سياسي ووزير سابق “لم تُضمن هذه الحكاية في رواية فهد جمال” وهو داخل زنزانته رفض الرضوخ لهم الى محنة اغتصاب ابنته أمامه ثم اقتادوا ابنه وأطلقوا عليه الرصاص أمامه أيضا، وفي اليوم التالي جلبوا له جريدة البلاد الرسمية وكذلك كل الصحف الأخرى وقد نشروا فيها أن ابنته كانت وما زالت سيئة السمعة وقد فاجأهم أخوها هي وعشيقها في وضع مشين فما كان من العشيق إلا أن أطلق النار على أخيها وهرب الى جهة مجهولة·

عادت بعدها عجلت الزمن القاسية لتسحق تحتها عظام أولادها وأهلها بصرير الفقر القاسي ثم أوسعت لهم مكانا ضيقا بين عجلاتها برهة قصيرة من الزمن التأم فيه شمل الأسرة مع ما تبقى من الأحياء الى أن أخذهم الموت الفاجع جميعا مخلفا الأم مع أصغر الأولاد، وهذا دلالة والتفاتة رائعة من الكاتب فهد جمال، إذ أبقى الأم كرمز للأرض الحية وأصغر الأولاد للجيل المقبل الجديد الذي سوف يبني ويعمر هذه الأرض ليضع أسسا جديدة للحياة·

كم تمنيت لو أن “فهد جمال” قام بمعالجة الأحداث التاريخية المعروفة بطريقة أكثر فنية وبأسلوب مغاير·· لا أدري لماذا كنت أحس وأنا أقرأ الرواية بأن الكاتب كان يكلمني بصوته وليس بقلمه· كنت قد أكملت الفصل الأول وقليلا من الفصل الثاني عندما صادفت الصديق “سليم الشيخلي” الذي قرأ هذه الرواية قبلي، كان رأيه فيها أنها رواية تسجيلية·· عارضته آنذاك فقد كنت مأخوذا بأحداثها الدرامية وتعابيرها الشعرية لكن بعد إكمالها اتفقت معه جزئيا· فعندما عادت الأم من عمان الى بغداد أصبحت الرواية تسجيلية وفقدت بعض بريقها، كان نصفها الأول غير تسجيلي إطلاقا، فقد كان يحوي كل الأحاسيس الداخلية للإنسان إلا أنها عادت في نصفها الثاني لتصبح تسجيلية رغم أن النصفين هما مكون لشيء واحد ليس فيه اختلاف في الظاهر·

قد يتساءل بعض القراء الذين ليسوا على اطلاع تام في الشأن العراقي: أيعقل أن تصيب كل هذه المصائب عائلة واحدة؟! إن ما قام به فهد جمال ليس أبدا من صنع الخيال، إنما الواقع الأشد غرابة من الخيال، فلم تقم السلطة الغاشمة وحدها بهذا الكم من المآسي إنما ساعدتها الأقدار على عدم الانصاف·

طباعة  

إصدارات
 
وتد
 
المرصد الثقافي
 
شعر