رئيس التحرير: عبدالله محمد النيباري صدر العدد الاول في 22 يونيو 1962 السبت 24-30 جمادى الأولى 1423هـ الموافق 3-9 أغسطس 2002
العدد 1538

واشنطن: من الردع الاستراتيجي إلى الهجوم الوقائي

بقلم الآن فراشون

قبل بضعة أشهر من هجوم أمريكي محتمل، بل مرجح، على العراق، لم تعد القضية نظرية: بماذا يمكن تشبيه العقيدة الاستراتيجية الجديدة للولايات المتحدة، عقيدة ما بعد 11 سبتمبر؟ وكيف يمكن تسويغ الانتقال من وضعية عسكرية - دبلوماسية قائمة على الردع - أي عرض القوة للحؤول دون استعمالها - الى فلسفة استعمال القوة لغاية وقائية: أي الضرب عند الإحساس بالخطر؟

هذه هي القضية· وقد قال عنها ريتشارد هاس: “نحن لا نستطيع الركون الى عقيدة الاحتواء “منع العدو من مغادرة حدوده” ولا الى عقيدة الردع “ردع أي هجوم بضمانة الرد الصاعق”· وفي الطابق السابع لوزارة الخارجية في واشنطن يعمل هاس على “التفكير الواسع النطاق”· فهو مدير فريق التخطيط السياسي وأحد الذين يديرون مهمة التفكير الدبلوماسي - الاستراتيجي الآن، وهو يشغل منصب جورج كينان الرجل الذي صاغ في عام 1947 ضد العدو السوفييتي مفهوم “الاحتواء”·

كان مفهوم الاحتواء، المقرون بالردع النووي، المفهوم المنظم للاستراتيجية الأمريكية إبان الحرب الباردة كلها· وفي وجه عدو جديد لأمريكا، أي الإرهاب الإسلامي الخفي والحكومات المرشحة لمساندته، تريد إدارة جورج بوش صوغ استراتيجية جديدة، العمل الوقائي والعمل اللازم لإنهاء ذلك ينبغي أن يستكمل في الخريف، كما لو أن الأمر هو الاستعداد لتطبيقها للمرة الأولى “في يناير أو فبراير” ضد العراق، والعمل الوقائي يطرح أسئلة عدة·

يقول ريتشارد هاس إن الردع يمكن أن يستمر في مواجهة دولة تقليدية، ذلك أن التهديد بالرد يخيف دولة - لأنها ذات أرض وسكان ومصالح تدافع عنها - لكنه “لا ينفع حتما ضد منظمة مثل القاعدة أو ضد دولة مارقة· وهذه المنظمة غير الرسمية، المنتشرة هنا وهناك، النائمة أو النشيطة، لا توفر قدرا من الأهداف اللازمة لضربات عسكرية كثيفة، وقد أثبت صدام حسين عام 1991 أن التهديد بعمل عسكري ضد العراق لم يخفه·

أما أن تبدأ الولايات المتحدة عملا عسكريا قائما على معلومات تفيد أنها عرضة لعدوان فذلك لا خلاف عليه· ففي زيارة أخيرة لفرنسا، شرح ريتشارد هاس لصحيفة “لوموند” ما يلي: أتصور ما تفعله الشرطة في باريس كل يوم، فهي تبدأ العمل عندما تدرك أن المجرمين على وشك ارتكاب جناية معينة· والمشكلات تبدأ عندما نذهب الى أبعد من ذلك، من الاستباق الى الوقاية·

وإدارة بوش تريد العمل لغاية وقائية ضد أي جهة سواء أكانت دولة أم منظمة “ذات تاريخ إرهابي أو تاريخ عدواني أو تطور أسلحة التدمير الشامل أو تسعى الى امتلاكها وحتى لو كان ذلك من دون معلومات ذات مصداقية “من دون إشعار تكتيكي كما يقول هاس” إنما بما يكفي للفهم أن هذه الجهة أو تلك ستنفذ عملية ضد الولايات المتحدة·

