بقلم:عزمي بشارة*
الثقافة السياسة الفلسطينية السائدة هي في حال انحطاط غير مسبوق، وأهم مظاهرها غياب حركة تحرير وطني حتى شكليا، وغياب تراتبية واضحة في سلسلة القيادة في سلطة فلسطينية تخضع لحصار الاحتلال الإسرائيلي· وقد عملت إسرائيل منهجيا وباستمرار على جعل السلطة الفلسطينية تسقط مثل ثمرة ناضجة أو ملغومة حتى من دون أن تضطر الى طرد رموز السلطة الفلسطينية أو قتلهم·
لكن إسرائيل لم تتخل عن الحاجة الى سلطة فلسطينية من نوع معين· فعلى النقيض، إنها تحتاج الى مثل هذه السلطة من أجل التفاوض على حل دائم أو موقت أو على الأقل التفاوض على المفهوم الإسرائيلي للحل·
وهكذا تريد إسرائيل بنية فلسطينية تعمل معها، ولو أنها أرادت الفوضى لكانت عملت بطريقة مختلفة كليا·
والتوغل الإسرائيلي الأخير كانت له غايات سياسية محددة تتصل بالبيان الأخير للرئيس جورج بوش بشأن سياسته الشرق أوسطية، والأهم من ذلك هو أن التفسير الإسرائيلي أهم من البيان بحد ذاته·
فكرة شارون عن التسوية تقوم على التوجه بوضوح نحو قضايا الحل النهائي المحددة في أوسلو· غير أن شارون يعرف أنه لا يستطيع الاستعاضة عن ذلك بصيغة منه يفرضها على الفلسطينيين والعرب بدلا من حل أوسلو· وهذا الحل، وفق اعتقاد شارون، لا يمكن تحقيقه وهو (أي شارون) على قيد الحياة، وبناء على ذلك فهو يقترح مرحلة انتقالية طويلة الأمد أطول من مرحلة السنوات الثلاث الواردة في بيان بوش، وبعدها يمكن بدء المفاوضات بشأن حل دائم مع قيادة فلسطينية جديدة تكون مصبوبة في قالب “الدولة المناسبة والرجل المناسب في الوقت المناسب”· وهذه القيادة تكون قد أقلمت نفسها مع فكرة الدولة الفلسطينية الموقتة على 40 في المئة من الضفة الغربية من دون تفكيك حتى مستوطنة إسرائيلية واحدة·
من يستطيع أن يفرض مثل هذه الدولة؟ أو بدقة أكبر من يرفض قيادة دولة من هذا النوع تلقى مباركة واشنطن؟ بالنسبة الى الذين أصابت الهزيمة نفوسهم ليس حجم الدولة هو المهم، إنما المعيار الأمريكي· وبناء على ذلك، لا بد لقيادة هذه الدولة أن تكون لها واقعية شارون، وأن تكيف نفسها مع حجم وطبيعة الدولة المحددين للفلسطينيين·
وفي غياب القوى الرادعة وحركة تحرر وطني قوية، سيضمن الحصار الإسرائيلي الحالي للسلطة الفلسطينية بقيادة عرفات أن تذوي السلطة الفلسطينية تحت سياط “الواقعيين” الذين يصبون التهكم على كل من يتحدث عن الوضعية الأخلاقية للموقف وعن الأخلاقيات وعن أي مبدأ يعتبرونه ساذجا· وهؤلاء الواقعيون نجحوا في المتاجرة الخسيسة بكل شيء، ويهزؤون من كل شيء ما عدا البراغماتية التي تعني في هذه المرحلة الخضوع لقانون واحد يمكن تلخيصه بـ “وافق على كل ما تقوله واشنطن”·
الجانب الأكثر جوهرية للأزمة الأخلاقية في السياسات الفلسطينية هو أن مسرح النضال والمقاومة الوطنيين التحرريين تركا مفتوحين لأولئك الذين خسروا، مع إقفال جميع فرص الأمل، الإحساس بمعنى الحياة وصاروا يبحثون عن معنى الموت· والوجه الأكثر وضوحا لغياب البوصلة الأخلاقية، كما غياب مشروع وطني واستراتيجية للمقاومة، هو أن الشبان يذهبون لتفجير أنفسهم بدلا من العيش والتمتع بالحياة من أجل أن يدفّعوا إسرائيل الثمن بغض النظر عن العواقب السياسية·
الوجه الآخر للانحطاط الفلسطيني هو شكل الصراع على السلطة الدائرة حاليا في ظل الاحتلال، والطريقة المتكلفة التي يتحدث بها الناس عن احتلال مناصب في الدولة الفلسطينية الموقتة المصنوعة من خيال شارون والمتبناة من بوش·
وهكذا، ففي حين يتصارع هؤلاء على المناصب بدلا من أن يقاوموا الاحتلال، وإبداء النصح لواشنطن المتحمسة دائما لإجراء مشاورات بشأن أكثر أساليب “الإصلاح” فائدة، فإن آخرين يفجرون أنفسهم تعبيرا عن الغضب كما لم يحدث إلا نادرا في التاريخ·
في مثل هذه الظروف، ليس كافيا توقيع التماسات ضد هذه العمليات الانتحارية عندما يكون البديل الوحيد المتوافر للفلسطينيين هو الترحيب بمقترحات بوش والمشاركة في “إصلاحات” لن يجني ثمارها غير أشخاص هم أبعد الناس عن الإصلاح·
وقد بلغت الأمور حدا أن شخصا كان يدين أناسا داخل محيط عرفات لإبدائهم آراء مناقضة أو للتنافس معه على كسب الحظوة لدى عرفات، صار الآن يتصارع مع عرفات حتى يلقى حظوة لدى الأمريكيين أو إسرائيل· لكن الأكثر إثارة للدهشة هم هؤلاء المدافعون الشرسون عن عرفات ضد أي عربي، أو تحديدا ضد أي فلسطيني يجرؤ على انتقاده زاعمين أن أي وقاحة من هذا النوع ليست سوى محاولة لسرقة الأضواء من الزعيم·
اليوم، نرى بعض أعوان عرفات ينتقدون خطاب بوش لأنه “أجبرهم” على الوقوف الى جانب الرئيس الفلسطيني· وهؤلاء يتحدثون اليوم وكأنهم كانوا طوال حياتهم على خلاف مع عرفات، في حين أنهم جعلوا من التملق لعرفات سيرة ذاتية، ولاحظ كلمة “الإجبار”· فهي تعني أنه في حين يتخذ هؤلاء موقف المدافعين عن عرفات، فإنهم كمن يقول: “أنا مستعد للتآمر عليه لكنني مجبر على الدفاع عنه” فيعتبون على واشنطن علانية، وعلى إسرائيل، أو على حزب العمل الإسرائيلي، في السر لوضعهم في هذا الموقف المحرج·
ينبغي أن لا نكون متساهلين في حكمنا على الانتهازية التي أصابت زعماء السلطة الفلسطينية· فهؤلاء الأشخاص الذين نذروا أنفسهم للنضال الوطني الفلسطيني، تخلوا عنه الآن مع الثقافة السياسية التي التصقت به في لبنان وفي السلطة الفلسطينية بعد أوسلو لمصلحة صراع على المناصب ومراكز القوى في وقت كان الاحتلال الإسرائيلي يتقدم متوغلا أكثر·
في الواقع، آمنت سلطة الاحتلال بعلاقة تناسبية بين قساوة حصارها للسلطة الفلسطينية من جهة، وتصاعد الانتهازية الفلسطينية وتدفق “الحلول الشخصية” لمسألة القيادة من جهة أخرى· ويبدو أنها راهنت على غياب استراتيجية لحركة تحرر وطني فلسطيني يمكن أن توقف الانحطاط وتضع معايير للزعامة تقوم على القدرة على قيادة النضال في مختلف أبعاده السياسية والتنظيمية·
ينبغي أن لا نتساهل في حكمنا لأن هذه الانتهازية ليست تعبيرا عن الاستنزاف الذي سيطر على حركة التحرر الوطني وصعود التطفلية، إنما لأن هذه الانتهازية هي تعبير عن انهيار هذه الحركة قبل إنجاز أهدافها الوطنية·
انهيار اتخذ صورة تدهور أخلاقي يذكرنا بالانحطاط الذي صاحب انهيار الإمبراطوريات باستثناء أننا لا نتحدث هنا عن إمبراطورية، ولا حتى عن دولة، إنما عن كيان ضعيف يخضع للاحتلال·
ليس كافيا أن يشير منتقدو هذا الوضع الى أشخاص أو أن يروجوا اختراعات غير قابلة للتطبيق من أجل “إنهاء المأزق”، مثل أن “على عرفات أن يقف ويعلن هذا وذاك” أو أن “يدعو عرفات الى انتخابات”· ولا يجب أن يجد أحدهم ارتياحا في الاجتماعات بين بيريس - بموافقة شارون - والوزراء الفلسطينيين·
فهو لا يهتم إلا بما يجري الحديث عنه في هذه الاجتماعات، أي الموضوعات المقبولة بما في ذلك الإمدادات، الأدوية، الأغذية وممرات العبور، مع الوزارات أي “الأسماء المستعارة” الفلسطينية المكلفة بهذه القضايا·