و”القضية تكون عندئذ هي ضرورة أو شرعية عمل في غياب إشعار تكتيكي، كما يقول هاس، عمل نقوم به لأننا ببساطة لا نريد عالما نكون فيه معرضين دوما للخطر من أن يطور العراق أو القاعدة مثلا وسائل الاعتداء التي يمكن أن يستعملوها غدا على الأرجح إنه العمل ضد خطر متصور· ومن هنا ينبع نسق هذا المفهوم، أنا أهاجمك “بالاستباق” لأن لدي معلومات ملموسة تفيد أنك ستهاجمني، أو أنا أهاجمك “بأسلوب وقائي” لأنني أتصور أنك ستهاجمني لأن لديك سجلا قضائيا سميكا ولأنك تحوز وسائل التدمير· إنه عمل وقائي، كما يؤكد هاس، ليس بالضرورة عسكريا، إنما قد يتخذ شكل عقوبات اقتصادية أو عسكرية·

يفضل هاس الحديث عن “مجموعة مبادئ” لا عن “عقيدة” أو “استراتيجية”· فقد وصف في مجلة “نيويوركر” ظهور مبدأ تقليص سيادة الدول: “فالسيادة تفرض وجود واجبات، وأحدها هو أن لا تذبح دولة معينة شعبها· والآخر هو عدم مساندة الإرهاب بأي طريقة· وإذا تخلفت دولة معينة عن تنفيذ أحد هذه الواجبات فهي تخسر الميزات العادية للسيادة، بما في ذلك حق تركها وشأنها داخل حدود الدولة·

السؤال هو: من يصدر الحكم؟ يؤكد ريتشارد هاس أن واشنطن ستستشير حلفاءها وآخرين مثل الصين وروسيا قبل أن تصوغ مقاربتها الجديدة·

وإحدى المشكلات المطروحة - والمشكلة الرئيسية - هي البرهان أي معرفة ما إذا كانت الولايات المتحدة ستستأثر لنفسها بالحق في تحديد من يهدد أمنها ومن يمكن أن يصيبه الهجوم أو يطاح به؟ وسؤال آخر: هل يبقى العمل الوقائي حكرا على الولايات المتحدة وحدها؟ ألا يغري الهند باستعماله لتبرير هجوم على باكستان، وإسرائيل لإنهاء كل حركة وطنية فلسطينية، والصين بالعمل ضد تايوان؟

هذا التفكير في هذا العمل الوقائي الذي عرضه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد على حلف شمال الأطلسي في بروكسل بداية مايو لقي استقبالا فاترا· فقد عبر كثير من الأوروبيين عن تحفظهم حسب ما نقلت عنهم صحيفة “نيويورك تايمز” قائلين “نحن لا نرتاح كثيرا الى فكرة يعطي بوش استنادا إليها لنفسه نوعا من بطاقة بيضاء “تفويض مطلق” للقيام بكل التدخلات العسكرية التي يراها ضرورية من دون التماس أي قبول من الآخرين في الخارج”·

في عامه الـ 55، يتمتع ريتشارد هاس بشخصية هؤلاء الخبراء الأمريكيين في السياسة الخارجية الذين ينتقلون بغالبيتهم في واشنطن من الحكومة الى الجامعة· وهو يعترف بأنه لا الإسلام الأصولي ولا دول العالم الثالث الثلاث - العراق، إيران وكوريا الشمالية - الموصوفة بأنها “محور الشر، يمكن أن تشكل تهديدا كالذي كان يشكله الاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة· وهو قال عن ذلك، إن أيا من هولاء لا يستطيع أن يشكل حتى جزءا صغيرا من التحدي الشامل المتعدد الأبعاد من الاتحاد السوفييتي، لكن من ناحية، لا يمكن أن نستخف بأن دعوة الإسلام الأصولي يمكن أن تجد صدى لها في صفوف المسلمين ذوي العدد الكبير·

ومن ناحية أخرى، في حالة بعض الجماعات أو بعض الدول الإرهابية، ليست هناك حاجة لأن يحصلوا على تكافؤ استراتيجي معنا حتى يكونوا قادرين بكمية صغيرة من المواد البيولوجية أو النووية على إحداث كارثة”· ومن هنا ينبع التفكير الجاري حاليا في العمل الوقائي·

                                               

   (لوموند)

طباعة  

جذور الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي
 
الحل الفلسطيني بعد إطاحة صدام
 
الأيديولوجيا الصهيونية أساس للعنصرية