فقبل كل شيء، ليست هذه الوزارات بحكم كونها خاضعة للاحتلال غير أشكال للحكم البلدي مضطرة الى التنسيق مع “الجانب الإسرائيلي” أي اللقب الملطف لقوات الاحتلال·
فما يهم شارون هو أن تبقى جميع الاتصالات بين الفلسطينيين والإسرائيليين خالية من أي موضوع سياسي الى حين تبدأ المفاوضات بشأن دولة فلسطينية مفصلة حسب شروط إسرائيل· ويبدو أن شارون وواشنطن مصممان على أن يستنزلا كل المصائب على عرفات، وأن يحكما عليه بأن يقود شعبه في الصحراء أربعين سنة من دون أن يكون قادرا على العبور الى أرض كنعان والأرض الموعودة·
غير أن انتقاد الحالة الراهنة للانهيار ينبغي أن يذهب الى أبعد من التوبيخ والتعييب· فهي ليست إصلاحا لـ “عملية الإصلاح” المطلوبة، إنما استراتيجية للمقاومة ولخلق مؤسسات لازمة لهذه الغاية· ومن المشكوك فيه ما إذا كان ذلك ممكنا بتغيير الوصف الوظيفي للسلطة الفلسطينية أو بإرسال موظفيها الى دورات تدريبية داخلية لتزويدهم بمهارات النضال ضد الاحتلال· هناك ستكون حاجة دائمة الى مؤسسات فعالة تتولى الشؤون اليومية للناس، وهذه المؤسسات هي بلا شك تحتاج الى إصلاح· غير أن حل الأزمة الفلسطينية الراهنة يحتاج الى المزيد: الحل يحتاج الى إعادة بناء حركة المقاومة الفلسطينية باعتبارها حركة ذات تصميم قاطع ضد الفصل العنصري الاستيطاني الإسرائيلي والانفصالية والعنصرية اللتين يجسدهما·
هذه المهمة تتطلب بدورها عقلية سياسية ديمقراطية أبعد ما تكون عن العقلية الأنانية الانتهازية التي سادت في الآونة الأخيرة داخل المؤسسات السياسية الفلسطينية والتي تنتظر الإنقاذ الذي ستأتي به التحركات الدولية والأمريكية· هذه العقلية الثانية ليس لها صلة بأي شكل من النضال الوطني أو المقاومة، على الرغم من واقع أن مثل هذا النضال والمقاومة الوطنيين هما خيار واقعي، نظرا الى أن شروطه اللازمة موجودة في المجتمع الفلسطيني، مع مخزون الشجاعة والتصميم والخبرة ومع الرغبة اليومية المؤكدة في القتال والتضحية·
في هذه الأثناء، بلغ نهج انتظار الإنقاذ من الخارج سخافة بمستويات عالية، ذلك أن الأشخاص الذين استهدفهم بوش في خطبته عن سياسته هم الذين رحبوا بالخطبة باعتبارها إيجابية· ثم بلغ الصراع على السلطة داخل السلطة الفلسطينية، حتى في ظل الاحتلال، مستوى من السخافة صار فيه أنه ما إن يرفع الحصار حتى تسير تظاهرات في الشارع لا تكاد تبعد مرمى حجر عن الدبابات الإسرائيلية حتى تنادي بالتأييد أو ترفع المعارضة لهذا أو ذاك من مراسيم التعيين الرئاسية· وما يحدث في فلسطين يتحدى قدرة العقل على التصديق، لا سيما في ضوء الصمود البطولي للشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي·
هنا يكمن الشرط المسبق للعمل في العالم العربي· فمن الجيد أن نطلب من الشعب النزول الى الشارع للتظاهر، لكن قولوا لنا أولا ما برنامجكم للنضال· فالناس لن يقاتلوا إن لم يكن لديهم أمل وأفق يتطلعون إليه·
وفي الوقت نفسه، من المستحيل ضبط الموقف الرسمي العربي إذا كان الفلسطينيون غير واضحين بشأن ما يريدون من أنفسهم، أو إذا كانوا مشغولين مثل كثير من الأنظمة العربية بتدمير الذرائع لتكييف أنفسهم مع ما قاله بوش في خطبته الأخيرة·
* ناشط سياسي فلسطيني بارز وعضو في الكنيست